رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 20 سبتمبر 2018

مقالات



الإصلاحُ الاقتصادىّ.. الضرورةُ والتفاصيل

6-9-2018 | 13:46
د. عمرو بسطويسى

لا أستطيعُ ولا أجرؤ  أن أدّعى إلمامى بالسياسةِ ولا الاقتصاد، فأنا شخصٌ أؤمن بالتخصصات إلى أبعد الحدود. وإن توليت الحديثَ فى أمرٍ ما يَبعُد عن تَخصّصى وهو جراحة القلب والصدر، فإننى لا أتناولهُ كمتخصصٍ مُحترف، ولكن كمواطنٍ عادى يَرى مَا يراهُ مِن جانبهِ ومن ناحيةٍ غير احترافية لَكنها بسيطة تعتمدُ على المنطقِ البسيط أساساً وتُقَيِّم الأفعال بنتيجتِها إن كانت نجاحاً أو فشلا. 

كُلُّنا يُدركُ ما تمرُّ بهِ مِصرُنا المَحروسة فى هذه الآونة مِن محاولاتٍ جادةٍ من الدولةِ للإصلاح الاقتصادى، وما يُصاحبُ ذَلِكَ من مُعاناةٍ على جميعِ المستويات. وقد ذَكَر هذا الأمر السيدُ الرئيس أوّل ما تَولَّى سُدَّةَ الحُكم، وذكرَ للجميع أنَّ الأيام المقبلة تحملُ المعاناة، والتى لا بد مِنها لنصبحُ دولةً حقيقيةً ذاتَ اقتصادٍ وأمنٍ مُستقرين، ووَضْع سياسيّ وعسكريّ دُوليّ يُجبِر الجميع على احترامِنا وخِشيَتِنا فى ذاتِ الوقت.
 
ومِن المعروف أنّ كُل الدول التى مرت بإصلاحاتٍ اقتصادية حقيقية مَرَّت بفتراتٍ مِن المُعاناة التى تحمَّلها كلُّ أبناءِ تِلك الشعوب وأذكرُ هُنا الدول الآسيوية التى أصبحت نموراً اقتصادية فيما بعد، وكذلك أذكرُ ألمانيا بعد الحرب العالمية والتى لم يَكنس شوارعها إلا أرامل الجنود. 
 
وعلى هذا الأساس وانطلاقاً من الجرأةِ والشجاعةِ لإحداث التغيير، فقد قامت الحكومةُ المصريّة بالمضى قُدُماً فى سياسةِ الإصلاح. وها قد بدأت المُعاناة التى توقعناها، فقد تم وضع العملةِ المحلية فى سعرِها الحقيقى دون تزييف مُقابل العُملات الأجنبية ليَكون سعرُها هو أحد المعايير للتطور الاقتصادى، ليست المعيار الأوحد، كما تمت السيطرة على استيرادِ السلع التافهة بالعملة الأجنبية لتوفيرها وتقليل التهافت عليها، ذلك إلى جانب العشرات من الإجراءات الأخرى الناجحة. وقد لاحظ الجميعُ الازدياد المستمر فى الاحتياطيّ النقديّ للعملةِ الأجنبية وثَبات سعر الجنيه إلى حدٍ كبير. وقرأنا أيضا العديدَ من التقاريرِ الدوليةِ بتَحسُّن المؤشرات الاقتصادية المصرية. 
 
وقد كان من الطبيعى والمُتوقع أيضاً أن نُلاحظ الازدياد المستمِّر فى أسعارِ جميعِ السلعِ والخدمات. وإن كان جزءا كبيرا من زيادةِ أسعار السلع يَعودُ إلى جَشعِ أغلبِ التُجَّار وأصحابِ الأعمال الخاصة، وهو جشعٌ يسرى فيما بينِهِم كما تَسرى النارُ فى الهشيم أو كالحصبةِ فى حضانةِ الأطفال، ولا يتناسبُ مع تَغيُّر سعرِ العملةِ الأجنبية مُقابل الجنيه. ويُعزِّز هذا الأمر عدم وجود رقابةٍ ولا قانونٍ مُلزِم بأسعارِ مُعظم السلع، فهى أسعارٌ حُرَّة طالما أعلنَ عنها بائعُها بوضوحٍ على كُلِّ سِلعةٍ !!
 
دَعونا نَعترِف أن الإجراءات الإصلاحية محمودةٌ بِلا شَك. لكن دَعونا نَنظُر إلى جانبين مُهمَين قد تأثرا بهذه الإجراءات الإصلاحية، ألا وهُما الصحةُ والغِذاء. وأنا هُنا لا أُعيرُ أى اهتمامٍ لأى جانبٍ آخر، فكلُّ الأمور الأخرى تذوب أهميتُها إلى جُوار هذين الأمرين المُهمين، الصحةُ.. والغِذاء. 
 
إننا كأبناءٍ لهذا الوطن نُدرك دورَنا فى دعم القيادةِ السياسيةِ فى هذه الفترةِ المهمة من حياتِنا، فإلى جِوار المشاكل الاقتصادية المُلِحَّة بشكلٍ يوميّ، هُناك حربٌ ضِد الإرهاب، ليسَ فى سيناءٍ وحَسْب بل فى كلِّ أنحاء مصر. وهى حربٌ تستهلكُ من الأموال ما لا يُدركه أى مِنا، دون ذِكْر شُهدائِنا الأبرار الذين قدموا أغلى ما لديهم مِن أجل الوطن. أما الحديثُ عن قوى الشر المُحيطةِ بِنَا وما يُنفقونه من مليارات لتقويض مستقبل مصر وما تبذله الدولة لمواجهتهم من جهدٍ ومال، فهو حديثٌ يَطولُ ولا يَتَّسع له هذا المقال. 
 
إذاً فلدى الشعب قبولٌ عام للتغيير إلى الأفضل واستعداد للتضحية، ولكن لماذا لا نُجنِّب العلاجَ والغِذاءَ عَناءَ هذهِ الفترة الانتقالية، فالمُواطن يُمكنهُ أن يَستغنى عن أن يُجدِّد سَيارتَه أو أن يَشترى منزلاً جديداً أو سِلعةً ترفيهية، لكن لا غنى له عن طعامٍ أو دواء. 
 
ويُمكن للمسئولين أن يُحققوا هذا الأمر ببساطةٍ شديدة. فيتم تخفيضُ الجمارك عن أيةِ أغذية مُستوردة ليس لها مثيل محلى يُغطى الاحتياجات، ويتم إلغاءُ الجمارك تماماً عن أيةِ مُكوِّنات للصناعات الغذائية المحلية والبذور والأسمدة والمكونات والأدوات الزراعية، وكذلك بالنسبةِ للضرائبِ فيتم تخفيضُها بشكل كبير أو إلغاؤها على كلِّ من يزرع أرضاً أو يُدير إحدى الصناعات الغذائية. 
وكذلك يَكُونُ الأمرُ بالنسبةِ للأدويةِ المستوردة ومُكوِّنات صناعتِها المَحليّة، ونفس الأمر بالنسبةِ إلى المستهلكات الطبية والجراحية والضرائب على الخدمات والمُنشآت الطبية. 
 
وهذا كُلهُ يَتوَجَّب أن تصاحبهُ رَقابةٌ قوية تُشرِف على تحديدِ أسعارٍ ملزمةٍ لكلِّ المُنتجات الغِذائية والمحاصيل والأدوية والخدمات الطبية بما يتناسبُ وما تمَّ منحُهُ من تخفيضاتٍ أو إعفاءاتٍ جمركية على مُكوِّنات الصناعات الغذائية والخدمات الطبية ناهيكَ عن الإعفاءات الضريبية. 
 
وبهذا تُصبح مصر هى أرخص دول العالم فى الغذاء والعلاج والدواء، وقد تُصبح مَقصَداً للسياحة العلاجية غيرَ مسبوق، فيَنهَدرُ على مَنافذها البرية والبحرية والجوية ملايين المرضى مِن كُلِّ العالم سَنوياً، مِما يُدرُّ على خَزانةِ الدولة المليارات مِن العملةِ الأجنبية. وقد تزدهرُ صناعات الغذاء المَحليٌَة لتنتقل إلى مرحلةٍ أكبر مِن التصدير وهذا أيضاً يُزيدُ عوائدَ العملةِ الأجنبية المُنصَبة فى البنوكِ المصرية ويُعَزِّز الاقتصاد. 
 
هذه المقترحات إن تمت فسَيتمكن المواطنُ من أن يُشارك فى الأمر، ويتحمل تَبِعات الإصلاح الاقتصادى فى الجوانب الأُخرى، كَونَهُ أدرك أن الدولة لم تسمح بأن تَطول المُعاناة الرغيفَ وقرصَ الإسبرين.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg