رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 19 نوفمبر 2018

مقالات



نظرية مؤامرة.. نعم ولا

5-9-2018 | 00:59
مهدى مصطفى

 نظرية المؤامرة تعبير غربى، ظهر فى بريطانيا  العظمى فى عشرينيات القرن الماضى، وشق طريقه فى الستينيات إلى الرأى العام العالمى، واعتمده قاموس أكسفورد  البريطانى أيضا كاصطلاح راسخ  فى التسعينيات.

تنامى مع أحداث 11 سبتمبر 2001،  وكان ولا يزال محط أنظار الناس بعد الاغتيال الغامض للرئيس  الأمريكى الطيب جون كيندي فى الستينيات،  واستخدمته السينما الأمريكية بتوسع عن مخلوقات نازلة من الفضاء أو صاعدة من جوف الأرض، آمن به العرب الجدد فى العقود الأخيرة.
 
وللعرب  الحق، كل الحق، فى هذا الإيمان التام، فما يجرى فى بلادهم لا يجوز تفسيره إلا بهذه النظرية، وإلا ما معنى  تكوين (لجنة) من كبار  السياسيين التنفيذيين المتقاعدين، تقوم بمهمة واحدة، هى تدمير مؤسسات الدول العربية تدميرا شاملا، ثم التحكم فيما يسمى بإعادة إعمار هذا الخراب المرتب، فتمنع هذه اللجنة أى شركة أو أى دولة من دخول هذه السوق الرائجة.
 
هم يطالبوننا بالحكم الرشيد، حسنا، وفى نفس الوقت يقومون بتمويل وتسليح  تنظيمات إرهابية تتحرك بحرية عبر مطارات العالم، وتسميها وسائل الإعلام الحرة جدا بالجيوش الحرة، والمقاتلين من أجل الحرية، إلى آخر المسميات السينمائية، وفى نفس الوقت تسنّ العواصم الكبرى قوانين دولية عبر الأمم المتحدة الملاكى، لا يطبقونها إلا على العرب، و يساعدون  غير العرب  ضد العرب، كإسرائيل وإيران وتركيا، على التوسع فى دول الإقليم العربى باعتباره إقليما فارغا من كل اعتبار سياسي أو علمى أو ثقافى أو صناعى.
 
وتعالوا نستعرض خريطة الدول العربية المصابة بالفوضى أو الغزو، سنجد أن أولى بشائر هذه «اللجنة» المقيمة فى عاصمة عالمية كبرى هى تدمير المؤسسات الحاكمة، ولنا فى  قوانين بول برايمر ـ  الحاكم المدنى لعراق ما بعد الغزو ـ  أسوة شريرة، فبسطر واحد قرر تسريح جميع المؤسسات العراقية، وتشكيل مجلس حكم انتقالى من طوائف مذهبية، ليؤكد على حكم الطوائف، بدلا من حكم المؤسسات، ورأينا كيف عانى العراقيون من حرب أهلية مذهبية.
 
وسوريا مثال بارز، فالفوضى وصلت إلى حد تفتيت بلاد الشام إلى عشرات القطع الصغيرة، ويتم  فيها تنفيذ رؤية هذه (اللجنة) ببراعة قاتلة، وقد كشفت وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة تفيد بأنه ممنوع على أى دولة أو أى شركة عالمية العمل فى إعمار سوريا بعد إيقاف الحرب، مما أدهش لافروف وزير خارجية روسيا، وقال: كيف تصدر مثل هذه الوثيقة شبه السرية عن الأمم المتحدة؟
 
طبعا الإيمان بنظرية المؤامرة وحده مرض عضال، ولكن هل ترك الغرب الجريح - من حرب الثلاثين عاما الضارية، وحربين عالميتين طاحنتين، واختلاق دول وظيفية - فرصة للشعوب المنكوبة حتى تبنى مؤسسات علمية وسياسية تناسب أوضاعهم الاجتماعية والثقافية والتاريخية، أم أنهم قرروا التحديث بالقوة الدموية؟
 قطعا الإجابة، لا.
 
قد يبرر هذا المفكر السياسى أو ذاك لفلسفة الغرب، باعتباره يبحث عن مصالحه المشروعة، وأن المصالح تتصالح، ويبحث عن الأسواق لبضاعته المتقدمة، ومع هذا التبرير لا يجوز للغرب تكرار ماضيه الدموى فى بلادنا، ولا يجوز له الحنين للاستعمار، فهذا زمن ولى ولن يستعاد.
 
فليس سرا أن دولا أوروبية احتلتنا لعقود، وخرجت من الباب، ترغب بشدة فى العودة من النافذة، وقصة سوريا فيها كثير من تلك الأحلام، خصوصا من جانب بريطانيا، فهى ترى أن الفرصة سانحة  لها لاستمرار الحرب فى بلاد الشام، فتعود إلى مستعمراتها القديمة، فى استغلال واضح لانكماش الولايات المتحدة الأمريكية التى سادت منذ الحرب العالمية الثانية.
 
والدليل أن بريطانيا تتزعم ضرب سوريا فى إدلب، فى حالة هجوم القوات السورية على جماعات لندن المزروعة فى إدلب المحتلة، ومع ذلك علينا ألا نؤمن بنظرية المؤامرة بريطانية الأصل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg