رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات



تحرير إدلب .. معركة حاسمة ومسألة وقت

29-8-2018 | 23:07
د. حسن أبوطالب

منذ أن نجح الجيش السورى فى تحرير العديد من المناطق والمحافظات والقرى التى وقعت سابقا فى أيدى جماعات مسلحة وإرهابيين ومنظمات يعتبرها الغرب وحلفاؤه معارضة معتدلة، وآخرها ريف دمشق ودرعا قبل شهرين تقريبا، وهناك اتفاق عام بين المراقبين للوضع السورى بأن إدلب ستكون بمثابة معركة الحسم بين الدولة السورية من جانب وجماعات الإرهاب والتطرف العابرة للحدود من جانب آخر. ولكل من هذين الطرفين أصدقاؤه وحلفاؤه الذين يشاركون مباشرة فى المعركة المنتظرة. 
 
الرئيس بشار الأسد حسم الموقف تقريبا بقوله إن تحرير إدلب سيتم بالقوة العسكرية أو بالمصالحات، كتلك التى حدثت فى درعا وريف دمشق، التى أنهت وجود المسلحين والمتطرفين، وأعادت تلك المناطق وغيرها إلى سيادة الدولة وإدارتها. والتزاما بهذا الوعد يتم حشد العديد من الجنود والآليات السورية على أكثر من محور شرقا وغربا وجنوبا من إدلب وريفها، كما تقوم الطائرات السورية والروسية بقصف المواقع التى يتمركز فيها مسلحون وإرهابيون فى مواقع مختلفة. ويقابل ذلك استعدادات مكثفة من قبل المنظمات الإرهابية لصد أى هجوم محتمل من قبل الجيش السورى. وبعض تلك المنظمات كهيئة تحرير الشام أعلنت ما يعرف بالنفير العام، وأصدرت بيانات وقحة أكدت فيها ما وصفته بجاهزية مسلحيها على رد العدوان، كما تعاقب بالموت والاعتقال كل من ينادى حقن الدماء وتسوية وضع المحافظة سلميا مع الحكومة السورية وتعتبرهم من الخونة والمرجفين. كما قامت تركيا بإنشاء هيكلية عسكرية موحدة للعديد من المنظمات المسلحة وقدمت لها الأسلحة الحديثة فى محاولة لردع الجيش السورى عن تحرير تلك البقعة الغالية من التراب السورى.
 
خصوصية إدلب وريفها
 
بيد أن الوضع العام فى إدلب يتسم بالخصوصية مقارنة بالعديد من المناطق التى تم تحريرها سابقا، وأبرز عناصر تلك الخصوصية يتعلق بالموقع الجغرافى، حيث القرب من الحدود من تركيا والتى تمارس دورا متعدد الأبعاد، يمزج بين دعم الجماعات الإرهابية والادعاء الكاذب بمحاربة الإرهاب والسيطرة المباشرة على مناطق من المحافظة والوجود العسكرى الفعلى تحت مسمى نقاط المراقبة، وفقا لخطة إنشاء مناطق منخفضة التوتر، وأخيرا لملمة شتات المسلحين تحت مسمى «جيش الفتح»، والذى هو عبارة عن مزيج من مجموعات ومنظمات مسلحة وإرهابية، بهدف ردع القوات السورية عن تحرير المحافظة واستعادتها إلى سيادة الدولة السورية.
 
وتمتد خصوصية إدلب، إلى أنها المنطقة التى كانت دائما الوجهة المفضلة للمسلحين، الذين لم يرغبوا فى البقاء فى المناطق التى تم تحريرها وتسوية أوضاعها بوساطة روسية، ورفضوا الانضواء تحت مظلة الدولة السورية. وعبر العامين الماضيين تجمع فى المحافظة العديد من المسلحين من غير السوريين، وأبرزهم من الإيغور الصينيين، الذين يشكلون ما يعرف بالحزب التركستانى، والشيشان الروس، الذين استوطنوا هم وعائلاتهم مساحات واسعة من شمال وشمال غرب سوريا وريف إدلب واللاذقية، ولعبوا دورا كبيرا فى السيطرة على المحافظة لصالح جيش الفتح الذى شكلته تركيا سابقا لمحاربة القوات السورية العام 2015.
 
وإلى جانب هؤلاء يوجد المسلحون التابعون لجبهة النصرة، أو القاعدة، التى غيرت اسمها كنوع من التحايل على العقوبات الدولية إلى “هيئة تحرير الشام”، إلى جانب منظمات أحرار الشام والجبهة الوطنية وجيش الإسلام وجيش إدلب الحر.
 
وتذكر التقارير أن عدد مسلحى تلك المنظمات يصل إلى 150 ألف مسلح، وأن أكبرهم عددا “هيئة تحرير الشام” أو “النصرة” سابقا بما يقترب من 45 ألف مسلح من جنسيات مختلفة بينهم عرب وأفارقة وآسيويون وأوروبيون، وكثير منهم محترفو قتال ومدربون جيدا على حرب المدن. ونظرا للمنافسة بين تلك المنظمات الإرهابية، ورغبة فى مزيد من السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من المحافظة وريفها، حدثت مواجهات بين مسلحى تلك التنظيمات، أودت بحياة العديد منهم إلى جانب العديد من المدنيين الأبرياء.
 
وشكلت تلك المواجهات عقبة أمام الأهداف التركية التى تسعى إلى استمرار هؤلاء المسلحين تحت سيطرتها، وتوظيفهم فى تحقيق سيطرة غير مباشرة على إدلب، ومن ثم التحكم فى مصير الشمال السورى ككل بعيدا عن الدولة السورية. وهو ما أوضحه الرئيس التركى أردوغان بأن تحقيق السلام فى المناطق التى تخضع للنفوذ التركى فى سوريا والعراق له أبعاده التاريخية إلى جانب أبعاده الراهنة، فى إشارة إلى أن الكثيرين من المسلحين، لا سيما التركستان الصينيين والشيشان يدينون بالولاء لفكرة الدولة العثمانية تاريخيا ولتركيا الحديثة حاليا، وهم الأدوات المباشرة لنفوذ أنقرة فى أراضى الشمال السورى، ومن ثم هم جزء رئيسى من مشروع التوسع التركى على حساب سوريا والعراق.
 
 
معضلة الطموح التركى
وتجسيدا لسيطرة تركيا على هؤلاء المسلحين أو بالأحرى القسم الأعظم منهم، بذلت أنقرة جهودا كبيرة لإحياء جيش الفتح وفق هيكل جديد، بحيث ضم أغلب مسلحى الجماعات التى خرجت من حمص والغوطة الشرقية وريف دمشق، وتم توزيع المهام بعد توفير الأسلحة الحديثة وتحديد أماكن الانتشار وفقا للخطط التركية، وكلها مهام تصب فى منع تقدم القوات السورية. ووفقا للتقديرات المتداولة يصل عدد مسلحى هذا الجيش العميل إلى ما يقرب من 75 ألف مسلح، يخضعون للأوامر التركية مباشرة.
 
 
لكن تظل هناك عقبة تواجه التحركات التركية، أبرزها كيفية استيعاب مسلحى جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، وهى المنظمة المصنفة إرهابية عالميا، والمطلوب وفقا لاتفاق إنشاء مناطق خفض التوتر، الذى تعد تركيا طرفا مباشرا فيه مع كل من روسيا وإيران، أن يتم عزل تلك المنظمة ومواجهتها والقضاء عليها، وهو ما لم تقم به أنقرة بعد، نظرا لوجود صلات مباشرة بين الجيش والاستخبارات التركية وبين تلك الهيئة الإرهابية. وكثيرا ما وعدت أنقرة كلا من روسيا وإيران بأن تنهى تلك المشكلة.
 
لكنها لم تفعل وطلبت من روسيا المزيد من الوقت، فى وقت تبدى فيه التحذيرات واحدا تلو الآخر من مخاطر أى عمل عسكرى، يترتب عليه نزوح آلاف السوريين من إدلب فى اتجاه تركيا. وتفهما لتلك النقطة تحديدا قبلت روسيا لمرة أخيرة أن تمنح أنقرة مهلة أخرى فى حدود شهر بدأ بالفعل منتصف أغسطس الماضى لتسوية مشكلة النصرة، اعتمادا على نفوذها وعلاقاتها مع تلك المنظمة الإرهابية.
 
وسوف يخضع هذا الأمر لمناقشة مستفيضة فى اللقاء الثلاثى المقرر عقده فى التاسع من سبتمبر الجارى فى إحدى مدن شمال إيران، وسوف يشارك فيه رؤساء روسيا وإيران وتركيا، بهدف تحديد الخطوات السياسية والعسكرية المقبلة فى سوريا، بما فى ذلك تحرير إدلب من المسلحين وسيطرة الجيش السورى عليها.
 
 
والمرجح أن تقبل تركيا على مضض أن يتم تحرير إدلب، سلما أو بالقوة العسكرية، وأن تتوقف عن دعم المنظمات المتطرفة، مقابل أن يتطور التحالف مع الطرفين الآخرين فى مواجهة الصلف الأمريكى وما فرضه من عقوبات على البلدان الثلاثة. وفى حال عزوف تركيا عن هذا التعاون فى إدلب، فسوف تخسر دعم حليفين كبيرين فى وقت ملىء بالتحديات التى تحتاج إلى داعمين وليس ناقمين.
 
والواضح أن سياسة تركيا فى سوريا خصوصا دعمها لمنظمات إرهابية ومتطرفين ومسلحين بدأت تنقلب عليها، وليس أمام أنقرة سوى أن تثبت أنها دولة تلتزم بميثاق الأمم المتحدة، وأن تمتنع عن إيواء الإرهابيين وتوظيفهم فى احتلال أراضى الغير، وأن تقدم ما تستطيع للقضاء على الإرهاب والإرهابيين وليس تغذية ودعم طموحاتهم غير المشروعة. 
 
 
معضلة التخبط الأمريكى
المعضلة التركية ليست وحدها التى تلقى بظلالها على أى عمل سياسى أو عسكرى يتعلق بتحرير إدلب، هناك معضلة الولايات المتحدة ومواقفها المتخبطة تجاه الحرب فى سوريا، وتغير أولوياتها بين وقت آخر.
 
ولا تخفى إدارة ترامب نياتهم فى البقاء لمدى زمنى طويل فى مناطق الشمال السورى، التى يتمركز فيها الأكراد بحجة دعمهم فى مواجهة إرهاب داعش وما تبقى منه، وتعلن رفضها التام قيام الجيش السورى بتحرير إدلب من المسلحين والمتطرفين رغم علمها بأنهم تابعون لمنظمات إرهابية مرفوضة عالميا، وترفض التعاون فى أى عمل يسهل عودة اللاجئين السوريين، وتعتبر أن مناقشة إعمار سوريا مؤجلة إلى حين الانتهاء من عملية سياسية متكاملة وفقا لمقررات جنيف. وبعد فترة من التوقف عن إثارة مستقبل الرئيس الأسد، أعادت واشنطن فتح هذا الملف ثانية، وتطوع الرئيس الفرنسى ماكرون بالتركيز عليه ثانية.
 
 
وتثير تهديدات جون بولتون، مستشار الأمن القومى الأمريكى، بالعدوان على سوريا إذا ما استخدمت الأسلحة الكيماوية فى إدلب أكثر من دلالة، أبرزها أن واشنطن تمهد لعمل عسكرى كبير قد تشارك فيه فرنسا بريطانيا ضد الجيش السورى بحجة نيات استخدام الأسلحة الكيماوية، أو ربما فبركة حادثة مثل التى جرى فبركتها فى إبريل الماضى، وهو ما حذرت منه موسكو بكل وضوح، وثانيها أن أمريكا تعمل على توريط روسيا وإيران فى مواجهة عسكرية كبيرة مع منظمات مسلحة فى الأراضى السورية سوف تحصل على دعم عسكرى أمريكى بدون أى مواربة، بحجة وقف الجيش السورى، وثالثا أن الولايات المتحدة ليست راغبة فى توفير الشروط المناسبة لتسوية الأزمة السورية، وتعمل على إبقائها مشتعلة لأطول فترة ممكنة، وتصر على  أن الأولوية هى لخروج العسكريين الإيرانيين وليس دحر الإرهاب.
 
المثير هنا أن كل تلك التحركات الأمريكية باتت مفضوحة ومكشوفة، وقد استخدمت من قبل مرات عدة، وثبت فشلها فى منع تقدم الجيش السورى سابقا، وليس هناك ما يوحى بنجاحها فى حالة إدلب تحديدا.
 
جملة هذه المدخلات تعنى أن تحرير إدلب ستكون معركة حاسمة بكل الأبعاد السياسية والعسكرية، كما ستكون لها ضحاياها الكُثر من كل الأطراف. ولو أن هناك ذرة من عقل لدى القائمين والمشرفين على منظمات الإرهاب والتطرف، لقبلوا بالتسوية والمصالحة وحقن دماء أنفسهم ودماء الأبرياء من السوريين، وعاد كل منهم إلى مسقط رأسه أو لجأ إلى راعيه الأكبر فى أنقرة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg