رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 14 نوفمبر 2018

مقالات



«إن شاءَ الله.. بلْطَجى»

13-9-2018 | 18:45
د. عمرو بسطويسى

أكثرُ ما يُميِّز هذا العصر الذى نَعيشه عما سَبقه من عصور هو ثورة تكنولوجيا الاتصالات ومِن ثَمَّ ما تلاها من فيضان التواصل المجتمعى والإعلامى. ويبدو هذا لنا على مَدار الساعة فى شكلِ مواقع الشبكةِ  العنكبوتية (الإنترنت) ومواقع التواصُل الاجتماعى والإخبارى والصحفي، وكذلك القُدرة على الاتصال بأى مكانٍ فى العالم بشتى الطُرُق بالصوت والصورة والرسائل.  

وكُل هذه تُرسِل إلينا دوماً بحراً متدفقاً من الأخبارِ والمعلومات، أغلبُها مُرهقٌ للذهن ومُضيِّع للوقت. وإن لم يَمتلك الواحدُ منا خبرةً كافيةً للتعامل مع هذا الدَفق المَعلوماتيّ، ليستطيع أن يُمرَرهُ مِن خلال فلتر، مُنتقياً به المُفيد فَقط دون اللغط والشوائب، لأضاعَ الكثيرَ من الوقت و الجهد دون فائدة. 
 
ومِن ضِمن ما تم إلقاؤه عَلينا أخيرا هو أخبار ذلك المُمثل الشاب، والمُغنى أحياناً وهو «الأستاذ محمد رمضان».
 
وتتلخص آخرُ اخبارِه فى أغنيتين، إحداُهما « نمبر وان» وتعنى رقم واحد «والأُخرى «أنا الملك» وهذه شارحةٌ لنفسِها. كِلتا الأغنيتين توحى بتفوقِه وتَربُّعه على القِمَّة، ليست قِمَّة التمثيل والغناء فحسب بَل وقِمَّة القوة العضلية والثَراء والغِنى الفاحش وحياته المليئة بمظاهر العزّ والثَراء والسيارات، وحتى الأسود التى لا يَملُكها غيرُه فى استعراضٍ مُبهرٍ للجُهلاء والبُسطاء وأصحاب العقول الخاوية دون غيرهم، متناسياً أنه يعيش وسط شعب به نسبة كبيرة من الناس تحت خط الفقر. وإذا ما ربطنا بين ما يُقدمه هذا الشاب - وأنا هنا أتعمد عَدم استخدام مسمى «فنان»- و بين طبيعة أعمالهِ التى - فى أغلبها - تؤصِّل و تؤسِّس لمبدأ التفوق عن طريق البلطجة ومُخالفة القانون وتحطيمه. حتى فى الأعمال التى مَثَّل فيها دورَ ضابطِ الشرطة لم يستطع أن يَخرُج من إطار البلطجى وكأنه مُتنكِّر فى زى ضابط شرطة، ففى أحد أعماله قام بضرب أمين شرطة وهو ضابط فى زى مدنى لأنه أساء التصرف مُعطياً مثلاً لا يمكن أن يُحتذى به لا فى جهاز الشرطة ولا على المستوى المجتمعي. كُلُّ هذا يبعث برسائل للشباب على مُختلف  درجاتهِ الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مَفادُها أن الطريقَ إلى الغِنى والقوّة والتَميُّز لا يأتى الا بالبلطجة ومخالفة القانون وفرض القوة على الآخرين وبمَعزِل عن الدولة التى تُظهرها أعمالُه بالعاجزة عن اللحاق بقدراتِ سيادتِه، أو فى أحسن السيناريوهات أن هذا كله يأتى بأن يلتزم الممثل أو المغنى بمنهج  الفن الردئ.
 
وأنا هنا لا أدّعى مشاهدة كُل أعمال هذا الشاب، لكن هذه انطباعاتى التى أدركتها بوضوح من بين ما شاهدت وكذلك انطباعات العامة عما شاهدوا. وعلى الرغم من أننى أدرك أيضاً أن هناك بعض المحاولات لتعديل مسارهِ الفنى وهو أمر محمود، ولكن يلزم هذا الرجل الكثير من الجهد لمحو آثار الأعمال الرديئة التى تمت بالفعل، خصوصا أنها تلقى أثراً أكثر قبولاً لدى الشباب من منعدمى الثقافة والرؤية وهم كُثُرْ. 
 
وقد ينبرى البعض فيقول، دَعهُ و شأنه فهو لم يُخالف القانون وإلا كانَ قد تعرَّض للعقوبات، أما أعماله الفنيه فهى تَندرج تحت مسمى «حرية الإبداع» ، وأما أمواله فهى مِلكٌ له لا يُنازعهُ فيها أحد و له الحق أن يُنفقها كما يشاء. 
 
وأودُّ أن أُنبه هَؤلاء إلى أنه ليست كل الجرائم يُعاقب عليها القانون، فكَم من الجرائم تُرتَكب ولا تقع تحت طائلة القوانين المعروفة، كإفساد الذوق العام مثلاً أو بث أفكار مجتمعية خبيثة كالسم فى العسل، مثلما هو الحال هنا. كما أن الفن - فى شكلهِ الحقيقى - هو مسئولية مجتمعية خطيرة وليست وسيلة لجمع المال لأصحابهِ فقط، حيث تُبرِّر الغايةُ الوسيلة. أمَّا «حرية الإبداع» فيجب أن تُوَظَّف من أجل هذا الوطن ضمن رؤية مجتمعية شاملة. أما إنفاق ماله كيفما شاء فلا غُبار على هذا، و لكننى سأهمس فى أذنه بالحديث الشريف: 
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : « لا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسِ خِصَالٍ : عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَ ، وَعَنْ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَ ، وَعَنْ مَالِكَ : مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَ ، وَفِيمَا أَنْفَقْتَ ، وَمَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ » .
 
عزيزى الأستاذ محمد رمضان، أعرف من رجالِ الأعمال الوطنيين الذين يمتلكون أضعاف ما تملكه، ولا تدرى أيسارهم ما تنفق أيمانهم ويغدقون على الفقراء والمحتاجين بغير حساب ويسهمون فى إنجاح هذا الوطن ودعم الدولة فى مساعيها للإصلاح من وراء الستار. ولا يتباهون ولا يظهرون فى الإعلام، بل يتجنبونه خوفاً من ضياع الثواب. هؤلاء هم حقاً «نمبر وان». 
 
عزيزى الأستاذ رمضان، «نمبر وان» هم الجنود والضباط المرابطون فى بطن الصحراء ليحمونا ويحموك ويذودوا عن ثرى المحروسة، بينما أنت ترفلُ فى ثيابك الفاخرة ومركباتك الفارهة، وإذا استشهد أى منهم يأتينا خبره فى بوست صغير على صفحة الفيس بوك طالباً منا أن نقرأ على روحِه الفاتحة ويمكنك أن تدفعهُ إلى أعلى الشاشة بإصبعك ليتوارى عن عينيك فلا تُؤلمك تفاصيلُه. 
 
«نمبر وان» هو الطبيب المنغمس فى دم مريضٍ مجانى مصابٍ بفيروس سى لينقذ حياته مكتسباً منه عدوى، يتقاضى بدلاً لها جنيهات  معدودات. 
 
«نمبر وان» هو المهندس الذى يقف على حَفَّارٍ فى عَرضِ البحر ليَستخرج خيرات هذا الوطن ويعمل على تعزيز اقتصاده.
 
«نمبر وان» هو رجل المخابرات الذى تُكتنف حياتُه فى طَيَّات الكتمان ويقضى عمرَه مُعرِّضاً حياتَه للخطر من أجل هذا الوطن، وإن مات ظلّت ذكراهُ قابعةً فى ملفاتٍ سريةٍ إلى أن يُفرج عنها يوماً للعامة فيعرفوه ويُجِلِّوه بعد أن انقضى أجلهُ بسنوات. 
 
«نمبر وان» هو كُل عاملٍ وموظفٍ وفلاح يذهب إلى عملهِ بنيةٍ خالصةٍ لوجه الله تعالى وللوطن ولا يأتى مالاً حراماً ولا يَسرِق قوت أبناء شعبه أو يعتدى على حُقوقِهم. 
 
إليك أنتَ وكُل من يعمل مثلك فى الفن والسينما والتليفزيون والإعلام، إذا أردتم أن تكونوا «نمبر وان» عن حقٍ، فعليكم أن تتقوا الله فى هذا الوطن وهذا الشعب، وعليكم أن تدركوا دوركم المهم فى هذه الفترة الصعبة من تاريخ مصر. أنصتوا إلى القيادة واستمعوا بحرص إلى توجيهات الرئيس، ومن ثَمَّ قوموا بتوظيف فنِّكم وقُدراتِكم - التى لا يختلف على جَودتها الاحترافية - اثنان فى سِياق ما تقوم به الدولة من إصلاح وتغيير ومن أجل هذا الشعب الذى تحمَّل الكثير.
 
عليكم بإظهار الإيجابيات وبَث روح المُواطنة والحُب لهذا الوطن الذى ليس له مثيل. انشروا الطاقة الإيجابية، بُثُّوا الأمل فى نفوس الناس. استنفروا طاقات الشباب إلى الأفضل وامنحوهم القدوة الحقيقية لا المزيفة لِتُغيّروا فيهم - وبقوة - الانتماء لمصرِنا الغالية. أظهروا فى أعمالِكم الظواهر المجتمعية الناجحة من عالمٍ وطبيبٍ ومهندسٍ وضابطٍ وعامل. توقفوا عن بث روح البلطجة والفَتونة، فإنى واللهِ التقيت أطفالاً وشباباً أجابونى حين سألتهم عن أُمنيَّتهِم فى وظيفةِ المستقبل، فأجابونى « إن شاء الله بلطجي».

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg