رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

المجلة



من واقع أوراق عيادات الطب النفسى.. الطفل هو الخاسر فى «حروب» الطلاق

8-9-2018 | 17:00
زينب هاشم

د. محمد هانى: يعانى الوحدة و الإحباط والخوف والاكتئاب
 
إيهاب معوض: التأهيل قبل الزواج ضرورة لتفادى مشاكل الطلاق 
 
فعليا ونفسيا المتضرر الأول والأخير فى عملية الانفصال هو الطفل الذى تتأثر شخصيته بالسلب، ففى أحسن الحالات يعيش حالة النقص نتيجة فقدانه أحد والديه، لكن هناك حالات أخرى يكون السلوك المنحرف هو الملجأ لتفريغ طاقات وآلام نفسية لا حد لها ولا يمكن الفرار منها.. هذا ما جاء على لسان خبراء الطب النفسى والسلوكى للطفل من واقع حالات واقعية مرت عليهم.
 
د. محمد هانى استشارى الصحة النفسية والعلاقات الزوجية والأسرية وتعديل سلوك الأطفال، يقول: فى البداية لابد أن نتفق على أن الانفصال والمشاكل التى تحدث بداخل الأسرة تؤثر على أولادنا تأثيرا كبيرا بشكل سلبي، ودائما ما نجد هؤلاء الأطفال يعيشون تحت ضغط الخوف والقلق والإحباط، خصوصا فى فترات الصراعات بين الوالدين حيث نجد الطفل ينهار ويهرب إلى مكان بعيد بحيث لا يراه أحد خوفا من حدة المشاكل التى أدت به إلى أن يصبح طفلا جبانا أو خائفا بعد الانفصال.
 
ويؤكد أستاذ تعديل السلوك على أن الفجوة بين أفراد الأسرة تزداد بشكل كبير فى مرحلة الانفصال، خصوصا عندما تحدث فى المرحلة الأولى لنمو الأطفال، لأن الطفل فقد أحد أجزاء الأسرة من خلال الانفصال ومن هنا لابد للأب والأم أن تكون لهما نظرة فى تربية الأولاد فى مرحلة ما بعد الانفصال، ولابد أن يتبادلا الحديث لما سيحدث بعد الطلاق، وذلك من أجل تربية الأطفال بشكل جيد، والأفضل أن تكون هناك علاقة صداقة بين الوالدين حتى يتمكن كل طرف من السؤال على أولاده ويوفر لهم الاحتواء المناسب.
 
ولكن بعض الآباء والأمهات لا يفكرون فى تربية أولادهم بطريقة جيدة أو بطريقة تساعدهم على التعايش مع الحياة بطريقة سوية أو مستقرة.
 
ويضيف د. هاني: الانفصال والطلاق خطر كبير على الأولاد و يؤثر نفسيا بشكل سلبى عليهم، لأنه يخلق أطفالا غير مستقرين نفسيا وليس لديهم وعى أو ثقافة فدائما شخصيتهم ضعيفة محبطة متخبطة غير قادرة على اتخاذ قرارات وغير قادرة أيضا على تقييم العلاقات الاجتماعية، لأنها للأسف فقدت الثقة فى أحد أعضاء الأسرة، كما أنها عاشت فى ظل عدد من المشاكل والهموم التى لا تتناسب مع عمرها الزمني، فمن حقهم أن يعيشوا حياة سوية مستقرة وهى أبسط حقوقهم فى الحياة وهناك مشاكل كثيرة تجعل الطفل قابلا للانحراف، لأن حجم الاهتمام به يقل لأننا نعطى السلطة لطرف واحد والطرف الثانى غير موجود.
 
وبالتالى فقد الطفل جزءا مهما من حقوقه فينحرف ويصبح لديه ميول عدوانية وضعف الشخصية المليئة بالخوف وبعدم السيطرة على انفعالاته أو اتخاذ قراراته ودائما يعيش فى مقارنات فيسأل نفسه لماذا يعيش أصدقائى فى أسر مستقرة وأنا لا؟ أى أن الطفل هو الخاسر الأول والأخير وتزيد كل هذه الاضطرابات فى مرحلة المراهقة، فيصبح هؤلاء الأطفال معرضين للانحراف أكثر من غيرهم.
 
نحو المجهول
 
ويستكمل الحديث د. إبراهيم مجدى حسين أستاذ الطب النفسى والمخ والأعصاب قائلا:‎ هناك بالفعل نسبة كبيرة من الأمراض النفسية المرتبطة بالانفصال، وهى الاضطرابات التى تظهر على الطفل فى صور متعددة مثل سوء السلوك وفرط الحركة وللأسف ينتج عنها أمراض نفسية أخرى مثل الفصام وهى أمراض مختلفة تظهر على الطفل، عندما يكون هناك خلافات فى الأسرة، وهو ما يجعله محبطا أو عنيفا، وهناك دراسات وحالات أراها كل يوم فى العيادة بسبب ذلك، وهو ما يؤثر على الأطفال بشكل سلبى وليس إيجابيا، خصوصا فى مراحل الصراعات غير الحضارية بين الأب والأم وتكون سلوكيات مثل الإدمان بين المراهقين والهروب الدراسي، وكذلك العنف هى السمات المشتركة فى سلوكيات أطفال ما بعد الانفصال.
 
فضلا عن أن الطفل يصبح غير قادر على مواجهة الحياة ومشاكلها وهمومها وهو الاختبار الأول الذى يجتازه الطفل فى سنوات عمره الأولي، ولكن للأسف فى ظل التوتر والصراع الموجود فى البيت يجد الطفل نفسه غير قادر على اجتياز هذه الأزمات، وربما يصبح ضعيفا وبحاجة لأى مصدر خارجى مهما كان خطرا سواء إنترنت أو رفيق سوء، وقد لا تجد الأم أو الأب لديه القدرة على معرفة ذلك، لأن كلا منهما منصرف بسبب خلافاته مع الآخر ولا يوجد حتى تركيز لاكتشاف التيار الجديد الذى سيأخذ طفلهما فى طريق المجهول، ومن هنا لا أحد يكتشف الخطر الذى سيتعرض له هذا الطفل فى ظل أسرة مفككة يعيش داخلها على الصراخ والكلمات الجارحة بشكل يومى.
 
ثقافة الانفصال 
 
وتشير د. نانسى لبيب أخصائى الطب النفسي: لابد قبل أن نقدم على الانفصال أن نتعلم ثقافة الانفصال، وأن نقول للأطفال ما السلوك الذى سنقدم عليه فى تلك المرحلة، وذلك على حسب الفئة العمرية لأولئك الأطفال، فبدءا من عمر الست سنوات لابد أن ونجلس معهم قبل خطوة الانفصال نفسها ونخبرهم أن الحياة لن تستمر فى ظل وجود الأب والأم معا فى بيت واحد وهناك ظروف تجبرنا على ذلك، على أن نؤكد للطفل إن "بابا بيحبك جدا وماما أيضا ونحن الاثنين موجودين ومتاحين" وهذه العبارة لابد وأن نضع تحتها 100 خط، والأهم أن يطمئن الطفل إلى أن كلا من والده ووالدته يحترمان بعضهما بعضاً، وينبغى ألا نحكى لهم عن أسباب الخلافات، خصوصا الأسباب المادية، لأننا عندما نشرح للطفل هذه الأسباب نؤثر نفسيا بالسلب عليه، ولابد أيضا أن يبتعد كل طرف عن التلفظ بألفاظ سيئة للآخر أمام الطفل وألا يشوه كل منهما صورة الآخر، وأعتقد بنسبة كبيرة أن المصريين ليست لديهم أدنى فكرة عن ثقافة الانفصال.
 
الوقاية خير من الطلاق
 
وحتى نتجنب ظهور آثار نفسية سيئة، تظهر بقوة على الطفل وهو الضحية يوضح إيهاب معوض الباحث والكاتب فى العلاقات الأسرية، والذى أسس أكاديمية ومركز تأهيل للمقدمين على الزواج للحد من ظاهرة الطلاق والصراعات سواء فى مرحلة الزواج أو فيما بعد، يقول: الحمد لله هناك الكثيرون الذين استجابوا لفكرة التأهيل، ولكن للأسف هم من شريحة معينة وهى تلك القادرة على الفهم والاقتناع بمبدأ زيارة متخصص قادرعلى التقريب بين وجهات النظر المختلفة فى أدق تفاصيل الزواج وهو مبدأ معروف فى الخارج بشكل كبير فى عالم الارتباط والزواج، و هناك دول تعتبر وجود شهادة من هذه الجهة المتخصصة، شرطا لإتمام عملية الزواج، ولكن لا يزال مجتمعنا يتعامل مع هذه الفكرة بحذر.
وفى رأيى أن ملخص كل الصراعات وما يحدث الآن من ارتفاع حالات الطلاق، دليل واضح على أن المرأة لم تعد تقتنع بسهولة بأنصاف الرجال وهناك ملامح وسمات تعتبر مؤشرات واضحة فى بداية الارتباط ولابد من الابتعاد عنها تماما، وأهمها البخل وهى من الصفات التى تؤدى للطلاق سريعا.
 
الطريق نحو الجريمة
 
قد يصبح الطفل الذى تربى فى بيئة الانفصال معرضا أكثر لدخول عالم الأحداث والجريمة، وهو ما أكده المحامى محمود البدوى خبير حقوق وتشريعات الطفل بأن التفكك الأسرى هو واحد من أهم الروافد المؤدية بشكل مباشر إلى ازدياد معدلات جنوح الأطفال وخروجهم لفضاء الشارع، وبالتالى سقوطهم كضحايا محتملين لموجات العنف المجتمعى بحقهم ويستكمل قائلا: خصوصا فى الفترة التى تلت أحداث يناير 2011 وحتى الآن، ولا يستطيع أحد المجادلة فى أن فئة الأطفال هى الأكثر تضررا فى تلك الحقبة الزمنية المهمة من تاريخ مصر، والتى أعادت رسم خريطة المجتمع من جديد وترتب على ذلك أيضاً ظهور موجات متتابعة من العنف المجتمعى ولعل أهمها هو الصادر ضد الأطفال سواء على المستوى الأسرى أو المستوى المجتمعي، فمعدلات جرائم الاختطاف والضرب والاستغلال فى (عمالة الأطفال – السياسة – الأعمال الإرهابية – التسول – الجرائم الجنسية) كانت الأعلى بين تلك الجرائم ضد هذه الفئة الضعيفة والتى تفتقر إلى القدرة أو الخبرة أو حتى القوة البدنية التى تؤهلها لدفع تلك المخاطر عن نفسها، مما جعلها فريسة سهلة لكل منتهكى حقوق الطفل المصري، والذى وإن كان القانون ثم الدستور وفرا له ضمانات حمائية وقانونية ودستورية غير مسبوقة. فإن تلك الضمانات تفتقر إلى آليات الإنفاذ الحقيقة على أرض الواقع، فضلاً عن وجود موروثات ثقافية واجتماعية وتربوية ودينية مغلوطة ترسخت بالأذهان ساعدت على ازدياد معدلات العنف بحقهم، وأضاف عضو الفريق الوطنى لمناهضة العنف ضد الأطفال أن الأحداث ينقسمون إلى أطفال منحرفين، وهم الذين ارتكبوا أفعالا إجرامية سواء جناية أو جنحة وتتجاوز أعمارهم15 سنة، ويضم القسم الثانى الأطفال الذين يوجدون فى ظروف اجتماعية وبيئية صعبة تؤهلهم لارتكاب الجريمة والانحراف، ويطلق عليهم فى القانون، مصطلحا، الأطفال المعرضون للانحراف وهؤلاء الأطفال تتزايد أعدادهم سنويا نتيجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتحولات التى يمر بها المجتمع المصرى والضغوط الحياتية، التى أصبحت تعانى منها شرائح عديدة من المجتمع، وانتشار انحراف الأطفال يترتب عليه مجموعة من المردودات والانعكاسات على المستوى الاجتماعى والأمنى والثقافي، فعلى المستوى الاجتماعى تخرج شريحة من الأطفال المفروض أنهم شباب المستقبل، من سوق العمل الشريف وتخرج من المنظومة التعليمية وتنضم إلى فئة العاطلين عن العمل. واستطرد قائلاً إنه على المستوى الأمنى يصبح هؤلاء الأطفال عبئا أمنيا على المجتمع، حيث أثبتت أحدث الاختبارات والدراسات على الحوادث أن جماعات الإجرام والتشكيلات العصابية تستخدم هؤلاء الأطفال كأدوات تنفيذ مخططاتهم الإجرامية وذلك فى ترويج المخدرات وبعض جرائم الإرهاب والسرقة والبلطجة والعنف فى الشارع المصرى وعلى المستوى الثقافى يؤدى انحراف الأطفال وهروبهم وتسربهم من التعليم إلى انتشار الأمية وزيادتها فى هذه السن ويترتب على ذلك التزامات أكبر تقع على الدولة لمواجهة هذه الظاهرة، وهو ما يكلفها أعباء اقتصادية.
 
واختتم البدوى قائلا: إنه بات لزاماً على المجتمع أن يبحث فى مسببات التفكك الأسرى والتى لها أثر بالغ ومباشر فى ازدياد معدلات خروج الأطفال إلى الشارع بما يحمل من مخاطر بحقهم ، وأنه لزاماً على المجتمع ككل أن يحسن الاختيار حال الإقدام على مرحلة الزواج وتكوين أسرة بعناية شديدة، وحتى لا يكون نتاج هذه الأسرة الناشئة طفلا صغيرا تعصف به رياح الخلافات الأسرية بين الزوجين ثم تتلقفه الشوارع بما تمثله من خطر محدق على أطفال مصر ومستقبلهم.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg