رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

المجلة



محمد القشاط.. آخر سفير ليبى بالسعودية فى عهد القذافى: «الإخوان» يعتبرون ثروات ليبيا «غنيمة» لهم

14-9-2018 | 00:34
حوار أجراه: محمد هلال - تصوير: عمر جهاد

سيف الإسلام القذافى كان يؤجر ويبيع أراضى ليبية لدول غربية تقرباً إليها

130 سفيرًا لليبيا فى دول العالم انحازوا إلى الناتو إلا 11 فقط أنا واحد منهم 
 
بسبب تمويله فيلم « الرسالة»  اتهموا العقيد القذافى بالكفر .. وهذا يجافى الحقيقة
 
مصر وليبيا شعب واحد.. ولا يروق لى تعبير شعبين 
 
نادرًا ما نصادف مسئولًا كبيرًا موسوعيًا بهذه الأريحية وتلك المواهب، فهو سياسي بمنصب سفير لبلده الجماهيرية الليبية لمدة 12 عامًا لدى السعودية، وهو من استقبل الرئيس التونسى زين العابدين بن على هناك، وفى جعبته الكثير، مما لم ينشر فى هذا الشأن، كما أنه يكتب الشعر وقد صدرت له عدة دواوين، وباحث سَبر غور الأصول العربية فى القارة السمراء إفريقيا، وترأس مكتب شئون الصحراء، وأصدر موسوعة ضخمة من خمسة أجزاء فى هذا الشأن، حتى بلغ عدد الكتب التى أثرى بها المكتبة العربية 120 كتابًا،  وفوق ذلك فهو الأكاديمى الذى حصل على درجة الدكتوراه عام 1985 من جامعة بودابست، وقبل ذلك عمل بالتدريس وكذا عمل بالصحافة وترأس تحرير مجلة الوحدة العربية، وقد حصل على دبلوم الصحافة العالى..
 إنه الدكتور محمد سعيد القشاط، آخر سفير ليبى فى عهد العقيد القذافى لدى المملكة العربية السعودية، ومندوب ليبيا الدائم فى منظمة المؤتمر الإسلامى ورئيس لجنة المصالحة بين القبائل، قاوم ضد هجوم الناتو على ليبيا ثم هاجر إلى الجزائر بعض الوقت، ويعيش فى مصر منذ عام 2014 رئيسًا لجبهة الحركة الوطنية الداعمة للجيش الليبى بقيادة المشير حفتر. 
 
فى هذا الحوار يكشف السفير محمد سعيد القشاط، العديد من الأسرار التى تذاع لأول مرة، عن تدخل الناتو، وعن مصرع القذافى والخيانة التى تعرض لها من بعض أهل مصراتة، الذين وضعوا جثمانه فى فرن لإذابة الحديد، وعن علاقة القذافى بالرئيس التونسى الأسبق زين العابدين بن على، وحكاية المبالغ المالية التى دفعها له القذافى، لينفق منها على نفسه وأسرته، وكذلك سنعرف فى هذا الحوار تفاصيل الخطة التى وضعها المشير خليفة حفتر لتحرير ليبيا وتوحيدها، والعديد من الأسرار.
 
< ماذا تمثل مصر لكم؟
لن أقول إن مصر عاصمة العرب وملاذهم فقط، لكن مصر بالنسبة لى هى بلدى - وعشقى لها بلا حدود، ولنا أن نعلم أن هذه حقيقة تاريخية بين الشعبين - إذا جاز لنا هذا التعبير الذى لايروق لي" شعبان "، فنحن شعب واحد لكن السياسة الاستعمارية هى ما جعلت لبلادنا حدودًا جغرافية، وهناك شواهد عديدة ودراسات ومستندات مؤكدة تقول: إن الليبيين الذين انصهروا فى مصر أكثر بكثير من التعداد السكانى لليبيا، وستدهش أن تعدادهم كمصريين من أصول ليبية بلغ 14 مليون نسمة جاءوا فى مدة لا تزيد على 500 عام فى أواخر الدولة العثمانية، وفى قلب القاهرة هناك شواهد ما زالت ماثلة، فمثلًا " باب زويلة" سمى بذلك لإقامة قبيلة زويلة الليبية بالمنطقة، وما زال أساس القبيلة فى منطقة زويلة فى الجنوب الليبى، نفس الحال " باب هوارة " بالقاهرة وتمددت القبيلة جنوبًا فى صعيد مصر، وكذا قبائل أولاد على بمرسى مطروح التى أخذت اسمها من القاضى مطروح، المولود فى ولاية طرابلس، كما كانت تسمى قديمًا، وهناك قبائل جوازية والعمايم وترهونة وخويلد، ولى فى ذلك دراسات مهمة بها ثبت أسماء القبائل المعروفة .. ولك أن تعلم أن "سيدى برانى" شيخ ليبى من قبيلة أزوية، وقد أنشأ فى هذا المكان وكان عامرا بالسكان زاوية اسمها " زاوية الشيح " يدرس فيها القرآن الكريم حتى وافته المنية .. ولك أن تعرف أن المشير عبد الحكيم عامر له أصول ليبية من عائلة ترهونة، وعزيز باشا المصرى ينتمى لقبيلة الجوازى، والدكتور عصمت عبد المجيد تعود أصوله إلى مصراته، والعالم أحمد زويل تعود أصوله إلى قبيلة أولاد على.. الحقيقة أن مصر كانت تستقطب كل الناس.. أذكر منهم الشيخ أطفيش أحد علماء الأزهر الشريف من الجزائر، ومن منا لا يعرف سلطان العلماء العز بن عبد السلام السورى المولد والمدفون فى "قرافة قريش" بالقرب من الإمام الشافعى القريشى النسب المولود فى غزة بفلسطين . . هذه هى مصر التى يعشقها العرب وغير العرب منذ قديم الزمان.
 
< فى سيرتكم ما يؤكد معرفتكم بالشاب "معمر القذافى" الذى ولد فى نفس عام ميلادكم 1942 بصحراء ليبيا، هل تلقى لنا الضوء على هذا الجانب؟ 
بعد الاستقلال لم يكن فى ليبيا سوى ستة خريجين جامعيين تعلموا فى مصر، وكان لابد من الاستعانة بالمدرسين المصريين وخبراء التعليم، وبعد ثلاث سنوات قضيتها بالمدرسة الابتدائية التحقت بمعهد إعداد المعلمين وبعد التخرج، وكان عندى وقتها 17 عامًا عملت بالتدريس الابتدائى، وأنشأ "على خليفة الزايدي" الحركة الكشفية للكشاف المسلم فى لبنان ثم ليبيا، حركة تثقيفية ورياضية وهكذا، والتحقت بها، وقتها كانت ليبيا ثلاث ولايات فزان فى الجنوب وبرقة فى الشرق وولاية طرابلس، والتقيت الشاب معمر القذافى فى عام 1960، وكان من كشافة الجنوب وحضر معنا هذا المعسكر، لكنه كان انطوائيًا لايختلط بأحد، ثم لم نلتق إلا فى الثورة عام 1969.. أذكر أننا تعارفنا فى المعسكر، لكن لم نكن أصدقاء.. فى عام 1963 كنت أقوم بالتدريس فى فزان جنوبًا على سبيل الإعارة من ولاية طرابلس، وعلمت أن القذافى تم طرده من المدرسة الثانوية بعد إلقاء القبض عليه لأنه قاد مظاهرة تندد بانفصال وحدة مصر وسوريا، وتم ترحيله إلى مصراتة، وكان يعشق الرئيس جمال عبد الناصر يحفظ خطاباته ويلقيها على الطلاب، وفى يوم ميلاد عبد الناصر كان يوزع الحلوى، وهناك فى مصراتة التحق بالجيش .. وكان نصف عدد أعضاء مجلس قيادة الثورة معنا فى معسكرات الكشافة وأصدقاء لى، والتقينا فيما بعد فى أحداث الثورة.
 
< أيضًا تؤكد سيرتكم الذاتية الزاخرة ما يفيد أنك عملت بالصحافة، كيف كان ذلك؟
فى عام 1963 حصلت على دبلوم الصحافة العالى، فقد كنت وما زلت أهوى العمل بها، وعملت حتى ترأست تحرير مجلة "الوحدة العربية"، وكانت تهتم بالوحدة بين مصر وليبيا والسودان كمثلث ذهبى فى المنطقة، ثم عملت مديرًا عامًا للمؤسسة العامة للصحافة منذ عام 1974 وحتى عام 1976، ومن طرائف ماواجهنى بتلك المهنة .. بمناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر 1973 ذهبت على رأس وفد للمشاركة فى مؤتمر صحفى للرئيس السادات، وصادف يومها وفاة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، وأجاب الرئيس السادات يومها عن أسئلة الوفود، لكنه عندما جاء دورنا رفض الإجابة عن أسئلة الوفد الليبى، وقال قبل أن نسأل : "أسئلة ليبيا لا إجابة لهم عندى " وانصرف، وكانت وقتها الأجواء السياسية على غير مايرام .. بعدها قلنا لبعضنا بعضا تخلفنا عن المشاركة فى جنازة الدكتور طه حسين ولم نحصل على ثواب المشاركة، وحُرمنا من المشاركة فى المؤتمر الصحفى الرئاسى.
 
< ذكرت أنك استقبلت الرئيس " بن علي" فى السعودية وأنه قال لك إنه لم يهرب، وشكا أنه خرج من تونس بلا نقود، وأنك - حسب أوامر القذافى - أعطيته مبلغ 250 ألف دولار .. كيف تم ذلك؟
نعم وقد ذكرت ذلك تفصيلًا فى كتابى "القذافى وأنا وابن على" الصادر عن مكتبة جزيرة الورد بالقاهرة، وكان القذافى يعمل على إعادته للحكم لكن الوقت لم يسعفه، وما حدث أن بن على اتصل بى ولم أرد عليه حتى أعرض الأمر على العقيد القذافى، وبعد الموافقة ذهبت إليه فى مقر إقامته بقصر الحمراء فى جدة، وقال فيما قال: لم أهرب ولكن عند تطور الأحداث رأت زوجتى أن تؤدى العمرة، وأصرت أن أذهب معها، ولما رجعت إلى مطار جدة بعد العمرة وجدت الطائرة قد غادرت عائدة إلى تونس وأخبروا قائدها الطيار محمود شيخ بأنهم اتفقوا معى على ذلك، وهو ما لم يحدث.
وجعل بن على يعدد إنجازاته طوال فترة رئاسته، وأنه من الناحية القانونية هو الرئيس الشرعى، ومن حقى - ما دمت لم أقدم استقالتى - أن أتغيب دون تحديد الزمن، كان يتكلم بشكل متلاحق لا يترك لى فرصة التعليق وينتقل من موضوع إلى آخر، وأنه خدم تونس 50 سنة وليست له حسابات فى بنوك خارج تونس، وأنه خرج من تونس لا يملك إلا ملابسه التى يرتديها وأمسك بطرفى جاكتته، دلالة على أنه لم يحمل أى شيء معه، وأن زوجته تبكى ولا تأكل شيئًا والأسرة أصبحت مشردة.. أبلغته وصية العقيد القذافى فى أربع نقاط وهى: نحن سنناقش ما حدث فى تونس فى المؤتمر الإفريقى وسنجمد عضويتها.. ويستحسن أن تخرج إلى أوروبا حتى يسهل الاتصال بكم.
أبلغت العقيد بكل ما دار تنفيذًا لرغبة بن على، وفى اللقاء الثانى كان مستاءً لجحود الشعب.. وبعد نهاية الحديث قدمت له مبلغ 250 ألف دولار أمر بها العقيد القذافى، وشكرنى وطلب إبلاغ العقيد شكره وامتنانه وتأبط الظرف الذى يحوى المبلغ وافترقنا.. وفيما بعد أنكر أنه أخذ منى أية نقود!
 
< كم عامًا قضيتها فى منصب السفير، وهل هى مهمة شاقة أن يعمل الإنسان سفيرًا لبلاده؟
قضيت مدة 12 عامًا سفيرًا لليبيا فى السعودية فالسفير فى بلادنا العربية مهمة شاقة وكما يقولون:" السفير فى بلادنا بين المطرقة والسندان "، فالسياسات غير ثابتة والأمزجة أيضًا، ومهمة السفير محاولات الإصلاح، ومن آفة تلك المهنة الكذب الكثير فترى أصدقاءك من السفراء يكذبون عليك، أما مهمتنا نحن محاولة تبرير الخطأ، يحضرنى بيت من الشعر يقول: تاريخنا يا ابن العروبة حافل بمهازل تعصى عن العداد. 
 
< أراك ترتدى " كارفت " أسود اللون وتلك دلالة حزن.. فهل هى كذلك؟
كان المفروض أن أرتدى جلبابًا أسود وليس كارفت فقط، أقول بكل حزن: تاريخ الأندلس يعيد نفسه الآن فى بلادنا، لا تسمع عربيا يقول كلمة خير فى الآخر .. برغم أن السياسة هى أن تنفع بلدك، أقول تنفع. ولكن فى بلادنا كل الأشياء تدعو إلى الحزن، فهذا الغنوشى فى تونس كان محبوسًا وتوسل بالقذافى فأخرجه من السجن، لكنه كان وجماعة الإخوان فى مصر ودويلة قطر يهللون للناتو ويدعمون الإرهاب بالمال والسلاح.. وعرب آخرون كانوا يدخلون ليبيا بدون جواز سفر وكنا نعاملهم مثل الليبيين ولكنهم أمام إغراء المال سلموا عبد الله السنوسى، وكذلك فعلت النيجر مع الساعدى ابن القذافى وسلموه للجماعات.. أكثر من ذلك بعد حادثة القذافى تساقط السفراء، وكان عددهم 130 سفيرًا ولم يقف ضد الناتو منهم إلا 11 سفيرًا فقط أنا واحد منهم.
عندما قضى الأمر فى ليبيا وسقطت طرابلس ذهبت إلى بلد عربى آخر، لكنهم رفضوا استقبالى، ولم يكن أمامى إلا شراء جواز سفر جديد باسم جديد، ودخلت من مكان آخر ومكثت بها 40 شهرًا قبل مجيئى لمصر، وقد سجلت ذلك فى كتاب، برغم مناصرتنا لهم.
 
< هل معنى ذلك أن هناك تنسيقا مع قيادات الجيش والمشير حفتر؟
قبل أن يبدأ المشير حفتر عملية " الكرامة " بأربعة أشهر جاءنى فى الجزائر لندرس الأمر، ونستعرض التجارب المماثلة وما يناسبنا منها ونحاول وضع الخطط لتنفيذها، استعرضنا مثلًا التجربة الجزائرية فى حربها على الإرهاب فيما يسمى " العشرية السوداء " لأنها استمرت عشر سنوات حتى استعاد الجيش السيطرة على البلاد برغم أن الجزائر دولة لم تتمزق مثل ليبيا، أيضًا تجربة " مانديلا" فى جنوب إفريقيا، وناقشنا التجربة المصرية وتلاحم الجيش والشعب فى الإطاحة بالإخوان وإنقاذ البلاد، ووجدنا أن ما يناسبنا هو التجربة المصرية.. ومكثنا ثلاثة أيام نضع تصورًا للقادم، واتفقنا على الآتى : أولًا لا حديث عن ثورة فبراير أو ثورة الفاتح من سبتمبر، ضرورة عودة الجيش والشرطة والقضاء وإرجاع الموظفين، طرد الميليشيات وعدم ضمهم للجيش لأنهم "مؤدلجين" ويتم توظيفهم مدنيًا حتى يتم إحتواؤهم، تجميع الليبيين من المشايخ والأعيان ليكونوا مجلسًا للشيوخ يشرف على الدستور ويقرروا نظام الحكم " مملكة .. جمهورية .. جماهيرية"، وأيضًا يقروا" العلم والنشيد"، ويختاروا حكومة مؤقتة تشرف على الانتخابات، عدم الاتفاق مع دولة أجنبية بل التعامل الند للند، عدم السماح لوجود قواعد أجنبية .
أما مهمتنا كمدنيين هى دعم هذا التوجه كعمل سياسى، وبالفعل عملنا مذكرات لبعض الدول، وكان لا بد من استشارة مصر والجزائر.. على أساس عدم التصالح مع الإخوان فهم يعتبرون الناس كفارًا وكذا القاعدة والدواعش، هؤلاء هم المشكلة أما القبائل فلا توجد بينهم أدنى مشكلة .. والقضاء على الإخوان والقاعدة والدواعش ليس صعبًا على الإطلاق، لكن يلزمه توحيد الجيش وفك قضية منعه من التسليح فى الوقت الذى تتدفق فيه الأسلحة المتطورة للمليشيات .. بينما حفتر وجيشه يقاتلون بجهدهم دون إمكانيات إذن تسليح الجيش ضرورة حتمية وتجميع الآف الجنود ومنحهم الرواتب الملائمة.
 
< "مصراتة" كانت من أحب البلاد للقذافى لكن مقتله كان على يد أهلها.. فأين تضع أقدامها الآن؟
مع الأسف الشديد فإن " مصراتة " الآن تقيم دولة مستقلة وبها قنصليات والإخوان هناك يغدقون على الشباب أموالًا طائلة بهدف تكوين ميليشيات قوية، يمنحون الشاب أربعة الآف دينار كل شهر، وهذا جنون فى الإنفاق، وبرغم أن القذافى، كان يميز مصراتة بالمشروعات العملاقة، مثل أكبر مصنع فى ليبيا للحديد والصلب، وأربعة من الموانئ الكبيرة ومطارين، وكان فى كل وزارة يختار منها أربعة أو خمسة وزراء، إلا أنهم سقطوا فى مصيدة الناتو، الآن مصراتة تقيم سجونًا غريبة لكل من وقف ضد الناتو، فليس بها سجن بالمعنى المتعارف عليه بل سجون "قطاع خاص" عبارة عن بيوت وأحواش مملوكة لأفراد يتسلم كل واحد فيهم مجموعة من الأسرى مقابل أجر عن ذلك النشاط الغريب، راتب للحراسة والتموين للسجناء، وله الحق فى التصرف فينفق على طعام السجناء الشىء القليل ويستولى على الباقى دون حساب، وله سلطة تعذيبهم حسب هواه، وقصص التعذيب بشعة كما يرويها من استطاعوا الهروب منها، فمثلًا مصطفى الخروبى، عضو مجلس قيادة الثورة يضربونه ويجبروه على مسح المراحيض وجمع أعقاب السجائر، بل إن بها نحو ثلاثة آلاف مجاهدة ضد الناتو يعاملونهم معاملة الجوارى، أكثر هذه السجون فى مصراتة بلد الوزراء والاهتمام والإنشاءات!
 
< كيف سقط القذافى فى أيديهم؟ وهل أقاموا له قبرًا معروفًا؟
ذات ليلة رصد الناتو له مكالمة مع قناة سورية وتلك كانت غلطة النهاية، ولما أحس بالخطر خرج ومن معه من الحراسات وعددهم 70 رجلًا، ومعهم أبو بكر يونس جابر، لكن طائرات الآباتشى الفرنسية رصدتهم فدخلوا فى نفق "أنبوب خرسانى" مجهز لمياه السيول، الذى قيل عنه للصرف الصحى، وعند خروجهم من الناحية الأخرى أطلقت عليهم الطائرات الآباتشى الغازات السامة والصواريخ، ومات أبو بكر وبعض الحراسات وأصيب القذافى وبين أيدى شباب مصراتة لقى حتفه، وبعد أن عبثوا بجثمانه أمام الكاميرات ألقوه وولده المعتصم فى فرن لصهر الحديد، وبعد وقت جاءت شائعات أنهم رموهما فى البحر، وبعد أن قتلوا باقى أفراد الحراسة حفروا لهم فى الصحراء وردموا عليهم، الآن هيئة النفط يتولاها مصراتى وكذا رئيس البنك المركزى مصراتى، وضاعت ثروات ليبيا بعد أن استولوا على 170 طنًا من الذهب، وكذا ضاع أكثر من 170 مليار دولار فى شركات العمل الخارجية وضاعت المنشآت فى السنغال ومالى بعد أن باعوها بثمن بخس، أما أرصدة ليبيا فى أمريكا وبريطانيا وفرنسا فقد استولوا عليها .. خلاصة القول: إن الإخوان يعتبرون ليبيا غنيمة لهم ومصدرا من مصادر الرزق لبقية الإخوان فى العالم .
 
< قلت فى كتابكم " القذافى وأنا وابن على " تحت عنوان " رسائل الساعدى "إنه أرسل ثلاث رسائل للسعودية يطلب اللجوء السياسى قبل سقوط طرابلس بوقت كبير.. كيف حدث هذا وهو ابن القذافى؟
تلك هى الحقيقة، فقد أحضر لى أحد موظفى الساعدى القذافى ثلاث رسائل مغلقة فى طرابلس، لإيصالها لوزير الخارجية السعودى، والثانية لرئيس مجلس الشورى والثالثة للملك عبد الله، وظننتها أنه يطلب من السعودية أن تتدخل من أجل إخراج ليبيا من محنتها على غرار تدخلها فى مشكلة لوكيربى، وقمت بإرسال رسالة وزير الخارجية بإرفاق من السفارة، وكذا رسالة رئيس مجلس الشورى، إلا أننى فتحت الرسالة الموجهة للملك فوجدت الساعدى يطلب حق اللجوء السياسى ويطلب قبوله منتسبًا فى جامعة الإمام بالمدينة المنورة، ولم أعلم أحدا بالرسائل ولم أبلغ القذافى .. وعندما خرج من ليبيا إلى النيجر أجرى مقابلة فى فضائية "العربية " قال فيها أكثر مما حوت رسائله، وطالب والده التسليم لهؤلاء الإسلاميين وذكرهم بخير، ولم يشفع له ذلك عندهم فقاموا بشرائه من النيجر وأودعوه السجن.
 
< هل كشفت المؤامرة على ليبيا أبعادًا داخلية كانت مفاجأة حزينة ومدهشة لكم من شأنها الإضرار بالوطن؟
الكثير والكثير لكن أقساها على نفسى ما فعله سيف الإسلام القذافى، تقربًا منه للغرب قبل الحرب بسنوات، ولم أعرفه إلا مصادفة وقت قصف الناتو، ففى طريقى من جهة البحر لتأجير منزل فى قرية سيدى عبد الجليل لأنقل إليه أسرتى بعد استهداف منزلى، شاهدت مجموعة عمارات يحيط بها سور وتتردد عليها سيارات فارهة وتحرسها الشرطة، سألت عنها فقيل لى إنها مؤسسة مالطية أجرت هذه الأرض لمدة 99 سنة، دهشت كيف يتم تأجير أرض ليبيا ونحن لسنا فى حاجة لذلك، فقيل لى إن هناك أراضى كثيرة تم تأجيرها لقطر والطليان والفرنسيين، فتذكرت حديث وزير الزراعة أبو بكر المنصورى معى عندما زار الرياض، قال: إن شركة تحاول شراء قطعة أرض على ساحل البحر فى الجبل الأخضر طولها 15 كيلومترا، وأن بنكًا فرنسيًا سيغطى ثمن الشراء، وأوضح لى أن وراء ذلك اثنين من اليهود، وأن سيف الإسلام هو عراب تلك الصفقات.. وحزنت حزنًا شديدًا لهذا العبث غير المسئول فنحن أقمنا الدنيا ولم نقعدها بالمظاهرات والمسيرات ثم بقيام الثورة لأن إدريس السنوسى أجر قواعد لبريطانيا وأمريكا لمدة 20 سنة، فكيف نسمح بتأجير أراض ليبية ولمدة 99 سنة ونبيع أراضى للدول الأجنبية!
 
< مشروع " النهر العظيم " هل كشفت الأحداث أنه وهم عظيم أم أنه عظيم مثل اسمه؟
الحقيقة أن بحيرة المياه التى تغذى النهر اكتشفتها شركة أمريكية فى عام 1961 وتكلمت عنها إذاعة لندن وقالت إن ما بها من مياه يعادل ما يدفع به نهر النيل 200 سنة.. ولما استقر الأمر للقذافى أخذ مجموعة من المهندسين ودرسوا المنطقة وكيفية الإستفادة من مياه البحيرة، وهاجمهم العالم وقتها، الآن كل ليبيا تشرب منه.
وللعلم كان هناك اتفاق بين عبد الناصر والقذافى على شق ترعة من نهر النيل إلى طبرق، ولكن عند مجيء السادات توقف المشروع .. الذى لايعلمه الكثيرون أن نهرًا كان ينبع فى ليبيا من منطقة الكفرة إلى سرت، وقبل 3 آلاف عام قبل الميلاد قام «مينا موحد القطرين» بمحاولة عمل سد ليصب النهر فى مصر، ودارت المعارك نحو 200 سنه بين مصر وليبيا ولهذا فإن معظم قرى مصر تقع شرق النيل وليس الغرب احتماءً من الحروب .
 
< ما الذى تحبه فى العقيد القذافى وما الذى تكرهه؟ وما رأيكم فى الاتهامات التى كانت تنسب إليه لدرجة تكفير البعض له؟
أجمل صفاته من وجهة نظرى، أنه كان رجلًا وطنيًا وقوميًا وكان مغرمًا بقراءة التاريخ ويتمتع بذاكرة قوية، وكانت إفريقيا محور اهتماماته فعمل على إقامة القمر الصناعى الإفريقى وأسس البنك الإفريقى فى مواجهة البنك الدولى المستعمر والمخرب للدول المقترضة منه، بينما البنك الإفريقى لا يأخذ فوائد على القروض، وكان يخطط لتوحيد العملة الإفريقية بحيث يتم التعامل بها وهى " الدينار الذهبى " وهذا التوجه أشعل الغضب الأمريكى ضده لإنقاذ عرش الدولار .. 
لكن القرارات التى كان غير موفق فيها هى وقوفه مع إيران ضد العراق، وقد ندم بعدها على ذلك، أيضًا مساندته لجنوب السودان ضد الرئيس النميرى.. أما حكاية التكفير هذه فسببها يعود إلى فيلم "الرسالة " الذى أخرجه السورى العالمى مصطفى العقاد، ولا أدرى كيف يكون التكفير بهذه البساطة والرجل كان يصلى ويحفظ القرآن ويؤم الناس فى الصلاة في ليبيا ومالى والنيجر وموريتانيا، وشيد العديد من المساجد خارج ليبيا.. وقيل إن أمه عائشة بنت نيران يهودية وهذا يجافى الحقيقة تمامًا .
 
< حملت الكثير من ملفات حركات التحرر فى العديد من البلدان العربية والإفريقية، وغيرها من الملفات، نرجو إلقاء الضوء على هذا الجانب؟
 قضيت 40 سنة من عمرى داعمًا لحركات التحرر، ومن الملفات المهمة التى تكفلت بها "ملف الطوارق" واهتمامى بالصحراء الكبرى كبير وكذا تاريخ القبائل، واكتشفت أن الصحراء الكبرى بها 300 مليون عربى يتكلمون اللغة العربية بطلاقة ويكتبون الشعر الفصيح الذى يذكرك بالشعر الجاهلى .
 
< صدر لكم حتى الآن 120 كتابًا متنوعًا ما بين السياسة والدراسات ودواوين الشعر وكتب الأمثال الشعبية، هل يمكننا حصر تنوعها؟
صدر لى فى الشعر الشعبى 16 ديوانًا، والحقيقة أن الشعر الشعبى أقرب إلى نفوس أهل الصحراء، فهو يحدثهم بلغتهم البسيطة فى الأفراح والأتراح والبطولات، وصدرت لى تسعة دواوين من الشعر الفصيح الرصين، و20 كتابًا عن الأمثال الشعبية، وكذا القصص الشعبى فى ليبيا والصحراء الكبرى، كما صدرت لى موسوعة القبائل فى خمسة أجزاء، وفى السياسة الكثير منها " القذافى ما له وما عليه"،  وكذا عدة مؤلفات عن أعلام الجهاد الليبى، وكتاب "خريطة الطريق لاستقرار ليبيا، ولى العديد من الكتب عن الإبل والخيل، ما جعل القبائل تتعامل معى كخبير بها وتربيتها، وكنت أمتلك فى مزرعتى الكثير منها .
 
< هل تهتم بحضور الندوات واللقاءات الثقافية والصالونات الأدبية؟ 
حياتى السياسية تمنعنى من هذا الترف المحبوب، لذا فأنا جمهور نفسى، أكتفى بإصدار الكتب والدواوين، فحركات التحرر التى عملت بها، كما قلت40 عامًا، تفرض على صاحبها حياة الظل والتوجس والخوف من الاغتيالات، وقد حدث ذلك فى حياتى كثيرًا، لكن ما زالت فى العمر بقية الحمد لله على كل حال، فالإخوان فى كل مكان وهناك واحد ومن ينفذ هم الذيول وليس الرؤوس .. لكن يسعدنى أن أرى ما كتب عن مؤلفاتى فى عمان وموريتانيا وليبيا .
 
< هل من أمنية تود أن تتحقق فى مصر؟
نعم أرجو الاهتمام بمعهد الدراسات الإفريقية، فهناك دول كثيرة ذات أصول عربية فى إفريقيا الوسطى وتشاد والساحل والصحراء كلهم عرب.. وذلك أمن قومى وثقافى لنا جميعًا.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg