رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات



الرئيس عباس والكونفيدرالية مع الأردن

6-9-2018 | 14:51
د. حسن أبوطالب

... سخرية .. قناعة .. أم بالون اختبار؟
 
أثار تصريح الرئيس عباس لوفد حركة السلام الإسرائيلى حول الكونفيدرالية الثلاثية، عاصفة من المواقف المتباينة، إذ طرح المبعوث الأمريكى لصفقة القرن سؤالا حول مدى إيمان عباس بالكونفيدرالية مع الأردن، فإذا بالرئيس عباس يشترط أن تكون كونفيدرالية ثلاثية تنضم إليها إسرائيل، لكنه لم يفصح عن رد فعل المبعوث الأمريكى، أردنيا، تم رفض فكرة الكونفيدرالية الأردنية الفلسطينية رسميا باعتبارها  غير قابلة للنقاش، حسب وصف وزيرة الإعلام، وهو موقف غير جديد بالمرة، فالملك عبد الله منذ العام 2007 حين التقى مع سفراء دول الاتحاد الأوروبى فى عمان، وصف الكونفيدرالية مع فلسطين بأنها غير واردة فى القاموس الأردنى، وأن الأولوية هى لحل الدولتين ولا شىء آخر. وهو موقف معروف للسلطة الوطنية ولرئيسها عباس، الذى أيضا يشدد على حل الدولتين، وكثيرا ما وصف ما يتردد حول صفقة القرن الأمريكية غير المحددة بعد، بأنها مرفوضة فلسطينيا ولن تمر تحت أى ظرف، مادامت لا تقيم دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
 
الطرح الوهمى 
 
إسرائيليا لم يخرج أى تعليق رسمى على ما ذكره الرئيس عباس، لكن صحيفة هاآرتس ذكرت أن فكرة الكونفيدرالية هى إسرائيلية بالأساس، اقترحها نيتانياهو على الرئيس ترامب التى وافق عليها، على أن تقتصر على الكيانات السكانية الفلسطينية فى الضفة، وأن تُستبعد تماما غزة من تلك الصيغة الوهمية. ولم تشر الصحيفة إلى مزيد من التفاصيل، خصوصا هل يعنى الطرح الإسرائيلى أن تقوم الكونفيدرالية الأردنية الفلسطينية بعد إعلان قيام دولة فلسطين على حدود العام 1967 مع تبديلات متفق عليها فى الحدود وتبادل للأراضى، أم قبل إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة؟ والفارق بين الأمرين كبير وتفصل بينهما هوة شاسعة.  فالدولة الكونفيدرالية ـ  وهى صيغة للعمل الوحدوى بين متساوين ـ  تتطلب أولا وجود دول مستقلة تتفق فيما بينها على إقامة نوع من الوحدة لتطبيق معايير وقواعد محددة فى مجالات بعينها كالاقتصاد والتبادل التجارى والأمن والسياسة الخارجية، مع استمرار مؤسسات كل دولة قائمة بذاتها. بعبارة أخرى فإن الاتحاد الكونفيدرالى يعنى ألا تذوب الدول المشاركة فيه، بل تبقى على حالها حتى مع تشكيل وإقامة مؤسسات جماعية جديدة لتنسيق العمل والجهود فى المجالات التى يتفق عليها، لذا تظل كل دولة بتمثيلها الخاص فى الأمم المتحدة وفى المنظمات الدولية المختلفة.
 
وفقا لهذا الإطار الحاكم للاتحاد الكونفيدرالى، فالمطلوب أولا أن تُقام دولة فلسطينية محددة المعالم ومعترف بها دوليا ومن كل الأطراف بدون استثناء بما فى ذلك واشنطن وتل أبيب. هذا الأمر يعرفه الرئيس عباس جيدا، كما يعرفه الإسرائيليون والأمريكيون والعالم بأسره. ولذا يبدو الاقتراح الإسرائيلى بكونفيدرالية أردنية فلسطينية قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة نوعا من العبث والتلاعب بالمفاهيم، وله أهدافه الخبيثة، وهى ظاهرة ليست خافية على أحد. وافتراضا إذا ما قبل الفلسطينيون والأردنيون هذا الطرح الإسرائيلى الوهمى، فالنتيجة المباشرة هى أن يتحمل الأردن عبء الفلسطينيين فى جميع المجالات، فى حين يتنصل الاحتلال من التزاماته نحو المناطق المحتلة، أو بالأحرى نحو المناطق التى يسكنها الفلسطينيون، التى ستتحول إلى مناطق ذات حكم ذاتى لا أكثر ولا أقل وتحت رعاية أردنية، إضافة إلى تحمل عبء حماية أمن الحدود الإسرائيلية ـ  الأردنية. والعقبة فى هذا الافتراض أن الجانب الأردنى معروف من يمثله، إذ له قيادة معروفة، أما الجانب الفلسطينى فالمفترض أن منظمة التحرير الفلسطينية هى التى ستوقع على اتفاق بهذا الشكل وليس السلطة الوطنية الفلسطينية، لكن لا بد أن يكون هناك تفويض فلسطينى واضح عبر آليات المنظمة ذاتها. أما إذا تصورنا أن السلطة الفلسطينية وعلى الرغم من أن رئيسها هو نفسه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، أقدمت على توقيع اتفاق بهذا الشكل، فهو ليس خارج نطاق اختصاصها فحسب، بل سيكون نهاية السلطة ذاتها وبدون أى مقابل حقيقى للحقوق الفلسطينية التى لا يجوز التنازل عنها بأى حال من الأحوال.
 
الرد الفلسطينى المراوغ 
 
وأتصور أن الرئيس عباس يدرك هذه الأمور جيدا، ويدرك أن مثل هذه الكونفيدرالية حسب الطرح الإسرائيلى ـ  الأمريكى الغامض والملىء بالألغام والخطايا الوطنية ليس لها مكان على أرض الواقع، وأنها محاولة لبيان أن الفلسطينيين لا يتجاوبون مع الطروحات الأمريكية الهادفة – حسب دعايتهم المزيفة - إلى حل تاريخى للقضية الفلسطينية، ومن ثم جاء اشتراط أن تكون إسرائيل طرفا فى كونفيدرالية ثلاثية بمثابة رد الكرة إلى كل من البيت الأبيض وتل أبيب وإنهاء لهذا الحديث العبثى، مع اقتناع تام بأن كليهما سيتجاهلان الأمر جملة وتفصيلا، لأن مثل تلك الكونفيدرالية الثلاثية حال قيامها ستقر المساواة السياسية والقانونية للأطراف الثلاثة باعتبارها دولاً ذات سيادة غير منقوصة، فضلا عن أن الوصول إلى هذه الصيغة سيتطلب أولا أن يكون هناك تفاوض على إقامة الدولة الفلسطينية، وبعدها تؤخذ إجراءات الكونفيدرالية الثلاثية. 
 
الأكثر من ذلك فإن صيغة الكونفيدرالية الثلاثية ليست محل نقاش أو قبول فى الداخل الإسرائيلى، كما أن فكرة الدولة الفلسطينية ذاتها مرفوضة من قبل اليمين المستأسد فى السياسة الإسرائيلية والمهيمن على الساحة، وكل ما هو مقبول لديهم ينحصر فى أمرين، أن تُمنح الكتل السكانية الفلسطينية فى الضفة الغربية صيغة حكم ذاتى لإدارة الأمور اليومية، وثانيا أن تعلن إسرائيل سيادتها على الضفة الغربية، وأن تُعزل تماما عن غزة، التى تترك لشأنها مع تحسين نسبى للظروف الاقتصادية التى يعانى منها أهل القطاع. وفى كلا الأمرين يتم إلغاء حقوق اللاجئين فى العودة والتعويض إلا لعدد محدود جدا لا يزيد على نصف مليون فلسطينى مشتتين فى العديد من الدول. وفى ظل هيمنة هذه الأفكار يبدو طرح الكونفيدرالية الثلاثى نوعا من إعادة تصدير المشكلة إلى المجتمع الإسرائيلى، لا سيما أن العقبات الكبرى التى وضعها اليمين الإسرائيلى أمام فكرة حل الدولتين، ورفضه التفاوض نظرا لتدهور الوضع العربى العام الذى يمثل إضافة إستراتيجية كبرى، وخصما من القوة العربية والمساندة الفلسطينية، أدت بالفعل إلى عودة بروز فكرة دولة واحدة ثنائية القومية يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بحقوق سياسية ومدنية متساوية، والتى تنهى من حيث الجوهر مبدأ الدولة اليهودية الخالصة التى يجسدها قانون القومية اليهودية الصادر أخيرا.
 
الدولة الواحدة خطر على إسرائيل
 
ولعل الرواية المنسوبة إلى حديث الملك عبد الله عاهل الأردن، حول حل الدولة الواحدة، يكشف مدى تكلس الفكر الإستراتيجى لليمين الإسرائيلى، فقد أشار العاهل الأردنى فى لقاء له مع الرئيس ترامب فى واشنطن إلى أن الشباب الفلسطينى لم يعد مهتما بحل الدولتين، ويميل إلى حل الدولة الواحدة التى من شأنها أن تنهى فكرة الدولة اليهودية، لأن اليهود سيكونون مجرد أقلية قليلة مقارنة بالفلسطينيين، وحينها علق الرئيس ترامب بأنه لن تمر سوى سنوات محدودة وسيكون رئيس وزراء إسرائيل اسمه محمد. الرواية على هذا النحو تعكس بدورها كيف أن الرئيس ترامب يدرك جيدا مخاطر الدولة الواحدة على وجود إسرائيل كدولة لليهود، ويدرك أيضا أن الإسرائيليين بدون حماية أمريكا لهم لن يستطيعوا البقاء كدولة قوية فى محيط عدائى. ولعل هذا يفسر إصراره على تصفية القضية الفلسطينية بأبعادها القانونية والسياسية وكل ما يتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين تحت زعم صفقة القرن، كما نراه عمليا فى وقف الدعم لمنظمة الأونروا التابعة للأمم المتحدة المعنية بتوفير المساعدات للفلسطينيين، والضغط على دول العالم المختلفة بوقف مساهماتها لتلك المنظمة الإنسانية الرائعة، ظنا منه أن هذا كفيل بشطب صفة اللاجئ عن الفلسطينيين الذين خرجوا من أرضهم وبيوتهم المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلى، وبالتالى توفير حماية أكبر للدولة اليهودية. 
فى حين أن بعض العقلاء فى اليمين الإسرائيلى نفسه يرون الأمر على عكس هذا الوهم، فوجود الفلسطينيين بدون رعاية دولية، لن يمثل عبئا على الدول المستضيفة لهم وحسب، بل سيحمل الضغوط من جميع الأنواع والأشكال على إسرائيل نفسها، وما قام به شباب غزة فى فصل الصيف الحالى والمقاومة السلمية المبدعة بالطائرات الورقية يعطى مؤشرا على ما يمكن أن يكون الأمر عليه فى حال انصرف الطلاب الفلسطينيون إلى الفراغ والمجهول. 
 
وأيا كان الأمر، فالواضح أن حديث الكونفيدرالية الثنائية مع الأردن، لا يزيد على محاولة أمريكية ـ  إسرائيلية لإلهاء الفلسطينيين عن أهدافهم الحقيقية، ومحاولة لجرهم للغوص فى قضايا فرعية ووهمية تؤدى إلى مزيد من الانقسامات الفلسطينية التى هى أصلا مستعصية على الحل، كما تؤدى إلى خلق هوة أكبر وأكبر مع الأردن. ومن ثم يبدو شرط الرئيس عباس الداعى إلى كونفيدرالية ثلاثية نوعا من المراوغة السياسية لا أكثر ولا أقل، بل يحمل قدرا من السخرية اللاذعة للطرح الأمريكى بدون مواربة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg