رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 26 سبتمبر 2018

المجلة



المكاسب المتبادلة شعار العلاقة بين القاهرة وبكين.. مصر والصين .. صناعة المستقبل

6-9-2018 | 15:17
أيـمن سـميـر

مصر بوابة البضائع الصينية لمليار مستهلك 
 
الثقل الاقتصادى والسياسى ينتقل من الغرب للشرق 
 
بكين دعمت مصر في حرب أكتوبر والإسكندرية أول مدينة يذكرها السجل التاريخي للصين 
 
الصين امتلأت بالمظاهرات الداعمة لمصر لمدة ثلاثة أيام  ضد العدوان الثلاثي 
 
قبل ثورة 30 يونيو كانت توصف العلاقات المصرية مع العالم بأنها علاقات حصرية مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، حتى وصفها البعض بأنها زواج كاثوليكى لا يمكن الفكاك منه أو الخروج عنه.
لكن عندما جاء الرئيس عبد الفتاح السيسى للحكم منتصف عام 2014 وضع سياسية خارجية جديدة لمصر تقوم على الانفتاح على جميع القوى الدولية والإقليمية وبناءً علاقات قوية مع كل الدول، سواء كانت قوى دولية مثل روسيا والصين واليابان والهند أم دولاً متوسطة الحجم أم صغيرة، من منطلق سياسة تقوم على «ضبط مساحات الاتفاق والاختلاف مع الجميع»، فنجحت مصر في بناء وترسيخ علاقات قوية مع الجميع دون أن تخسر علاقاتها الإستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كما أن التحليل المتعمق لما يجرى على الساحة الدولية يتأكد أن ميزان القوى، والثقل الاقتصادي والسياسي ينتقل من الغرب إلى الشرق، فالاقتصاد الصيني والياباني والهندي والكوري بات ينافس الاقتصاد الألماني والفرنسي والبريطاني والأمريكي بكل قوة، من هنا تأتى أهمية المنتدى الإفريقى ـ  الصينى الذى شارك فيه  الرئيس عبد الفتاح السيسى، ويعقد كل ثلاث سنوات، وشكل دورته الجديدة «صناعة جديدة لمستقبل علاقة تترسخ سياسياً واقتصاديا»  بين مصر وإفريقيا من جانب والصين من جانب آخر .
تسعى الصين إلى الاستفادة من المزايا التى تتمتع بها مصر، ومن بينها السوق الضخمة التى تضم أكثر من 100 مليون مستهلك، فضلاً عن أنها تعد بوابة لأكثر من مليار مستهلك يقطنون في الدول التي تتمتع فيها السلع المنتجة في مصر بمعاملة تفضيلية، مثل دول الاتحاد الأوروبي والكوميسا والدول العربية والولايات المتحدة.
ومن الفوائد الإستراتيجية والسياسية لمصر جراء توثيق علاقاتها مع الصين إقامة شراكة إستراتيجية بين مصر، وثانى أكبر اقتصاد فى العالم ما يمهد الطريق لكثير من المشاريع لتضع مصر أقدامها كدولة محورية فاعلة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك الإسراع في إقامة مشاريع لوجستية ومناطق لخدمات السفن والصناعات المتعلقة بالنقل البحرى على طول محور قناة السويس لتعظيم الاستفادة من طريق الحرير الصيني وقناة السويس الجديدة فى تنشيط حركة التجارة مع دول العالم.
وشهدت العلاقات المصرية ـ  الصينية تطورًا مستمرا فى جميع المجالات على مدى العقود الستة الماضية، وقد أثبتت هذه العلاقات قدرتها على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية والداخلية، كما تنتهج الدولتان سياسات متوافقة من حيث السعي والعمل من أجل السلام في جميع أرجاء العالم، والدعوة إلى ديمقراطية العلاقات الدولية، وإقامة نظام دولي سياسي واقتصادي منصف وعادل قائم على احترام خصوصية كل دولة، فضلا عن تفهم كل طرف للقضايا الجوهرية للطرف الآخر، وتتمسك الدولتان بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية لأي دولة، والسعي إلى حل النزاعات عبر الطرق السلمية، وقد تجلت هذه السياسة في مواقف كل منهما تجاه الآخر في مختلف المحافل الدولية، خصوصا في ملفات النزاعات الإقليمية والدولية، كما تؤكد مصر موقفها الثابت بوجود دولة واحدة للصين هي جمهورية الصين الشعبية، كما تبنت الصين موقفًا مؤيدًا لاختيارات الشعب المصري خلال الخمس سنوات الماضية وأعلنت مرارًا رفضها لأي تدخل خارجي في الشأن الداخلى .
وأكدت الثورة الصينية عام 1949 ثلاثة أهداف  رئيسية، الأول القومية، وكانت تهدف الاستقلال عن النفوذ الأجنبي، والهدف الثاني التوحد تحت هدف قومي يحكمة سلطة مركزية، والهدف الثالث التغيير الجذري للظروف الاقتصادية والاجتماعية.
والمدقق في الأهداف الثلاثة يجدها هي اهداف الثورة المصرية في عام 1952، لذلك كانت مصر أول الدول التي أعلنت اعترافها بجمهورية الصين الشعبية عام 1953.
وفي أغسطس 1955 قام وزير الصناعة المصري محمد أبو نصير بزيارة الصين، ووقع الجانبان اتفاقا تجاريا يقوم بمقتضاه كل طرف بإنشاء مكتب تجاري لدي الطرف الآخر، إلي أن أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مايو 1956، وكانت هذه خطوة هامة للصين لإقامة علاقات وثيقة مع البلدان العربية والإفريقية.
وعقب قرار جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس يوليو 1956 ، بادرت الصين بتأييد القرار فى أغسطس 1956 وأصدرت الحكومة الصينية بيانا أدانت فيه العدوان الثلاثي علي مصر، وأكدت دعمها للنضال الشعب المصري من أجل حماية الاستقلال الوطني.
وبرغم الظروف الداخلية للصين، حيث عمت البلاد الفوضي نتيجة الثورة الثقافية أعلنت تأييدها التام لكل المواقف التي اتخذتها مصر ضد العدوان الثلاثي، وبالتزامن مع تظاهرات ضخمة في بكين لمدة ثلاثة أيام دعما لنضال مصر والشعوب العربية، وتوالت الزيارات المتبادلة بين قادة ومسئولي البلدين بشكل مستمر.
 
مكانة خاصة لمصر 
سحبت الصين خلال الثورة الثقافية كل سفرائها من المنطقة العربية باستثناء سفيرها في مصر، وهذا يؤكد المكانة التي تحتلها مصر في السياسة الخارجية الصينية وقد تجسدت هذه المكانة من خلال موقفها من حرب أكتوبر 1973 فقد أعلنت تأييدها التام للجهود المصرية لاستعادة أراضيها المحتلة.
وبعد عام 2003 واحتلال الولايات المتحدة للعراق  واستخدام ملف حقوق الإنسان للتدخل في الشأن الصيني دعت الصين لإقامة نظام دولي جديد يقوم علي أساس قواعد مبادئ التعايش السلمي، فكانت أول زيارة لهو جينتاوا بعد توليه الحكم عام 2004 هي زيارته لمصر، ما يعكس توجه البلدين ، وخلال الفترة من 2003 - 2011 كانت العلاقات بين البلدين تتأثر بطبيعة العلاقات المصرية ـ  الأمريكية.
 
تشابه فى التاريخ 
للتشابه التاريخي والتلاقي الحضاري بين الشعبين ـ  المصري والصيني ـ  وضع قواعد راسخة للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولتين «فالإسكندرية» هي أول مدينة في إفريقيا ورد ذكرها في السجلات التاريخية الصينية، كما ورد اسم «مصر» في بعض المؤلفات الصينية، ومنها كتاب تتمة المتفرقات في يويانج  وفي كتاب دليل ما وراء الجبال الجنوبية، وكتاب بعنوان سجلات البلدان.
وقد ربط طريق الحرير البري وطريق البخور البحري بين مصر والصين، ليس تجاريًا واقتصاديًا فحسب، وإنما ربط بينهما ثقافيًا وفكريًا وعلميًا أيضًا، وقد لعب ميناء القلزم (السويس حاليًا) دورًا مهمًا في التبادل التجارى بين مصر والصين قديمًا، ولعله ليس من قبيل المصادفة أن يتم اختيار السويس أيضًا في العصر الحديث لإقامة المنطقة الاقتصادية الخاصة غرب خليجها للتعاون المصري - الصيني.
وعندما نشبت الحرب الهندية ـ  الصينية عام 1962 سعت مصر إلى التوسط في النزاع، وكان الرئيس عبد الناصر على اتصال دائم بكل من شو إن لاي ولال بهادور شاستري رئيس وزراء الهند.
وخلال مرحلة التحول السياسي التي شهدتها مصر خلال السنوات الخمس الماضية يونيو 2013 أكدت الصين قولا وفعلا احترامها لإرادة الشعب المصري، ورفضها لأي تدخل خارجي في الشئون الداخلية لمصر ولم تتراجع الاستثمارات الصينية في مصر، بل تم افتتاح عدد منها المشروعات الصينية وفق الجداول الزمنية التي كانت مقررة لها سلفًا.
وفي 5يونيو 2014 هنأ الرئيس الصيني «شي جين بينج» الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبه انتخابه رئيسًا للجمهورية، معبرًا عن رغبته في تطوير العلاقات بين الدولتين في مختلف المجالات.
وفى 9 يونيو 2014 التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالقاهرة مع المبعوث الخاص للرئيس الصيني «شي جين بينج» وزير الصناعة والمعلوماتية الصيني «مياو وي»، والذي مثل الرئيس الصيني في مراسم تنصيب الرئيس السيسي وفي 2 أغسطس 2014 عقدت أول جولة للحوار الإستراتيجي بين الصين ومصر خلال زيارة وزير الخارجية الصيني «وانج يي» لمصر ولقائه مع الرئيس السيسي ووزير الخارجية.
 
العلاقات الاقتصادية 
قامت الصين في يناير عام 1953 بشراء 45 ألف طن من القطن المصري، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 1953 نحو 11 مليون دولار أمريكي، منها 10.4 مليون دولار صادرات مصرية إلى الصين و600 ألف دولار صادرات صينية إلى مصر.
وبلغ حجم التبادل التجارى بين مصر والصين عام 2011 نحو 8.8 مليار دولار، بزيادة 40 % عن سنة 2008، وعام 2007 نحو 4.3 مليار دولار، بينما كان 3.2 مليار دولار عام 2006. العجز التجارى مع الصين يقدر بنحو 4 مليار دولار ، وكان في حدود 3 مليارات دولار عام 2006 ، ووصل معدل التجارة البينية نحو 11 مليار دولار. 
وتعتبر مصر سادس أكبر شريك تجارى للصين في إفريقيا، وتم منح الصين وضع اقتصاد السوق بناء على اتفاق تم توقيعه خلال زيارة السيد الرئيس للصين في نوفمبر 2006.
وقعت مصر والصين، في 23 نوفمبر 2012، مذكرة تعاون بين وزارتى الموارد المائية والرى في البلدين لدعم وتقوية التعاون الثنائي فى مجال الموارد المائية والتطبيقات الحديثة والتكنولوجية فى الري، وإستراتيجيات وسياسات توفير المياه وتبادل الخبرات والتدريب المشترك.
وفي 22 فبراير 2014، في أول زيارة رسمية لوفد من رجال الأعمال لمصر فى أعقاب ثورة 30 يونيو،. وأكد الوفد الذى يضم 12 مستثمرا صينيا يمثلون كبرى الشركات متعددة الجنسيات العاملة فى الصين، أن هناك فرصا واعدة فى الاستثمار بمصر بوصف السوق المصرية من أكبر أسواق منطقة الشرق الأوسط.
 
علاقات ثقافية متميزة 
على الجانب الثقافي، انتقلت إلى الصين العديد من الآلات الموسيقية المصرية القديمة، ومنها آلة موسيقية تسمى «جونق» أو «هابو» ظهرت في مصر قبل  ثلاثة آلاف سنة، وكان حرير الصين مصدرًا هامًا للمواد الخام التي استخدمت في صناعة الغزل والنسيج في مصر في العصور القديمة، فقد كانت ملابس كليوباترا تنسج من الحرير الصيني، وفي العصر الروماني كانت معامل النسيج في الإسكندرية تستخدم هذا الحرير بعد أن استوعبت فن غزل الحرير ونسجه من الصين، وكانت أواني الخزف الصيني هي ثاني أكبر صادرات الصين إلى مصر بعد الحرير، لدرجة أصبح معها اسم الخزف مرادفًا للصين فسميت الأواني الخزفية (الصيني)، وكانت أواني الخزف المصنوعة في الصين من النفائس في مصر، وقد عانت الدولتان من ويلات الاستعمار الغربي منذ ما قبل الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ثم الاستعمار الإنجليزي عام 1882، ومنذ ما قبل حرب الأفيون سنة 1840 وما بعدهما في الصين ويمكن في العرض التالي أن نوضح محطات مهمة في التعاون الثقافي والتعليمي بين البلدين.
بدأ التعاون الثقافي في القرن العشرين في مجال التعليم، حيث توجهت أول بعثة تعليمية صينية إلي مصر للدراسة بالأزهر الشريف في عام 1931.
وفي عام 1932 أصدر ملك مصر فؤاد الأول، مرسوماً بإقامة قسم خاص لقبول المبعوثين الصينيين بالأزهر الشريف، وأهدى أربعمائة نسخة من نفائس الكتب الدينية إلى مدرسة تشنجدا الإسلامية بالصين، كما أرسلت مصر اثنين من علماء الأزهر، إلى الصين ليساعدا هذه المدرسة في رفع المستوى التعليمي بها.
خلال الفترة من 1932 إلي 1941 زار الصين عدد من الباحثين المصريين في مختلف المجالات، وأقاموا روابط وعلاقات مع المؤسسات العلمية والتعليمية في الصين، وكل ذلك وضع أسساً طيبة للعلاقات الثقافية المصرية ـ  الصينية بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وقد تعزز التعاون الثقافي بين البلدين بعد قيام الصين الجديدة وثورة يوليو، ثم إنشاء العلاقات الدبلوماسية عام 1956، فقد وقع البلدان اتفاق التعاون الثقافي رسمياً في عام 1956، وقد تم إلى الآن توقيع ستة برامج تنفيذية للتعاون الثقافي.
وصلت أول بعثة تعليمية مصرية إلى الصين الجديدة في عام 1956، وفي نفس العام تأسست جمعية الصداقة المصرية الصينية التي تأسست تحت اسم «جمعية الصداقة العربية الصينية»، تم إعلان وتوقيع الإعلان المشترك للتعاون الدولي في المهرجان الدولي السنيمائي الأول عبر طريق الحرير من قبل 25 دولة، وذلك في إطار الحفل الختامي للمهرجان السينمائي الدولي الأول الذي أُقيم يوم 25 أكتوبر 2014.
وفى أغسطس 2016 فازت مصر للسنة الثانية على التوالى بجائزة الإسهام المتميز فى الإبداع والترجمة من الصين، حيث تسلم الفائز المصرى هذا العام الدكتور حسانين فهمى، أستاذ اللغة الصينية المساعد بكلية الألسن جامعة عين شمس، جائزته من نائبة رئيس الوزراء الصينى ليو يان دونغ فى الحفل الذى أقيم لتوزيع جائزة الدولة الصينية للإسهام المتميز في مجال الكتاب 2016 ببكين. وقد فاز بالجائزة من مصر فى 2015، من ضمن 20 فائزا، الناشر أحمد سعيد، وذلك بعد أن تم اختياره هو وآخرون من ضمن 177 مرشحا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg