رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

المجلة



قراءة فى أحدث إصدارات الكتب: «إدجار آلان بو» حياة قصيرة فى الأربعين.. و«الديكاميرون» حكايات للنجاة من الطاعون

8-9-2018 | 17:09
عزمى عبد الوهاب

«اقرأ» هكذا بدأ الأمر الإلهي، فى محكم التنزيل، مثلما كانت كلمة عيسى ابن الإنسان فى الإنجيل: «فى البدء كان الكلمة» لكننا فرطنا فى هذا وذاك، ولم نعد نقرأ، وكأن القراءة باتت موضوعا، ينتمى إلى حالة من حالات الرفاهية، وكأن أسوأ سؤال يمكن أن تواجهه هو: ما هوايتك؟ وتكون الإجابة: القراءة، القراءة ليست هواية، إنها ذروة لحظات بناء الإنسان، ولا داعى لتكرار ما قيل إن الأهم من بناء المصانع هو بناء الإنسان، لا داعى لتكرار أن وزير دفاع الدولة العبرية «موشى دايان» سئل ذات مرة: لماذا جاءت خطط حرب 67 هى بالضبط ما جرى فى حرب السويس فى 56؟ وكانت إجابته: إن العرب لا يقرأون.

واليوم يمر العرب بظروف قاسية، ولحظة تحولات،مخاضها عسير، فلا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، تعطلت المطابع عن الدوران فى غير بلد عربي، وأجهضت مشروعات دول تدعو للقراءة (مصر) ونهضت تجارب أخرى (الإمارات) كانت طوابير الشباب على إصدارات مكتبة الأسرة تدعو للفرح، الآن توقف المشروع، وتراجعت معدلات القراءة، فلا بأس من أن نتذكر ما جرى فى إسبانيا زمن الحرب الأهلية، وهزيمة الجمهوريين على يد قوات الديكتاتور فرانكو.
كانت تلك القوات تحاصر أحد المواقع، التى يتحصن بها الجمهوريون، وكان الرصاص ينهال من جميع الاتجاهات، إلى أن خيم الصمت والهدوء الحذران على المكان، وتقدمت قوات فرانكو من الموقع، وفوجئ الجنود بأن رجلا واحدا، هو الذى كان يطلق كل هذا الكم من الرصاص.
سأله قائد المجموعة المهاجمة: عم كنت تدافع يا رجل؟ أنت واحد ونحن كثر، ولا شك أنك كنت ستنهزم فى النهاية، قال الرجل: 
كنت أدافع عن هذين، وأخرج من جيبه كتابا ورغيف خبز، بالتأكيد نحن نحتاج الآن، أكثر من غيرنا، إلى ترديد إجابة هذا الرجل الإسباني، وها نحن نفعلها، ونأتى إليكم 
بـ “سور الأزبكية”!
 
الديكاميرون.. حكايات للنجاة من الطاعون
«جوفانى بوكاتشو» كاتب إيطالى واسع الشهرة، أثرى الحضارة الإنسانية بكتاباته العبقرية، وبأسلوبه وأفكاره غير التقليدية، وهو بدون مبالغة يمثل الحضارة الإيطالية وثقافتها فى القرن الرابع عشر، فقد امتد تأثير كتاباته وأعماله خارج بلاده لعدة قرون متتالية، بل وصل تأثيره إلى وقتنا الحاضر، وهو شاعر إيطالى متميز من عصر النهضة، ومؤلف عدة كتب أشهرها «الديكاميرون» الذى ترجمه عن الإيطالية د. عبد الله عبد العاطى النجار وعصام السيد، وصدر فى سلسلة “آفاق عالمية.
«الديكاميرون» كلمة يونانية تعنى «عشرة أيام» ويتوجه بوكاتشو فى هذا الكتاب إلى النساء على وجه الخصوص، حيث يرغب فى تسليتهن والترويح عنهن، لأنهن محرومات من وسائل اللهو والتسلية المتاحة للرجال، كما هو الحال فى كثير من البلدان الشرقية والغربية على حد سواء، خاصة فى تلك الفترة المظلمة من تاريخ أوروبا.
يضم «الديكاميرون» 100 رواية أو قصة أو حكاية، تروى خلال عشرة أيام على ألسنة عشرة شباب: سبع نساء وثلاثة رجال، يلتقون فى كنيسة سانتا ماريا الجديدة، ويتفقون على الهرب من وباء الطاعون، الذى اجتاح فلورنسا عام 1348 ويذهبون للعيش فى قصر فخم فى الريف، على مشارف المدينة، ويتبادل واحد من الأشخاص العشرة كل ليلة قيادة الحديث، والرواية التى يحكيها عبارة عن مغامرة عاطفية أو ملحمية، قد تكون من الواقع أو الخيال، لكنها تهدف إلى تسليتهم، وهم قابعون فى حديقة القصر البعيد، خوفا من الطاعون الذى أثار الرعب فى المدينة، وكأنه كتبها ليستحضر روح حبيبته، التى قضت نحبها بسبب هذا الطاعون، الذى استشرى فى أنحاء أوروبا.
يبدأ بوكاتشو روايته بوصف المأساة بكل تفاصيلها فى فصل يعتبر مدخلا، إلى أن توجهت المجموعة إلى القصر، واقترحت إحداهن أن يتم انتخاب ملك من بينهم، ليتولى أمرهم طيلة اليوم، وينتهى حكمه بنهايته، وهكذا أصبح من حق كل من ينتسب إلى المجموعة أن يتناوب على الحكم، ولإبعاد شبح الخوف وقتل الوقت، وحتى ينسوا الفظائع، التى خلفها الوباء فى المدينة، أمرت ملكة اليوم الأول أن يشكلوا حلقة، وأن يروى كل واحد منهم قصة.
لم تكن الحكايات التى وردت على لسان الرواة من دون غاية أو هدف، بل كانت تحمل بين طياتها بعضا من الحكم، وتمجيدا لبعض القيم الغائبة فى ذلك الزمن، وذماً لبعض الممارسات اللاأخلاقية، التى كان يرتكبها الرهبان المتمسحون برداء الرهبنة، كما لم يسلم من كلماته اللاذعة الملوك والتجار الجشعون والكثير من الشخصيات، التى تعرضت لحوادث قاسية.
يعتقد النقاد أن بوكاتشو استوحى الفكرة من «ألف ليلة وليلة» التى كانت حديثة عهد بالأدب الأوروبى آنذاك، وتعتبر «الديكاميرون» تصويرا حيا لمجتمع القرن الرابع عشر فى إيطاليا، وفيها الكثير من الشخصيات التاريخية، مثل صلاح الدين وويليام الثانى ملك صقلية، كما استمد المؤلف من «ألف ليلة وليلة» بعض الشخصيات الأسطورية، فضلا على طريقة السرد نفسها فى بعض الحكايات، كما أن بعض الكتاب والنقاد العرب يقولون إن «الديكاميرون» هى ألف ليلة وليلة الإيطالية.
ما يدل على أهمية «الديكاميرون» وامتداد تأثيرها إلى يومنا هذا، أنه يتم عرضها فى العصر الحديث على خشبة المسرح والسينما وشاشات التليفزيون، فضلا على شغف المترجمين من جميع أنحاء العالم بترجمة هذه القصص إلى اللغات كافة، وكان ماريو فارجاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل فى الأدب، قد أنهى كتابا يحمل عنوان «حكايات الطاعون» عبارة عن مجموعة قصصية مستوحاة من قصص «الديكاميرون» وقد تم عرضها كمسرحية فى العاصمة الإسبانية مدريد، وقبل ذلك فى سبعينيات القرن الماضى قام المخرج الكبير بازولينى بإخراج الديكاميرون فى فيلم سينمائى حقق نجاحا هائلا عام 1971 من خلال ثلاثية سينمائية شهيرة، أطلق عليها «ثلاثية الحياة» ولم يتصور أحد أنه سيختار للثلاثية بعض نصوص الآداب، التى تعود إلى القرون الوسطى.
على الرغم من أن «الديكاميرون» كتبت فى العصور الوسطى، لكنها كانت ولا تزال تحتفظ ببريقها الأدبى وأثرها الأخلاقي، فهى تعد من أكثر الروايات التى تمت ترجمتها إلى لغات أجنبية متعددة على مدار التاريخ، وهى واحدة من أكثر الكتابات قراءة ومطالعة سواء فى إيطاليا أم خارجها. 
 
نهج أفضل فى دراسة التاريخ الكبير
«التاريخ الكبير ومستقبل البشرية» لمؤلفه «فريد سباير» هو نهج فى دراسة التاريخ، يدمج ماضى البشرية، فى إطار التاريخ الكوني، من بداية الكون حتى الحياة على الأرض، وصولا إلى الوقت الراهن، فالكتاب الذى ترجمه إلى العربية «عزت عامر»، ونشره المركز القومى للترجمة بالاشتراك مع دار التنوير للنشر والتوزيع، يقدم نهجا نظريا جديدا تماما فى دراسة التاريخ الكبير، الذى سيتيح فهما أفضل، ليس فقط للماضي، لكن أيضا للتحديات الرئيسية التى يواجهها البشر فى المستقبل القريب.
المقاربة النظرية للتاريخ الكبير التى يتم شرحها فى الفصل الثانى من الكتاب، تقوم على المعرفة التى تم الحصول عليها خلال عمل المؤلف الأكاديمى الأكثر تنوعا، وهنا يقول المؤلف: فى البداية استكملت دراسة الكيمياء الحيوية، خاصة ما كان يطلق عليه حينئذ «الهندسة الوراثية، للنباتات، وكان المتوقع من هذا النوع من الأبحاث أن يساعد على زيادة الإنتاج الغذائى العالمى».
يوضح المؤلف أنه لم يكن على علم بأى تقارير عن تاريخ العالم، لذلك بدأ بحثا عقليا طويلا عن فهم أفضل للتاريخ البشري، وبالنسبة له أصبح التاريخ الكبير طريقة مدهشة لتفسير كيف أصبح المؤلف وكل شيء حوله موجودا، والتاريخ الكبير تعبير ابتكره المؤرخ «دافيد كريستيان» ففى الثمانينيات قدم كريستيان منهجا عابرا للأفرع العلمية فى جامعة ماكوارى فى سيدنى بأستراليا، وفى هذا الكتاب يسعى المؤلف إلى تفسير التاريخ الكبير، حيث يمثل الكتاب أساسا جديدا لماضينا الشامل بالكامل، وبشكل أكثر وضوحا، فإنه بناء على أعمال عالم الفيزياء الفلكية الأمريكى إريك شايسون، تم اقتراح نظرية تاريخية لكل شيء، حيث يتم تحليل التاريخ البشرى كجزء من هذا المخطط الأكبر، وفى أحد فصول الكتاب يتم تقديم مقاربة نظرية، ثم تطبيقها فى الفصول اللاحقة.
ولأن كل أدلة الماضى يمكن العثور عليها فقط فى الحاضر، فابتكار قصة حول الماضي، يتضمن بالضرورة تفسير هذه الأدلة، من خلال عمليات لها تاريخ معين فى حد ذاتها، ونحن نفعل ذلك لأننا ندرك أن كلا من البيئة المحيطة وأنفسنا جزء من هذه العمليات، نتيجة لذلك فإن التقارير التاريخية هى عمليات إعادة بناء من نوع ما، لذلك من المرجح لها أن تتغير بمرور الزمن، وهذا يعنى أيضا أن دراسة التاريخ لا يمكن أن تقدم تأكيدات مطلقة، لكن مجرد تقريبات، لواقع كان موجودا ذات مرة، بعبارة أخرى ليست هناك تقارير تاريخية حقيقية، قد يبدو ذلك كما لو أن هناك انحرافات فى طريق النظر إلى التاريخ.
يقول المؤلف: « فى رأيى ليس الأمر كذلك، كما هو الحال فى أى مجال آخر، فإن الاختيار الرئيسى لعمليات إعادة البناء التاريخية هو ما إذا كانت، وإلى أى مدى، تستوعب البيانات الموجودة بطريقة موجزة ودقيقة، ورغم ذلك قد لا يكون هناك طريق يلتف حول حقيقة أن كل عمليات إعادة البناء التاريخية، تتألف من عدد مختار من البيانات الموجودة، توضع فى سياق اخترعه المؤرخ».
 
«إدجار آلان بو» حياة قصيرة فى الأربعين
يرجع الفضل إلى بودلير فى أن فرنسا عرفت “إدجار آلان بو” (19 يناير 1809 – 7 أكتوبر 1849) من خلال ترجمة مؤثرة، احتفى به على إثرها نقاد كبار، ووضعه البعض فى فرنسا فى منزلة أفلاطون، وفى روسيا أعلن مع بدايات القرن الماضى أن أدب “بو” أصبح معروفا فى روسيا، باعتباره ممثلا لجوهر الأدب الأمريكى فى ذروته، ومن ناحية أخرى فقد وصف البعض شعره بأنه لا قيمة له، وأصر هذا البعض على أن كتاباته لا يعوزها عناصر العظمة فقط، بل عناصر الأدب الحقيقي.
توضح غادة الحلوانى فى تقديمها لترجمة “الأعمال الكاملة للشاعر” أن النقاد اهتموا بحياة “بو” المضطربة وجاءت سيرته الذاتية لتكشف عن الكثير من الأحداث الصادمة، واتهم اتهامات كثيرة حتى توالت الدراسات عنه، لتعتبره مصدر القصة البوليسية، مثلما اعتبرت قصيدته “إلى هيلين” نموذجا للقصيدة الحديثة، وأيا كان الرأى فى “بو” فإن تأثيره سيظل عظيما، وذلك بنظرة واحدة إلى العدد الهائل من المواقع الإلكترونية المخصصة له، التى أنشأها المولعون بأدبه.
جمعت أعمال “بو” فى خمس طبعات، وقد ظهرت الطبعة الأخيرة بعد موته عام 1849، والقصائد التى ترجمتها غادة الحلوانى تعتمد على تلك الطبعة، ولم يكن جمع أعماله مهمة سهلة، كما يذكر الكثير من النقاد الذين كتبوا عنه، ليس فقط لأنها كانت متفرقة فى دوريات أدبية، بل أيضا لأنه كان مولعا بمراجعة قصائده فى كل نسخة من النسخ التى ظهرت فى حياته.
إن التغييرات الدائمة – كما تشير الحلوانى – التى أخضع لها “بو” قصائده تدل على إدراكه الحاد لـ “كيف يكتب” إن صح التعبير، فثيمات الموت والقوة الكونية وحالة الضحية وحالة المراقبة والإصرار الشديد على التذكر أو حفظ الذكرى، تلك الثيمات التى تقوم عليها قصائده تلقى الضوء على هذا الجانب من آلية الكتابة عند واحد من كتاب الحركة الرومانسية فى الأدب.
تؤكد الحلوانى أنه على الرغم من أن “بو” قد مات فى الأربعين من عمره، فإن معرفته كانت واسعة وشاملة، فبعض عناوين قصائده مثل “إسرافيل” و”الأعراف” يشيران إلى قراءاته عن القرآن الكريم، لعله لم يطلع عليه أو يقرأ نصوصه ذاتها، وهو ما يوحى به هذا الهامش الذى كتبه عن “إسرافيل” على أن مصدره هو القرآن الكريم، وهى فى الحقيقة معلومة أو آية لا توجد فى النص القرآنى نفسه، من جهة أخرى يتضح تأثره بالكتاب المقدس تأثرا كبيرا، كمصدر من مصادر إلهامه إلى جانب الشعراء الذين تأثر بهم.
كان “بو” مولعا بالموسيقى والرسم، كما تفوق فى اللغة اللاتينية والرياضيات أثناء حياته الدراسية تفوقا كبيرا، وهو الأمر الذى يتضح جليا فى قصائده الشعرية التى امتازت بإيقاع موسيقى عال، سواء فى الأوزان أو القوافي، وقد حاولت الترجمة العربية الاحتفاظ ببعض النغمات الإيقاعية الداخلية، وهى التى قد تظهر كمرادفات لمعنى واحد، وإن كان المقصود بها خلق موسيقى داخلية. 
 
التجديد مشروع حسن حنفى الكبير
أصدرت دار آفاق للنشر والتوزيع كتاب «كاهن الفلسفة حسن حنفى»، وهو نتاج ندوة أقامها الصالون الثقافى العربي، وشارك فيها كبار الكتاب والمفكرين المصريين،
كما ضمت آراء وأوراقا عن مشروع حسن حنفى الفكري، ومنها دراسة مطولة للدكتور جيلالى بوبكر بعنوان «حسن حنفى ومشروع التراث والتجديد.. أسس المشروع وبيانه النظرى».
توضح الدراسة أن مشروع «التراث والتجديد» تتضح معالمه وملامح فلسفته من خلال جهود حسن حنفى فى الكتابة والتأليف حول التراث والواقع والأنا والآخر، كما أن فلسفته ومشروعه يمثلان قراءة جديدة لدلالات التراث وعلومه العقلية النقلية والنقلية البحتة، والعقلية المحضة، لمضامين الواقع وهمومه وتحدياته، من أجل بناء نظرية محكمة للتفسير، ولقيم ومعانى الوافد، لأجل تحجيمه، وتكوين صورة عن حقيقته، دحضا لمركب العظمة لديه، والقضاء على عقدة النقص فى الأنا.
عند حسن حنفى لا تمتلك الأمة العربية والإسلامية المعاصرة شروط التقدم، وعوامل التحضر وأسباب الازدهار الثقافى والحضاري، ولا يكون ذلك إلا بتحويل الموروث التاريخى إلى علوم إنسانية شاملة، تعمل على مواجهة التحديات الراهنة، وتحقق أهداف الأمة، وتخدم مصالح الإنسان الفردية والاجتماعية فى الواقع المعاصر، وبإيجاد نظرية محكمة تقوم بالتفسير المباشر للواقع، من منطلق توجيه التراث القديم نحو الواقع، ونحو الإنسان، ونحو المجتمع، ونحو الأمة، بهدف الإصلاح والنهضة، وتحقيق مصالح الجميع، على أساس أولوية الواقع على النص، والمصلحة على الحرف، والعمل على النظر، والعقل والإبداع على النقل.
يشير الكتاب إلى أن الأمر من قبل، فى التراث القديم، كان يعتمد على أولوية النص على الواقع، والنظر على العمل، وهذا ما جعل طابع الفلسفة واقعيا عمليا وطابع المشروع براجماتيا نفعيا، ويشترط المشروع فى نهضة الأمة توجه الأنا إلى الآخر، وتوضيح صورته هو، وتوضيح صورة الآخر، لتأخذ كل صورة منهما مكانها فى الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، ذات الطابع التراثى التاريخى من جهة، وتعيش على الوافد من جهة ثانية، وبالتالى تتضح العلاقة بين الأنا والآخر، والجدل يمكن تجاوزه.
يوضح جيلالى بوبكر أن مواقف حسن حنفى الفكرية أكبر، وكتاباته أوسع، والقضايا التى عالجها أكثر، مما تناوله هذا الكتاب، فهو كتب ولا يزال يكتب، حتى إن مشروعه أضخم من عمر صاحبه، فنجده يقفز على مخطط مشروعه، ويعتمد المقدمات، ويكتفى بها فى الانتقال من جزء إلى جزء داخل الجبهة، أو من جبهة إلى أخرى داخل المشروع، والجوانب التى تمثل فلسفة المشروع هى التى تم التركيز عليها فى هذه الدراسة، كدور الفكر فى المشروع والفلسفة، ومقولات الأصالة والمعاصرة، والتقليد والحداثة، وإعمال العقل، وتفسير الواقع، وإيجاد وعى تاريخى وفلسفة تاريخ جديدة.
يرى الكتاب أن المواقف الفلسفية والفكرية والمرجعيات المنهجية، التى تأسس عليها مشروع “التراث والتجديد” تعرضت، ولا تزال تتعرض للمساءلة النقدية، وهو عمل استمد صاحبه من مصادر شتى أثرت فيه، وبان ذلك بوضوح فى ثقافته وفلسفته ومشروعه، فهى مصادر تاريخية تراثية، مثل مذهب المعتزلة ومصادر فكرية وفلسفية حديثة ومعاصرة. 
 
التراث العربى ساحة تأمل مفتوحة
التراث الإنسانى بمختلف تصنيفاته ساحة تأمل مفتوحة، إنه مادة تأويل وتحليل تدور حولها وبها صراعات كثيرة فى لحظتنا التاريخية الراهنة، غير أن هناك مغالطات ساذجة استقرت واتفقت عليها القوى التى تتصارع مستخدمة سلاح التراث، وأهمها الادعاء أن للتراث فى المجالات المختلفة، وجودا موضوعيا خارج عمليات فهم الناطقين به وتحليلاتهم وتأويلاتهم، وأن ما يقدمه كل طرف هو جوهر التراث الموضوعى وحقيقته الثابتة.
هذا ما يؤمن به الناقد د. أيمن بكر، ويكشف عنه فى كتابه “قالت أميمة” الصادر عن دار العين للنشر، متضمنا تأملاته الخاصة فى التراث العربي، مع توضيح أن ما تشهده الثقافة العربية الآن يمثل ذروة استثنائية فى التلاعب غير العلمى بمواد التراث فى مختلف مناحيه، ويخص د. أيمن بكر التراثين الدينى والمجتمعي، على ما بينهما من تداخل، واستخدام تلك المواد وقودا لحرب طائفية عنصرية خطيرة، وهو ما يكشف عن أن إعادة النظر فى مواد التراث، والدعوة التى يدعمها هذا الكتاب، لمزيد من الحرية فى تأمل تلك المواد، لا يعنيان ممارسة تأويل مفرط صادر عن مواقف أيديولوجية مسبقة، بل تتصل إعادة النظر الحرة مباشرة بالتزام معرفى وأخلاقي، وباختيار طرائق التحليل العلمي، التى تتناسب ومحاولة إنتاج وعى مغاير ببعض مواد التراث.
يتألف الكتاب من فصول
 هى بالأساس مقالات كتبت بين عامى 2013 و2015، ونشرت فى مجلة “تراث” التى يصدرها نادى تراث دولة الإمارات فى أبو ظبي، فيما عدا الفصل الأخير الذى كتب بمعزل عن مقالات مجلة “تراث” والجامع بين هذه المقالات هو سعى الناقد د. أيمن بكر إلى تحليلها طبقا لآليات النقد الثقافي، وهو منهج يعتمد على تكوين آلة تحليل متجانسة قادرة على تحويل النص إلى نافذة على الثقافة التى أنتجته، وعلى مؤسسات إنتاج المعنى فى لحظة تاريخية بعينها.
يقول د. أيمن بكر: “أظن أن آلة التحليل الثقافى تلك يجب أن تعتمد على مجال معرفى أساسى يمثل الأرضية الأوسع التى تقف عليها المادة الخاضعة للدرس بحسب رؤية الدارس، ثم إنها بعد ذلك تستعين بأدوات تحليل تنتمى لمناهج أخرى بما يلائم طبيعة النص وتوجه الدلالة فيه، وبما يناسب أيضا تصورات الباحث وميوله التى لا يجب تجنبها أو ادعاء عدم وجودها”.
يوضح د. أيمن بكر أننا أمام منهجية صعبة على عكس التصور الشائع، لأن التحليل الثقافى لا يقوم على تجميع ساذج للأدوات، لا منطق له سوى انطباعات الناقد وتوجهاته المسبقة، بل إنها على العكس تماما منهجية تطالب من يتصدى لاستخدامها بضرورة الإلمام بأصول المجالات المعرفية المختلفة التى يستخدمها، وبمشكلات الحركة بينها، كما تطالبه بقدرة على كشف ميوله والوعى بتوجهاته الذاتية بأكبر قدر ممكن تجنبا للتوجيه غير الواعى لعمله البحثي، والمجال الأقرب لأن يكون الأساس فى هذا الكتاب هو تحليل الخطاب المحمل بأدوات من مجالات أخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وعلم التاريخ. 
 
وهم الثوابت فى الحياة الإنسانية
كثيرا ما يدس الناس هذا التعبير فى مجادلاتهم: “ثوابتنا” و”الثوابت” وقلما ينتبه أحد إلى هذا التعبير نفسه كى يضعه على المحك ويرى فيه رأيا، وقلما يدور بخاطر أحد أن يفك هذا الغلاف لكى يتيقن من أن بداخله شيئا، ذاك ضرب نادر من خفة اليد التى تلطف على الخصم وعلى الشهود وعلى القائل نفسه، وينتمى هذا التعبير إلى ما يسمى “الألفاظ المشحونة”، لأنها تفترض مسبقا حكما برمته لم تتم البرهنة عليه بعد، لذا كان جريمى بنتام يطلق على مثل هذه التعبيرات اسم “النعوت المصادرة على المطلوب” إنها تصادر بما لم تثبت وتسلم تسليما بما قد لا نسلم به أصلا، وتدس مواقف انفعالية فى داخل العبارة التى تحملها، وهذه المواقف ليست جزءا من الحجة، وإنما جرى استدعاؤها على نحو غير مشروع لكى تؤتى أثرا ما كان للحجة أن تؤتيه بمفردها، وبعبارة أخرى تعد هذه المواقف الانفعالية غير ذات صلة بقيمة صدق العبارة أى بتأسيس صدق العبارة المطروحة أو كذبها.
فى كتابه الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع يتساءل عادل مصطفى قائلا: ما ظنك بمن يعامل المتحول معاملة الثابت؟ ويعامل السائل معاملة الصلب؟ ومن ينظر إلى الغامض المتشابه على أنه دقيق محكم؟ وإلى الممتد المتصل على أنه متقطع منفصل؟ ويوضح مصطفى أن مثل هذا الشخص يقال إنه “ماهوي” تملكته نزعة الماهية فجعل ينظر إلى كل شيء على أنه “مثول” لطبيعة محددة ثابتة مسيجة كتيمة لا تمتزج بغيرها ولا تلتئم بسواها.
يقول المؤلف: “يبدو أننا جميعا هذا الشخص (الماهوي) على اختلاف الدرجة، وأن الاعتقاد بوجود ماهية ما، ظاهرة أو خفية، لكل شيء هو اعتقاد عام يشمل البشر جميعا، وأنه اعتقاد غير واعٍ بذاته، إن صح التعبير، أى أننا نضمره دون أن نعى أننا نضمره، ويبدو أننا نحن البشر قد تبينا هذا النزوع الماهوى خلال تطورنا النوعي، كنتيجة لنجاعته التكيفية فى تفاعلاتنا مع البيئة، بحيث أصبح هذا النزوع شاملا لجميع الثقافات والأحقاب، ودامغا لجميع مراحل العمر، بدءا من الطفولة الباكرة”.
يرى علماء النفس الذين يدرسون نمو اللغة أن الأطفال ماهويون طبيعيون وربما توجب عليهم أن يكونوا كذلك إذا كان لهم أن يحتفظوا بقواهم العقلية، بينما تقوم عقولهم النامية بتقسيم الأشياء إلى فئات تصنيفية متمايزة، كل فئة منها موسومة باسم فريد، لقد تركت الماهوية بصمة غائرة فى معمارنا المعرفى وضربت أطنابها فى حسنا المشترك فصار من الصعب اقتلاعها، وأصبحت تشكل عائقا لنا فى مجالات البحث التى تتطلب تبنى نماذج لا ماهوية.
وفى هذا الكتاب لا ينحاز المؤلف إلى “الماهوية”، لأن هذا يرمى بنا فى مماحكات جدلية لا طائل من ورائها، ولا هى داخلة فى موضوع الكتاب، وإنما يتخذ المؤلف منها وجهة من الرأى يمكن أن نطلق عليها “اللاماهوية الجزئية أو الموضعية”، أى الرأى المضاد للماهوية فى مجال بعينه وسياق بذاته، باختصار يريد المؤلف أن يحذر من الأخطاء التى يمكن أن تنجم حيثما سول لنا الوهم أن نتصور ماهية حيث لا ماهية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg