رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 14 نوفمبر 2018

مقالات



مسرح الفكر والفرجة

6-9-2018 | 14:55
سيد محمود

ليست لدينا إحصائيات واضحة أو أرقام دالة يمكن الاسترشاد بها فى الكثير من مجالات العمل الثقافى فى مصر، فمن الصعب جدا الاطمئنان لرقم بشأن عدد القراء أو اتجاهات القراءة وبالمثل أيضا ليست لدينا أرقام عن أعداد مرتادى المسارح وعند المقارنة ربما تبدو السينما أحسن حالا، لأن غرفة صناعة السينما تصدر أرقاما بشأن الإيرادات وحجمها بطريقة تشعل المنافسة دائما.
 
والأسبوع الماضى أتيحت لى الفرصة لمشاهدة عرضين مسرحيين ناجحين جدا بالمعايير الفنية وبحجم الإيرادات أيضا، وهى معادلة تحتاج للكثير من التأمل 
العرض الأول هو "مسافر ليل" بحديقة ساحة مركز الهناجر بدار الأوبرا للمخرج محمود فؤاد صدقي، أما العرض الثانى: فهو "أليس فى بلاد العجائب" على مسرح البالون للمخرج محسن رزق. وبين العرضين اختلافات كثيرة تعود لطبيعة النصين لكن ما يجمع بينهما الجودة الفنية. 
 
ينتمى العرض الأول لفئة العروض النخبوية ذات السمة التجريبية، إلا أنه بفضل المعالجة الجيدة والجديدة لمخرجه نجح مع أبطاله جهاد أبو العينين وحمدى عباس إضافة للممثل الكبير علاء قوقة فى تحويله لفرجة ملهمة فى قدرتها على إمتاع المشاهدين وحفزهم على التفكير فى الأسئلة الوجودية والجمالية التى يطرحها النص المبهر لشاعرنا صلاح عبد الصبور. 
وصاغ المخرج فى معالجته الجديدة معادلة المواجهة بين الراكب وعامل التذاكر فى شكل حلبة صراع، بينما جلس الجمهور فى مقاعد القطار، فأصبح طرفا فى اللعبة وعليها الانحياز لأحد طرفى الصراع. 
 
وأعترف شخصيا أننى ذهبت للعرض وفى ذهنى الرهان على وعى وكفاءة وموهبة ممثل كبير هو علاء قوقة، الذى كان كعادته عند حسن الظن، لكننى انحزت عقب المشاهدة لكل عناصر العرض وفنانيه ولمخرجه الشاب الذى أتوقع له المزيد من النجاح، وامتلأت رئتى بعدها بهواء نظيف أعاد إلىّ البهاء القديم لمسرح الهناجر الذى صنعته أستاذتى صاحبة الفضل الدائم الدكتورة هدى وصفى. 
 
وفى فضاء مسرحى مغاير تماما راهن عرض "أليس فى بلاد العجائب" على الخيال وهزم فقر الإمكانات المتاحة لمسرح الدولة واستطاع مخرجه محسن رزق تقديم مستوى بالغ الرقى من مستويات المسرح الاستعراضى الغنى بكل فنون العرض والاستعراضات الكرنفالية، التى لا تقل جودة عما تقدمه أفلام ديزنى لاند . 
ومن الأمور المدهشة التى تستحق التأمل أن العرضين وجدا تقديرا جماهيريا كبيرا لا يمكن تفسيره إلا بتعطش الناس لهذا الفن الذى يقاوم على أكثر من جبهة أبرزها الصراع مع الوسائط الجديدة.
 
وتستحق مثل هذه العروض المزيد من فرص العرض والتجوال فى مختلف أقاليم مصر وفى المهرجانات خارجها، وأدعو وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم للتفكير فى وسائل جديدة للتسويق وتصوير هذه العروض وبيعها مصورة للفضائيات، تفعيلا لبروتوكلات تعاون وقعتها الوزارة مع وزارة الإعلام، ومع بعض الفضائيات الخاصة، وأجزم أن هذا الإجراء سيعيد رسم الصورة عن واقع المسرح المصرى الذى يعتقد البعض أنه يعيش فى أزمة، فى حين أنه يعيش ظرفا استثنائيا من ظروف نهضته التى جاءت ولا شك نتيجة تراكم جهود المغامرين داخل مسرح الدولة فى الطليعة والغد والهناجر، أو من خارجه ممن سعوا لتأسيس تجارب المسرح المستقل. 
 
وللأسف هناك من يروج لخطاب أزمة المسرح ويلح عليه، وهو إما فردا من أفراد الحرس القديم الراغب فى حماية أمجاده، والتأكيد على منجزه الأسطورى غير القابل للمراجعة أو التفكيك أو من غير المتابعين الذين لا تصل إليهم هذه البشارات الكاشفة عن مسرح مصرى جديد يعرف الطريق للجمهور، مستندا فى ذلك على جهود نقدية جادة ومحترمة فى مجلة "مسرحنا " وغيرها أملا فى الوصول إلى ضوء جديد ولو فى نهاية النفق.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg