رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

الملفات



التنين الصيني.. كيف تحدى الرئيس الصيني «أمريكا» ورسم خريطة جديدة للعالم؟

16-9-2018 | 15:48
أيمن سمير

الساحرقاد حملة «النمور والذباب» للقضاء على الفساد وسجن أكثر من 1000 مسئول كبير 
 
نجح فى زيادة صادرات الصين للخارج لأكثر من 4,5 تريليون دولار 
 
هو «حلم الصين» الحقيقى، يؤمن بأن الخروج من الذات نحو الآخر، وأن الإنسان هو القضية وهو الحل، والحلول السلمية أفضل من الحلول العسكرية، والعمل التشاركى والجماعى أفضل من الأنانية السياسية، عين على الداخل، وعين أخرى على الخارج، التنمية والبناء وليس البندقية والرصاص لغة حديثه مع الآخرين. 
لا يرضخ للتهديدات أو الابتزاز، يؤمن بعظمة شعبه الذى لم ينسحب يوماً من التاريخ، يدرك أن مفردات الجغرافيا التى وضعت أكبر دولة من حيث السكان  فى قلب آسيا، وأحداث التاريخ التى أثمرت حكمه خاصة ببلاده تشكل "منصة" لصناعة تاريخ جديد. 
 
نجح فى وضع بلاده داخل كل بيت فى العالم، فليس هناك منزل على وجه الكرة الأرضية إلا وتجد منتجات شعبه موجودة هناك، ابتسامته العريضة، وحنكنه التى توارثها من أجداده تشكل معالم "لطريق وحزام" يتحدث عنه العالم، قاد معركة شرسة ضد الفساد بعنوان "النمور والذباب" التى سجن فيها أكثر من 1000 مسئول أدينوا بالفساد 
 إنه الرئيس الصينى شى جين بينج - الرئيس السابع لجمهورية الصين الشعبية، ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، والأمين العام للجنة المركزية فى الحزب الشيوعى الصينى وعضو اللجنة الدائمة لمكتبه السياسى، ويرأس اللجنة العسكرية المركزية للحزب، فالرئيس شى  يشكل "وجه الصين الجديد"ويقود بلاده وسط تحديات غير مسبوقة، فعندما وضع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الصين مع روسيا "كمنافسين" لواشنطن، وهو ما يعنى أن إستراتيجية الأمن القومى الأمريكى تعتبر الصين "عدواً " للولايات المتحدة الأمريكية لم يتراجع أو يهادن.
 
شى.. رجل التحديات 
 
منذ اليوم الأول للعداء الترامبى للصين تعامل الرئيس «شى» بحكمة الصين المعهودة، فالتقى فى ملاعب الجولف بميامى الرئيس الأمريكى ليعطل تكتيكياً «الجموح الأمريكى» بعض الوقت، حيث إن ترامب وقبل أن يصل إلى البيت الأبيض كان ينتقد الصين بشكل لاذع وربما غير مقبول، وكانت نتيجة اللقاء الأول بين شى وترامب ترويض القادم من خارج المؤسسات الأمريكية، لكن عندما أراد ترامب أن ينتقل من "الردح على تويتر" إلى الحروب التجارية كان الرئيس شى حازماً وقاطعاً بأنه لا يريد احتكاكات تجارية، لكنه لن يسكت على تصرفات واشنطن فكان رد بكين بزيادة الحواجز الجمركية بنفس النسبة الأمريكية، ووفق الاحصاءات الرسمية الصينية كان حجم التبادل التجارى بين واشنطن وبكين إلى 550 مليار دولار أمريكى، والميزان التجارى لصالح الصين بمبلغ يصل إلى 400 مليار. 
 
نزال فى البحر 
 
ذهب ترامب لينازل الرئيس شى فى بحر الصين الجنوبى الذى تمر من خلاله  ثلث الشحنات البحرية العالمية بقيمة 7 تريليونات دولار، أى 15 ضعف قناة بنما، وثلاثة أضعاف قناة السويس، ويحتوى على 7 مليارات برميل نفط كاحتياطى محتمل، و900 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعى، ما قد يجعل منه خليجًا عربيًّا جديدًا، أرسلت أمريكا الفرقطات العسكرية وحاملات الطائرات لتعسكر فى بحر الصين الجنوبى وترتفع بذلك قيمة التأمين على البضائع حتى تفقد البضائع الصينية تنافسية الأسعار، بالتالى يتراجع النمو وتعانى الصين، لكن الرئيس شى أفشل هذا المخطط بتحسين وتعميق العلاقات الصينية مع الدول الآسيوية فى شرق وجنوب شرق أسيا، ويواصل الرئيس شى   العمل مع دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) على ضمان السلام والاستقرار والرخاء فى منطقة بحر الصين الجنوبي".بل أستطاع الرئيس شى أن يستقطب دولاً كانت لعقود من حلفاء واشنطن، وباكستان خير شاهد على نجاح الرئيس شى فى هذه الحلبة .
 
وعندما فوجئت  واشنطن وهى تشاهد  القطار الصينى يتجه من أقصى غرب الصين فى طريقه لإيطاليا لم تجد واشنطن إلا سيناريو قديماً جديداً، وهو دعم العناصر المتطرفة والظلامية فى غرب الصين، وأصدر أعضاء فى الكونجرس الامريكى سلسلة من الأكاذيب ضد الصين واتهامها بأنها تسجن مليون صينى، وهو ما تنفيه الصين على مدار الساعة.
 الرئيس شى، والزعيم ماوتسى تونج 
 
وعزز الرئيس شى قوته السياسية عندما صوت الحزب على تكريس اسمه وأيديولوجيته السياسية فى دستور الحزب - مما رفع مكانته إلى مستوى مؤسسه الراحل ماو تسى تونج.
المعروف أن الرئيس  شى جين بينج  ولد عام 1953 وعاش طفولة مميزة حيث كان والده أحد أبطال الثورة الشيوعية، وعندما كان فى سن الثالثة عشرة أغلقت المدارس فى أنحاء بكين، حيث بات من المتاح للطلبة انتقاد المدرسين وضربهم حتى قتلهم، فى تلك الفترة عاش فى بكين وحيدا دون أهله أو صديق لحمايته من الحرس الأحمر الذى انتشر فى شوارع بكين فكان عليه مواجهة التهديد بالموت والاعتقال.
 
وفى حديث صحفى قال: "كنت فى الرابعة عشرة من عمرى عندما سألنى الحرس الأحمر: هل تعرف مدى خطورة جرائمك؟ فأجبت: يمكنكم تقدير ذلك.. هل تكفى لإعدامى؟ فردوا: يمكننا إعدامك مئات المرات. فأجبت: لا يوجد فرق بين مئات المرات ومرة واحدة".
 
وعندما بلغ الخامسة عشر عاما كان أحد الذين تم إرسالهم إلى الريف للعمل فى الزراعة بهدف "إعادة التثقيف"، وعمل فى إحدى القرى النائية الفقيرة لمدة سبع سنوات حيث عاش فى كهف، وهذه التجربة تشكل أحد أهم فصول سيرته الشخصية فى المراجع الحكومية، فقد عمل فى ظل ظروف قاسية بلا كهرباء ولا مواصلات ولا أدوات ميكانيكية، وعندما كان يعود لكهفه للنوم كان يقرأ على ضوء مصباح الكيروسين.
 
ويقول: "عندما انتهت هذه التجربة وأنا فى الثانية والعشرين من عمرى كانت أهدافى فى الحياة قد باتت واضحة، وصرت مليئا بالثقة"، وبدلا من أن ينقلب إلى مناهض للحزب الشيوعى بسبب تجربته فى الريف تبنى أفكار الحزب وحاول مرارا الانضمام إليه، وارتقى سريعا فى صفوف الحزب فور أن تمكن عام 1974 من الانتساب إليه حيث وصل إلى منصب مسئول الحزب الأول فى مدينة شنغهاى، ثانى أكبر مدن الصين ومركزها التجارى، بعد ذلك تم انتخابه عضوا فى اللجنة الدائمة للمكتب السياسى للحزب إلى أن وصل لمنصب الرئاسة عام 2012.
 
شى جين بينج: حلم الصين 
 
طرح الزعيم الصينى رؤيته عن مستقبل الصين، التى أطلق عليها اسم "حلم الصين"فى إطار مشروع بعنوان "إعادة بعث الأمة الصينية" ونجح فى إجراء إصلاح اقتصادى أسهم فى الحدّ من تراجع النمو الاقتصادى وتحجيم ملكية الدولة للصناعة ومكافحة الفساد، وتنفيذ مشروع النقل البرى العملاق "طريق الحرير"، وترافق ذلك مع نمو المشاعر القومية، وشملت حملة محاربة الفساد التى قادها فى الداخل التى أطلق عليها اسم "النمور والذباب" أكثر من مليون شخص من كبار وصغار مسئولى الحزب.
 
وللوهلة الأولى، قد يبدو للقارئ أن "فكر شى جين بينج" لا يتعدى كونه خطابا بلاغيا، لكن المدقق يتأكد أنها المبادئ الشيوعية التى آمن بها الرئيس شى طيلة فترة حكمه، وتؤكد المبادئ الـ 14 "لفكر شى جين بينج" على الدور الذى ينبغى أن يضطلع به الحزب الشيوعى الصينى مثل الدعوة للقيام "بإصلاحات جذرية وشاملة"، و"تطوير أفكار جديدة"، ووعد الرئيس شى بتحقيق "تعايش منسجم بين الإنسان والطبيعة"، وهى دعوة لتحسين عملية الحفاظ على البيئة وقد تشير إلى هدف الحكومة الصينية فى جعل الطاقة المتجددة هى مصدر الطاقة الرئيسى فى البلاد، والتركيز على أهمية مبدأ "دولة واحدة ونظامين"، وعلى أهمية إعادة توحيد الأقاليم مع الوطن الأم فى إشارة واضحة الى هونغ كونغ وتايوان
وقد ولد شى جى بينج فى 15 يونيو 1953، وينتمى إلى قومية هان من فوبينج بمقاطعة شنشى فى شمال غربى الصين. وتخرج فى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تسينج، هوا وتخصص فى النظرية الماركسية والتعليم السياسى والأيديولوجى، وهو حاصل على درجة الدكتوراه فى القانون بين عامى 1998 و2002، وهو أول زعيم يولد بعد تأسيس النظام من قبل ماو تسى تونج عام 1949، وهو نجل بطل ثورى. 
 
باتشاى شهر الصوم فى الصين
 
ومنذ وصول الرئيس شى للحكم عام 2013، وهو يهتم بالمسلمين الصينين من منطلق أنه لا فرق بين الصينى من أصل الويجور أو الصينى من عرقيات أخرى مثل الهان، ولذلك شهر رمضان يمثل علامة فارقة فى حياة الشعوب الإسلامية فى الصين، ويسمى شهر رمضان فى الصين (باتشاى)، ويبلغ عدد المسلمين نحو 23 مليون مسلم، يتركزون فى شمال غربى الصين.
 
كما أن المساجد التى تحيط بها المطاعم الإسلامية، تنشط فى رمضان وتقدم الوجبات الشرقية والشامية والحلويات الرمضانية المشهورة فى الدول العربية والإسلامية، بجانب أكلات وحلويات المطبخ الصينى الذى يخلو من الكولسترول، لأنهم لا يستعملون الدهون فى الأكل، وتتميز ليالى رمضان بالصلاة فى المساجد وخصوصاً صلاة التراويح.
وحسب الإحصائيات الرسمية، فإن عدد المسلمين فى الصين يصل إلى عشرين مليون مسلم مقارنة بالتعداد السكانى الهائل المكون لدولة الصين (ربع سكان العالم، مليار وثلاثمائة مليون نسمة) لذا فإن قدوم شهر رمضان، لا يجلب ولا يزيد شيئاً من الخصوصية لنمط حياة المسلمين الصينيين، عدا الأماكن ذات الكثافة العالية التى يتجمع فيها المسلمون، لذا فإن رمضان فى المجتمع الإسلامى الصينى يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول: ـ يشمل المناطق ذات التجمع الانفرادى للمسلمين أو يشكلون أغلبية سكانية، وهذا يشمل منطقة نينغشيا ذاتية الحكم ذات الأغلبية السكانية من قوميه الهوى (إحدى الـ 56 قومية التى تتكون منها الصين، وهى أكبر القوميات المسلمة العشر فى الصين) إضافة إلى منطقة شينجيانغ ذات الأغلبية من قومية الويجور المسلمة ذات الحكم الذاتى المستقل أيضًا، وكذلك بعض التجمعات الريفية ذات الأغلبية المسلمة.
 
4 مليارات نسمة و 21 تريليون دولار فى طريق الحرير 
 
أكدت التقارير الاقتصادية الدولية ان التكتلات الاقتصادية الدولية سوف تتحكم فى مصير العالم الاقتصادى وستكون أساس التعاون القوى بين جميع الدول، ولذا جاءت مبادرة الصين لاحياء طريق الحرير مع دول العالم وخاصة الدول العربية لتؤكد ذلك، حيث تشير مبادرة الحزام والطريق التى أطلقها الرئيس الصينى شى جين بينج الى الحزام الاقتصادى لطريق الحرير وطريق الحرير البحرى فى القرن الحادى والعشرين من اجل تحسين التعاون مع دول آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
 
وتغطى الإستراتيجية دولا ومناطق يصل تعدادها السكانى إلى 4.4 مليار نسمة، وإجمالى حجم اقتصادها 21 تريليون دولار بنسبة 63 و29% من الإجمالى العالمى على التوالى. حيث تخطط الصين لإقامة مشروعات ضخمة لتحسين الترابط على طول تلك الطرق. وتجرى الصين حاليا مفاوضات حول إقامة سكك حديدية فائقة السرعة مع 28 دولة تقع أغلبها على طرق المبادرتين ويصل اجمالى طول هذه السكك المقرر إقامتها إلى 5 آلاف كيلو متر.
 
 ووضع الرئيس الصينى شى جين بينج مفهوم "حزام واحد وطريق واحد" للحزام الاقتصادى لطريق الحرير وطريق الحرير البحرى فى القرن الحادى والعشرين خلال زيارته لوسط آسيا وجنوب شرق آسيا على التوالى فى 2013، مما يفتح بابا واسعا لإحياء طريق الحرير ودفع التعاون والتبادل بين الصين والدول على طول طريق الحرير القديم الذى يمتد من آسيا إلى أوروبا.
 
حيث يمتاز هذا المفهوم بعيد المدى بأهمية بارزة لتعزيز الثقة والتعاون المتبادل بين الدول وتحقيق السلام الدائم والازدهار المشترك فى المنطقة والعالم، فلا يعكس التوافق بين الدول الآسيوية فحسب، بل يعبر عن حكمة آسيا، لأنه يتوافق مع التنوع والاختلاف فى القارة، ويعبر عن الرغبة المشتركة لكل الشعوب الآسيوية منها الشعوب العربية لتحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة.
 
الرئيس شى والبريكس 
 
يمثل تجمع البريكس 17% من التجارة الدولية و40% من سكان العالم لذلك وضع الرئيس شى البريكس وتنمية العلاقات بين دولها أولوية كبرى للتغلب على الاحتكاكات التجارية الأمريكية، كما يمثل  تجمع دول "البريكس" نحو 40% من إجمالى تعداد السكان فى العالم، وقرابة خمس الناتج المحلى الإجمالى بالعالم، وما يقدر بـ4.4 تريليون دولار أمريكى من قيمة الاحتياطى الاجنبي، ويسعى قادة التجمع لإقامة شراكة متكاملة بينهم لمواجهة الإرهاب والتغييرات المناخية والكوارث الطبيعية ودعم التعاون الاقتصادى بينهم. 
وحث الرئيس على تعزيز تمثيل اقتصادات الأسواق الصاعدة والدول النامية فى عملية إصلاح الحوكمة العالمية، ومن ثم المساعدة فى بناء نمط جديد من العلاقات الدولية للتعاون والنفع المتبادل وكذا حماية العدالة.
 
ودائما ما يحث الزعيم الصينى الدول الخمس على تعزيز التنسيق والتواصل فى القضايا الدولية والقضايا الإقليمية الساخنة فى محاولة لمواجهة مشتركة للتحديات العالمية مثل الكوارث الطبيعية والتغير المناخى والأمراض المعدية والإرهاب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg