رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

مقالات



عَنْ العِشْقِ والهَوَىَ

5-9-2018 | 17:03
وائل سليمان

_ بمحض الصدفة كنت قد شاهدت له "فيديو" على اليوتيوب منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، ولكننى لازلت أذكر كل حرف نطق به إلى الآن، وما تنفك دهشتى أن تتجدد كلما تذكرت كلماته،
 
_ والآن سأحاول نقل ما تحدث به ذلك الرجل السبعينى عن مصر التى لا ينتسب إليها ولكن حبها يسرى فى روحه وعروقه إلى جانب وطنه الأم،
 
_ اعتلى الرجل منبره فى قلب الاحتفال بافتتاح دار الوثائق الجديدة بالفسطاط، وفى حضور كبار رجال الدولة المصرية أخبر الجميع عن مشاعره تجاه تلك الأرض وعن ذكرياته معها، وكيف أنه يوم احتراق المجمع العلمى فى أعقاب "٢٥ يناير" كانت الكُتُب تحترق والنار  بقلبه تشتعل، لافتاً إلى أنه وَعَدَ بعدها بإعادة الكُتب، وقال: أنا أعرف مكان الكُتب وأعرف من يقف خلف النيران أستَطِع أن أعوض المجمع العلمى،
 
وأشار إلى أنه وجد المخطوطات فى مصر بحالة يُرثىَ لها، لذلك صمم على إنشاء وافتتاح مبني دار الوثائق الجديد فى أقرب وقت ممكن،
 
_ لم يقل الرجل ذلك من باب التفاخر أو الاستعراض، وإنما عَقبَ بأن  مصر لها فضل على منطقة الخليج عامة والإمارات خاصةً.، وأكد أنه يحرص دائماً على مشاركة مصر أفراحها، معتبراً أن مشاركته فى افتتاح دار الوثائق الجديدة نقطة فى بحر عطاء مصر.
 
_ ثم عاد الرجل بذاكرته إلى الوراء لأكثر من خمسين عاماً وأشار إلى أن حبه لمصر دفعه لأن يكون أول صحفى سِريِ لها خلال العدوان الثلاثي عام 1956، حيث كان يقوم بالرصد الصحفى لكل ما يحدث في الحرب على مصر،
 
_ ثم أوضح: أنه جاء إلى مصر بعدها عام 1965 طالباً للعلم فوجد جميع علوم الدنيا فى مصر من تراث وآثار وقيم وأخلاق.، والتحق بالدراسة فى كلية الزراعة بجامعة القاهرة التى يتشرف دوماً بأنه أحد أبنائها، ثم حكى للحضور عن مشاعره فى أعقاب 67 وكيف اعتصر قلبه ألماً وحزناً على مصر،
 
فقرر وقتها شيئاً غريباً _يثير دهشتى إلى الآن_ فقد قرر الإلتحاق بالجيش المصرى ليشارك فى الثأر لها، وبالفعل ذهب إلى منطقة التعبئة لتسجيل اسمه ضمن قوائم الجنود الاحتياط، إلا أنهم رفضوا الاستعانة به وشكروه، فما كان منه إلا أن جلس أمامهم على الأرض وظل يصيح: ( لماذا لا تريدون أن تأخذونى.. خذونى فإنى أجيد قيادة سيارات النقل، و أجيد ضرب النار ).،  ولكنهم شكروه ورفضوا أيضاً، فصاح مجدداً: (خذونى فأنا أجيد مسح الأحذية، وأرغب فى مسح أحذية الجنود المصريين)،
 
_ يا الله.. فكم كانت كلماته كبيرة، ولكن مشاعره تجاه مصر كانت أكبر، فمن يسمعها إذن ولا يرفع صاحبها فوق الأعناق، 
 
وبالفعل تم قبوله مع باقى المتطوعين وتم ترحيلهم إلى أحد معسكرات التدريب بمنطقة الأهرامات.،
 
_ وأشار إلى أنه عاش بمِصر لمدة خمس سنوات.. وعندما حانت لحظة الرحيل عز عليه فراقها، موضحاً أن مِصر ظلت محفورة فى القلب، مضيفاً أنه يملك صورة للنيل من نهاية شارع البحر الأعظم بالقرب من محل إقامته الذى كان، وأنه يطيب له التواجد دائماً بتلك المنطقة للإستماع إلى صوت المراكب.،
وأضاف أنه كلما اطلع على تلك الصورة قال: (سلام يا مصر.. بحبك مهما غَرَبُوا بيكى)،
 
لافتاً إلى أن أحد الأشخاص قال له: "انظر لحال النيل حالياً"، فرد عليه قائلاً : (بَحِبُه بَرضُه).
_ ثم أوضح أن ما كان يُراد بمصر أكبر مما رأيناه ولكن لم يحدث ذلك بفضل هِمَة رجالها، مؤكداً أن "من يحمل أمانتها" قد أتى به الله لينقذ مصر في الوقت المناسب، وأكد أنه رجل عادل لا يقول أنا فعلت، ولكن يقول أنتم فعلتم وصنعتم، وهذه هى صفة القيادة الحكيمة ثم أَتْبَع قائلاً: ( "لم ألتق به بعد".. ونأمل أن يحميه الله ويبقي لمصر حتي تستطيع أن تصل بأبنائها لمستوى من الرفعة و الكرامة ).
 
_ ثم روى واقعة اعتقاله فى مصر، قائلاً : ( أخذونى على وزارة الداخلية وتمت مُسائلتى عن سِر تجولى بالشوارع ، فقلت: "أريد اعرف مصر"، مضيفاً فكنت كلما وقفت أمام أى مبنى مشدوهاً مُعجَباً كانوا يشكون فى أمرى، ثم خرجت من مصر بعد أن طبعت كل صورة لها فى قلبي.
وقال : (إن أعظم شئ عرفته هو المصرى الأصيل.. كل شئ جميل فى مصر شوفته، والقبيح لم أراه، فمصر قِيَمِها كثيرة).
 
_كان هذا هو حاكم الشارقة بدولة الإمارات "الدكتور سلطان بن محمد القاسمي" الذى أعطى يومها درساً فى حب مصر، من خلال كلمته عن فضلها ومكانتها،
 
_ قطعاً لم يطلب منه أحد ذلك، وإنما كان يتكلم الرجل بدافع ذاتى لن يدركه سوى النبلاء،
لم يجد حرجاً فى ذكر ما رواه عن أيام صِباه، ولم تجد نفسه تكبراً عن ذكر أصدق وأنبل المشاعر تجاه وطنى وأهله.،
 
_ ورغماً عنى أتذكر أنا أيضاً كلماته تلك.. كلما رأيت أو سمعت من يحاولون الإساءة إليها، أو تشويه ماحققته من انتصار عسكرى أعاد للأمة عزتها، أعاذنا الله من شرورهم ومن سواد قلوبهم،
 
_ ولا أجد اليوم أفضل مما ختمت به مقالٍ سابق عن _أحد المتيميين ببلادى_ لأنهى به حديثى إليك عزيزى القارئ  .
 
نعم.. فلازلت متعجباً من مفارقات الحياة..
فهناك قلوبٌ تنتمى ولا تنتسب..وقلوب تنتسب ولا تنتمى..
وشتان..شتان بين الإنتماء والإنتساب،
* قلوب لا تنتسب إلى أرضك يا مِصر ولكنها تنتمى إليك بما تملكه من رصيدٍ كبير يملئ وجدانها وكيانها بمشاعر الحب والحنين والإخلاص،
* وقلوب تنتسب إليك ولكنها لا تنتمى..
ففى نظرها القاصر وعقلها المريض:
"ما الوطن إلا حفنة من ترابٍ عَفِن..!!"
 
_ وإن عاشت تلك القلوب أعماراً فوق أعمارها لن تدرك أبداً أن فى عُرف و دُستور الأوطان.. تظل هناك أشياءٌ ثمينة صعبة المَنال.. وأن الإنتماء والوفاء والنبل والإخلاص لم تكن يوماً بالأوراق الثبوتية الدالة على حَمْل الجِنسية أو ببطاقات الهَوية.. وإنما بِالبَذْل والعطاء والإيثار.
 
_ حقاً.. "هى أشياءٌ لا تُشترى"
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg