رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



يقفان وراء فشل محادثات جنيف.. الدوحة وطهران يدفعان لاستمرار الأزمة اليمنية

14-9-2018 | 00:29
عادل أبو طالب

قطر وتمسك الحوثى بطائرة لنقل المصابين وراء عدم ذهاب الميليشيا إلى جنيف 

 
العودة للمسار العسكرى أبرز سيناريوهات ما بعد الفشل الدبلوماسى 
 
سعى مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن للحد من فشل جولة مفاوضات السلام الأخيرة بين الأطراف المتحاربة، وقال إنه سوف يتوجه إلى اليمن "فى غضون أيام" فى محاولة للاتفاق على موعد جديد، ما يشير إلى احتمالات عديدة بعودة الأمور إلى نقطة الصفر من جديد.
كان وفد الحكومة اليمنية قد وصل إلى جنيف الأسبوع الماضى استعدادا للمحادثات التى كان مقررا بدؤها الخميس قبل الماضي، غير أن وفد جماعة أنصار الله «الحوثيين» رفضوا مغادرة صنعاء تحت ذريعة أنهم لم يتلقوا ضمانات بعودتهم إلى العاصمة اليمنية.
وقال مارتين جريفيث إن "عملية المشاورات شهدت 3 أيام من المناقشات المثمرة مع وفد الحكومة اليمنية كما كان مخططا لها"، وأضاف أن المشاورات "سوف تتواصل فى (العاصمة العمانية) مسقط وصنعاء".
 
وعلى الرغم أن جريفيث لم يحمل أى طرف المسئولية عن فشل بدء المحادثات، وقال إن إلقاء اللائمة على أى من الأطراف من شأنه ألا يساعد اليمن الذى يشهد حربا أهلية منذ اجتياح ميليشيات الحوثيين العاصمة صنعاء فى 2014 ، فإن المؤشرات لا  تبشر بتفاؤل فى حل سياسى قريب، وتؤكد أن الأزمة فى اتجاهها للتصعيد خلال الفترة المقبلة على خلفية العديد من الأسباب.
 
أولها: الاتهامات المتبادلة بين أطراف الأزمة، فقد حمل وفد الحكومة اليمنية الحوثيين، مسئولية فشل انعقاد مشاورات جنيف، ووفقا لبيان الوفد الحكومى فقد استغرب "عرقلة الحوثيين انعقاد المشاورات التى تم تحديد موعدها بعد الكثير من الجهود والتشاور والتنسيق والمراسلات دون أن تذكر أيا من هذه العراقيل التى اختلقت عنوة فى ليلة المشاورات".
 
غير أن رئيس ما يسمى باللجنة الثورية العليا لدى الحوثيين، محمد على الحوثي، حمل التحالف العربى مسئولية "إفشال مشاورات جنيف من خلال تعنته فى منع تصريح لطائرة الوفد الوطني"، وقال الحوثى "عدم السماح للطائرة العمانية بنقل الوفد والجرحى انتهاك للقانون الإنساني"، حسبما كتب على تويتر فى حينه.كان الحوثيون يرغبون فى نقل جرحى من المعارك الدائرة فى اليمن للعلاج فى طائرة عمانية قالوا إنها هى التى ستنقلهم إلى جنيف، وقال التحالف: إن هناك طائرة تابعة للأمم المتحدة جاهزة لنقلهم، غير أن الحوثيين طلبوا المغادرة فى طائرة عمانية.
 
من ناحية ثانية: فمن المبكر الحديث عن نوايا جادة تفسح المجال أمام نجاح المسار السياسى فى اليمن فى المستقبل، وذلك على خلفية حجم الخسارة، لا سيما فى المجالات العسكرية والاقتصادية وكذلك المعنوية، وبالتالى فإن الحرب ستستمر نتيجة طبيعية لعقلية المكابرة التى تتحملها ميلشيا الحوثى. 
 
كما يبدو أن شخصية المبعوث الدولى مارتن جريفيث الذى يبذل جهوداً مكوكية، ويسعى باهتمام لجمع الأطراف على طاولة المفاوضات أسهمت فى ذلك أيضا، إذ ثمة فرق بين جريفيث وسلفه إسماعيل ولد الشيخ، فالمبعوث البريطانى يمتلك شخصية قوية ويتمتع باستقلالية نسبية تقلق جميع الأطراف الذين يخشون خروج المسار التفاوضى على "خطوطه الحمراء" .
 
من ناحية ثالثة: فإن عدة مؤشرات سياسية وإعلامية، تشير إلى أن هناك أصابع قطرية وراء تشجيع المراوغة الحوثية، وهى مراوغة ليست جديدة، لكن هذه المرة جاءت بعد عامين من آخر مشاورات سياسية فى الكويت.
 
وبرغم ترقب العالم أجمع لمسار المشاورات، لجأ الحوثى إلى عادته الأصلية، المراوغة والتعطيل، برغم الهزائم التى تواجهها ميليشياته فى المعارك العسكرية على جميع الجبهات، وهى على وشك الانهيار على جبهات صعدة والحديدة، فما الذى يدفعها إلى التعنت وفقدان فرصة الحل السياسي، التى قد تضمن لها تمثيلاً سياسياً، وفق حجمها، بعد نزع السلاح والانسحاب من المدن؟
فى الشهر الماضي، ظهر مؤشران على تفعيل قطر نفوذها على ميليشيا الحوثى فى الجانب السياسي، بعد أن كان الزخم الأكبر من الدعم موجهاً للجانب العسكري، الذى لم يقدَّم شيئاً لتغيير المعادلة، فى ظل الانتصارات الكاسحة لقوات الشرعية والتحالف العربي.
 
فقد كتب وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، فى تغريدة على تويتر، أن «المنطقة لا تتحمل المزيد من الحروب والمغامرة على حساب الأرواح»، وهو الموقف الذى كان كافياً ليتم تصنيف الوزير القطرى ضمن قائمة «دعاة السلام» فى نظر ميليشيا الحوثي.
 
وفى موقف يناقض الأيادى التخريبية لقطر فى اليمن، أعطى وزير خارجية قطر، غطاء جديداً لميليشيا الحوثي، وذلك بدعوته إلى تحرك دولى لحماية المدنيين، وهو زعم يراد به ممارسة التضليل وتبرئة الحوثيين من مسئوليتهم تجاه المدنيين، وارتكابهم مجازر مروعة ضد السكان فى الحديدة، وكان آخرها قصفهم بقذائف الهاون مدخل مستشفى ومقتل عشرات المدنيين.
حملت تغريدة الوزير القطرى فى مضمونها عدة أهداف، أولها تبرئة ميليشيا الحوثى الإيرانية من المجازر، وتحميل مسئولية الأزمة للتحالف العربي، وتجلى الخبث القطرى فى دعوة وزير خارجيتها إلى «التحرك الدولى لضمان حماية المدنيين»، وهى دعوة ظاهرها إنساني، وباطنها سياسى كيدي، يهدف إلى عرقلة معركة تحرير الحديدة من الميليشيا.
 
أما دعوته إلى «تغليب الحل السياسى وتفعيل حوار وطنى يشمل كل الأطراف اليمنية»، تضمن عدم الاعتراف بالجهود التى يقودها التحالف العربى من أجل دعم الحل السياسي، ودعم مبادرة المبعوث الأممى إلى اليمن، مارتن جريفيث. كما أنها دعوة منفصلة عن الواقع. ومتشابكة مع «الخيال الإيراني»، فالطرف المعطل للحل السياسي، يتمثل فى ميليشيا إيران، وتشهد على ذلك جولات المبعوث الأممى مع ممثلى الميليشيا فى صنعاء، التى لم تسفر عن أى تقدم فى مسار التسوية السياسية.
 
المؤشر الثانى على إعداد قطر النية مسبقاً لتخريب المسار السياسى فى اليمن عبر الحوثي، مقالة كتبها سفير قطر لدى الولايات المتحدة، فى صحيفة «واشنطن بوست»، قام فيها بتحميل التحالف العربى مسئولية الأزمة، وتابع النهج القطرى فى تبرئة المليشيا من الجرائم أو تعطيلها الحل السياسي، فكان هذا الدفاع القطرى عن الحوثى فى صحيفة أمريكية دليلاً ثانياً، معلنا أن قطر باتت تقود المسار السياسى عن الجانب الحوثي.
 
وسوّق السفير القطرى لأكاذيب فى مقالته فى الصحيفة الأمريكية، متباكياً على ما يزعم أنه سقوط للمدنيين، وهو ما يجب أن تطالب به كل دول العالم نظام الدوحة الذى مول ميليشيا وتنظيمات إرهابية راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأطفال والنساء فى عدد من الدول العربية. وحاول السفير القطرى تضليل القارئ الأمريكي، عبر الزعم بأن الدوحة تعمل على مكافحة الإرهاب بالتعاون مع الأمريكيين.
 
وهو زعم باطل تؤكده الأدلة والشواهد. فالتعاون القطرى الشكلى مع الولايات المتحدة، يقابله استمرارها فى دعم التنظيمات الإرهابية من جهة أخرى، والحرص على إبقاء قنوات تمويل الإرهاب مفتوحة، فما تقوم به قطر هو "استثمار فى الإرهاب".
 
هذه الجولة من المشاورات، هى الجولة الأولى التى كانت فيها قطر، علانية، حليفة للحوثي، وخصماً مباشراً للتحالف العربى والأمن الخليجي. وذراعها لتحقيق هذا الهدف ميليشيا الحوثي. لذا، ليس من المستغرب أن يراوغ وفد الحوثى بهذه الطريقة ، طالما أن قطر ترسم لهم المسار بالتنسيق مع حليفها الإيراني.
 
فالدوحة تحاول كسب أوراق جديدة فى حراكها الإقليمي، وهى تستخدم ميليشيا الحوثي، نقطة ارتكاز لها ضد التحالف العربى ، والآن جاء الدور لتخريب المسار السياسي، ودفع الأزمة إلى المزيد من التعقيد،  لكن، ما لا يدركه الحوثيون أن البديل عن تفعيل المسار السياسي، هو استكمال المسار العسكري، وإلحاق الهزيمة النهائية بالميليشيا الإيرانية على أيدى الشرعية والتحالف.
ولتنظيم الحمدين باع طويل فى استخدام ميليشيا الحوثي، ضمن التحالف مع إيران. وسلطت الأحداث الأمنية قرب ممرات الملاحة الدولية فى المنطقة، الضوء على «تحالف القراصنة» الذى يضم دولا ومنظمات صانعة ومحركة للإرهاب الدولي، وتتصدر هذا التحالف إيران وقطر وميليشيا الحوثى الإرهابية.
 
فضلاً عن أدوات أخرى على غرار «حزب الله» وتنظيم القاعدة وميليشيات إرهابية أخرى، تهدف إلى السيطرة على منافذ تجارية حيوية فى العالم، بدءاً من الخليج العربي، مروراً بمضيق باب المندب، وانتهاءً بقناة السويس. وتقوم ميليشيا الحوثى الإيرانية بأداء دور القرصان فى البحر الأحمر، بناءً على طلب إيران وقطر،  فقد مولت الدوحة عملية بناء وحدات بحرية انتحارية حوثية، وتزويدها بقوارب وألغام بحرية وصواريخ موجهة وتقنيات عسكرية، وفرتها طهران بتمويل قطرى كامل.
من ناحية رابعة، فقد تزايد خطر تنظيم القاعده فى اليمن بعد أن قامت جماعة أنصار الشريعة، وهى جماعة متشددة أنشأتها القاعدة فى شبه الجزيرة العربية باعتبارها ذراعها المحلي، بالدخول
على خط القتال بشكل منتظم فى عدن وأجزاء أخرى من الجنوب.
 
ووفقاً لمجموعة الأزمات الدولية، فإن القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، حصلت على مجموعة واسعة من الأسلحة الجديدة، بما فى ذلك الأسلحة الثقيلة من معسكرات الجيش اليمني.
وكان موقع "ميدل إيست آي" كشف فى العام الماضى عن أن أكبر قوة سلفية متشددة فى تعز حصلت على أسلحة ومال، وقالت إن شخصا يدعى "أبو عمر" هو من قاد تلك المجموعات، فيما واصل القيادى السلفى أبو العباس عقد اجتماعات شهرية فى عدن.
 
وأشار الموقع إلى أن هذه الإمدادات من الأسلحة طويلة الأمد تسهم فى نمو القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، ونقل عن  جوكى بورينجا، مستشار وزارة الخارجية الهولندية لشئون اليمن، منذ ما يقرب من ثلاث سنوات قوله بأن "القاعدة تعمل على توسيع نطاق نفوذها فى اليمن".
 
ومع ذلك، وكما أشار مايكل هورتون، وهو خبير فى الشأن اليمنى بمؤسسة جيمس تاون: إن تنظيم القاعدة فى جزيرة العرب استفاد من تدفق الأسلحة إلى اليمن "بينما" فى الوقت الراهن،"لقد سمح الصراع فى اليمن لمنظمات إرهابية مثل تنظيم القاعدة وداعش بتأسيس أنفسهم ونشر رسالة العنف والتطرف"، بينما  أفادت مجلة "جينس إنتليجنس ويكلي" بأن تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية هو فى طور التأكيد على نفسه باعتباره الفاعل المهيمن عبر معظم جنوب اليمن.
 
ولا شك أنه إذا كانت القاعدة قادرة على إجبار الحوثيين على التراجع، فإنها فى شبه الجزيرة العربية ستتحرك لملء بعض الفراغات التى يخلفها الحوثيون وحلفاؤهم – على المدى القصير على الأقل الأمر الذى سوف يترك تبعات طويلة على الأزمة اليمنية ربما تخرج حينها عن سيطرة جميع الأطراف.
 
وربما نجد أنفسنا مرة أخرى كما هى الحال فى سوريا وليبيا والعديد من الصراعات الأخرى فيما يتعلق بالميليشيات الإرهابية كقوى بديلة لتحقيق أهداف سياسة خارجية واسعة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg