رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 21 سبتمبر 2018

مقالات



ماذا بعد فشل مشاورات جنيف اليمنية؟

13-9-2018 | 18:49
د. حسن أبوطالب

التقيت أخيرا اثنين من قيادات المؤتمر الشعبى، وصلا إلى القاهرة للعيش فيها بعد أن استطاعا الإفلات من سطوة الجماعة الحوثية على صنعاء. الاثنان من المقربين والموالين بقوة للرئيس الراحل على عبد الله صالح، الذى قتله الحوثيون فى ديسمبر الماضى. دار حوار بيننا عن أشياء كثيرة، ربما يأتى وقت آخر للحديث عنها. لكن ما لفت نظرى هو شرحهما بعض أسباب خضوع المؤتمر الشعبى لسطوة الحوثيين، ومنها أن جزءا كبيرا من أعضاء المؤتمر لم يكونوا يؤمنون أصلا بالجمهورية كنظام حكم، ولديهم ميول هاشمية، ويرون أنه لا بد من العودة إلى الأصول التاريخية لحكم اليمن، أى حكم البلاد بالإمامة، ومن هنا حدث تقارب وتكامل مع الحوثيين الذين يدعون إلى الأمر ذاته وإن بصيغة مختلفة جزئيا. هؤلاء كانوا بمثابة طابور خامس يمدون جماعة الحوثى وقيادتها بتحركات الرئيس الراحل وأفكاره أولا بأول، وما كان من الحوثيين إلا أن يتحركوا بسرعة لمحاصرة الرئيس الراحل ومن ظلوا على ولاء خاص له.

ربما يعطينا هذا التفسير بعض الإجابة عن أمرين، أولهما تشكيل الوفد الحوثى الذى كان مقررا أن يذهب إلى جنيف من أجل المشاركة فى المشاورات التى دعا إليها المبعوث الدولى مارتن جريفيث، الذى ضم عددا كبيرا من أعضاء المؤتمر الذين ما زالوا فى صنعاء ويعتبرون أنفسهم القيادة الشرعية له، وما زالوا ملتزمين بالتحالف مع الجماعة الحوثية. أما الأمر الثانى فيتعلق بالأسباب الحقيقية التى دفعت الحوثيين إلى المناورة المكشوفة لعدم الذهاب إلى جنيف تحت مبررات واهية، ولم تكن واردة أصلا فى الاتفاق الذى تم مع المبعوث الدولى جريفيث بشأن تنظيم عملية الوصول والعودة إلى صنعاء مرة أخرى. 
 
فى الأمر الأول علينا أن نتذكر أن الحوثيين بعد أن قتلوا غدرا الرئيس الراحل، كانت لديهم قوائم بمن هم موالون للرئيس صالح، ومن هم موالون أصليون لهم. هذا الفرز ساعدهم من خلال قوائم تفصيلية عن أماكن إقامة المشكوك فى ولائهم للحوثيين، وأماكن عملهم على سرعة جمع هؤلاء واعتقالهم فى أماكن غير معروفة، وهناك ـ  حسب ما أكد لى بعض أعضاء المؤتمر الذين استطاعوا الإفلات من عمليات الاعتقال ـ  أكثر من 2500 عضو مؤتمرى لا يعلم أحد عنهم شيئا، وبعض القيادات التى أراد الحوثيون إبقاءهم فى الواجهة تم اعتقال أقاربهم وأبنائهم كنوع من ضمان عدم انقلاب هؤلاء عليهم أو هروبهم إلى المناطق المحررة بواسطة الجيش اليمنى الشرعى. هذه الخلفية تساعدنا على فهم تشكيلة الوفد الحوثى، الذى ضم العديد من أعضاء المؤتمر مثل جلال الرويشان وخالد سعيد الدينى ويحيى على نورى وغيرهم. وكانت الرسالة مزدوجة، أن التحالف مع من بقى من أعضاء المؤتمر إما بالضغط أو بالاقتناع، ما زال قائما، وبالتالى فإن أى حديث عن عزلة الحوثيين السياسية يُعد باطلا من وجهة نظرهم. الشىء المهم هنا أن طبيعة الدعوة إلى المشاورات التى دعا إليها المبعوث الدولى كانت تتعلق بحضور ممثلين عن القوى السياسية والأحزاب اليمنية بوجه عام، وهو ما دفع الوفديْن ـ  الحكومى والحوثى ـ  أن يضما عناصر من مناطق مختلفة، تعبيرا عن شمولية التمثيل. ومع ذلك تأكد أن تمثيل الوفد الحوثى ليس شاملا ولا يعبر عن جموع اليمنيين.
 
ما يتعلق بالأمر الثانى، أى الأسباب الحقيقية التى دفعت الوفد الحوثى إلى عدم الذهاب إلى جنيف، ليس فقط التعنت ومحاولة استغلال الفرصة للسفر للخارج لتسفير أو تهريب بعض من سموا بالجرحى، غالبا من جنسيات غير يمنية، وإنما لأن هذه المشاورات كانت تتطلب حسب الإعداد لها أن يقدم فيها كل وفد تصورا مفصلا ومكتوبا حول رؤيته بالنسبة لبناء الثقة مع الطرف الآخر بشأن عدة  قضايا مهمة؛ كتبادل الأسرى والمعتقلين، والممرات الإنسانية والحصول على المساعدات، وإعادة فتح مطار صنعاء، والرواتب وكيفية صرفها ودور البنك المركزى وتأمين دوره بعيدا عن الضغوط السياسية. كانت فكرة المبعوث الدولى أن الاتفاق على بعض أو كل هذه القضايا ذات الطابع الإنسانى من شأنها أن يفتح ثغرة فى جدار الشكوك المبتادلة بين الطرفين، ومن ثم تساعد لاحقا على إعداد مفاوضات سياسية جادة لاحقا. 
 
كانت مشاورات جنيف بالنسبة «لجريفيث» بمثابة رهان على كسر الجمود المستمر منذ عامين، وعلى بدء عملية مرنة من الطرفين. ولكن ما فعله الوفد الحوثى ضرب فى الصميم هذا الرهان. لقد بدا الحوثيون كأنهم يبتزون المبعوث الدولى والأمم المتحدة من أجل تحقيق بعض المكاسب التى لا علاقة لها بالمشاورات نفسها، من قبيل تسفير أو تهريب بعض القيادات أو رعايا دول أخرى بزعم أنهم مصابون ويحتاجون للعلاج بالخارج، والحصول على ما وصفوه بضمانات أممية بالعودة إلى صنعاء بعد انتهاء المشاورات، لكن عن طريق دولة أخرى. لم يكن يكفيهم أن الطائرة التى ستقل الوفد الحوثى تابعة أساسا للأمم المتحدة، ما يعنى أن عودتها إلى صنعاء هو أمر مضمون أمميا.
 
النتيجة المباشرة لهذه التجربة الفاشلة، أن فكرة الثقة فى التزام الحوثيين بما يمكن الاتفاق عليه سواء لبناء الثقة أو لمفاوضات جادة لاحقة، باتت محروقة جملة وتفصيلا. هنا مشكلة كبيرة بالنسبة للمبعوث الدولى، الذى يدرك أن الحوثيين تلاعبوا به، وأهانوا دوره ومهمته، ولكنه ـ  لاعتبارات التفويض الدولى له ـ  سيظل حريصا على التواصل معهم رغما عن شعوره بالاستياء. لقد فشلت التجربة الأولى وهى الأصغر، فكيف سيكون الأمر لوضع خريطة عملية لتطبيق القرارات الدولية بما فيها من التزامات كبرى سياسيا وعسكريا. كل خطوة فشل ترجح الحل العسكرى بكل مآسيه وتضحياته الإنسانية الهائلة.   

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg