رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



الأشجار

30-8-2018 | 00:29
د. عمرو بسطويسي

 
إذا ما التفتَ أحدُنا ناظراً إلى ما ورائِه مِن سنواتِ العُمر التى انقضَت بينما هو فى عِقدِهِ الرابع أو الخامس أو السادس وسألناه: ماذا ترى؟ فلن تَكون إجابته إلا أن تلك السنوات مَرَّت سريعةً كلمحِ البَصر، أو كما لو كانت وَميضاً من الضوءِ الخَاطف لا تُدركهُ العَينُ. 
 
وإذا مَا سألنا أيَّاً منا: ماذا فعلت فيما وَمضَ من سنواتِ عُمرِك؟ فسنجد إجابات عِدة لا تخرج مِن كَونِه أمضى مُعظمها فى تعبٍ وكفاحٍ يختلف شكلُه ما حَسب حياةِ الإنسان وطبيعةِ عملِه وظروفِهِ الحياتية. فمنا من أفردَ عِدةَ سنواتٍ ليُكافح من أجل أن يتفوق فى دراستِه الأولية، مِن حضورٍ مُلزِمٍ فى المدرسة صباحاً يليه قَفزٌ مُتكرر بين مراكز الدروسِ الخصوصية، وقد لا يقف الأمرُ عندَ هذا وحسب، بل من المُمكن أن أبويه -مثلاً- قد ألزماهُ أن يقضى إجازتَه الصيفية فى الدروسِ الخصوصية لينتهى من المِنهَجِ قبل بداية العام الدراسى، لعله يحصل على مجموعٍ كبيرٍ فى الثانويةِ العامة يُمكِّنه من الالتحاق بالكليةِ التى يَتمناها. وبهذا فلا طالَ الطالبُ متعةً فى دراستِه ولا طالها فى إجازته الصيفية، وظلت أيامُه مُتلاحقةً متشابكةً ومتشابهةً ومرهقةً لأنفاسه اللاهثة وراء هدفٍ يُمكن تحقيقه بمجهود أقل وبشكلٍ أبسط وأكثرِ متعة. 
أما فى الدراسةِ الجامعيةِ فقد تكون أنت - أيها القارئ الكريم - واحداً من هؤلاءِ الذين قَضَوا ساعاتٍ طوالاً بين المكتبات ليقوم بتصويرِ المحاضرات والمذكرات المُهتَرئة كى ينالَ من العلمِ تلكَ القشور التى تسمح له بالنجاحِ فى الامتحانات، أو ذلك الذى انْكَبَّ على أمهات الكتب طَامعاً فى العلمِ الأصيل مِن مَنَابِعِه، فلما وَصل الى عَتبةِ الامتحان ألفى عقلَه وقد اكتَظَّ بمعلوماتٍ وفيرةٍ تفوقُ ما يريدُه المُمتحن، ولا يدرى أيَ إجابةٍ تلك التى سَتنُجِّيه من خطرِ السقوط راسباً بينما هو على علمٍ يفوق أقرانَه. 
ولا أُزيدُ قارئَ هذا المقالِ معرفةً، إن وصفتُ له تِلك الحياة بعد التخرج وذلك الصراع من أجل أن يجدَ الخريجُ وظيفةً تكفُل لصاحبِها المركز الاجتماعى المقبول، والدخل المالى الذى يكفيه شرَّ الحاجةِ إلى عبادِ الله. 
أما الزواج وتكوين أسرةٍ فهذا صراعٌ آخر من أجل البقاء، له شجونُه وآلامُه التى عادةً ما تكون لأسبابٍ مادية تأخذ معها بهجةَ وفرحةَ العواطف والمشاعر، وقد تكون بسبب ما فرضه الأهلُ والأقارب من وِصايةٍ على الفكرِ والقرارات ظناً منهم أنهم بهذا يحمون أبناءهم ويُسَهِّلون عليهم أمورَ الحياة. 
 
أما ما سوف يَنبَثِقُ عنه الزواجُ من مسئوليات لربِ ورَبةِ الأسرة تَخُص الأبناء ودِراساتهم واحتياجاتِهم، فما هو إلا تكرارٌ لما بدأناه فى أول هذا المقال، حيث تتكرر المسئوليات والمشاغلُ نَفسها ولكن ليس فيما يَخُصُّ الإنسانَ لفردِه وإنما لأبنائه وأحْفادِه أيضاً، حيث تتضاعف المسئوليات لتُحيط بعقلِه ووجدانه وتضَعَهُ فى حلقةٍ مفرغةٍ لا تنتهى، ودوامةٍ مُستمرةٍ تُطبِقُ على أنفاسهِ وتحبسه داخلها فلا يرى من الحياة إلا ما هو تحت قدميه المُكَبَّلتين. 
 
هكذا إذاً هى الحياة لمعظمِنا، دوامةٌ نسقطُ فيها دون أن ندرى، وقد يستيقظ بعضُنا بعد أن تستقر به الحياة، مالياً أو نفسياً أو وظيفياً، بدرجةٍ قد تزيدُ أو تنقُص، فيكون الأوان قد فاتَهُ وإذا به قَد انشغلَ بعددٍ من الأمراض التى ألمَّت به مُنتَقِصَةً من قدرتِه على الاستمتاع بما تَبقى له من حياتِه. 
 
إذاً، فالحياة التى نَحياها ما هى إلا كالطريقٍ الطويلٍ الممتد، الذى تحيطُه الأشجار. كلُّ شجرةٍ تُمثلُ سنةً من سنواتِ العمر. وكلُّ شجرةٍ مليئةٌ بالأشواك والزهور على حدٍ سواء، فإن قَضيت عمرَك راكضاً لاهثاً، تاركاً أهدافك فى الحياة تُغلق عينيك عن جمالِها وروعتِها، فسَتُصيبك الأشواكُ بجروحِها التى قد لا تَنْدَمِل ولن تتمكن من رؤيةِ أزهارِها والتمتُّع بها، أما إذا أمهلتَ الخُطى عِند كُل شجرةٍ وتَجنبت أشواكَها، فسَتسنحُ لك الفرصةُ أن تتمتع بتلك الزهور سنةً تُلو الأخرى. 
 
وقد يكون جمالُ الحياةِ وروعتُها متمثلين فى أمورٍ بسيطة لن تدركها إن كنت سريعَ الخُطى غير َناظرٍ إلا لما تحت قدميك. فقد تُدرك البهجةَ فى وردةٍ قد أينَعت على عتبةِ شباكِ غرفتِك أو ضحكاتِ بريئة لأطفالٍ فى طريقِهم للمدرسة، أو من فمِ طفلِك وهو ينطقُ بكلماته الأولى أو يخطو لأولِ مرةٍ فى مُقتبل طفولته، أو بآياتٍ من القرآن أو الإنجيل تقرأها لتطهر بها ثنايا قلبك. 
كم من المرات أدرتَ بعضَ الموسيقى الهادئة قبل أن تخلد إلى فراشك لتغسل بها جنباتِ نفسِك المُتعبة، ولتُصَفِّى روحك مما عَلَقَ بها من غبارِ يَوْمِ عملٍ طويل. هل انغمستَ يوماً فى أيِّ عملٍ خيرى تقدمًً فيه لمجتمعّك جزءًا ولو بسيطا من واجبِك تجاه من هم أكثر احتياجاً وأقل حيلة فتسعد روحك بطاعة الله.
 
تأكد يا عزيزى - قارئ هذا المقال - أنه فى كل مرحلةٍ من مراحلِ حياتِك هناك ما يُسعِدُك فى خِضَم كل الكفاحِ والمعاناة. فما عليك إلا أن تتمهل رويداً عِند كلِ ٌشجرة من أشجار عمرك لتنهلَ من رحيقِ أزهارِها، وتسجُد للهِ شاكراً على ما مَنحه لك من زهورً وترضى وتقبل بأشواكها لعلها ترفع درجتَك عند الخالق ثواباً لهذا الرضا. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg