رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



حطم الكنائس وأحرق جميع الكتب

13-9-2018 | 18:48
إيمان طاهر

فى أثناء الإصلاحات نهاية حكم «تشنج كانج يوواى» 1858-1927م وبدعم من الإمبراطور فى الصين التى كانت فى صراع مع الوقت للوصول إلى التنمية، وحماية حضارتها من السقوط فى ظل التحديات من حولها، أدركت أنه لن يتحقق لها ذلك إلا بنشر العلم والتخلص من خرافات الماضى أو أى سيطرة دينية على مجتمعاتها.

وكانت البوذية والطاوية هى تلك الجذور الدينية الكهنوتية السائدة هناك ومسيطرة بشكل كبير، تحيطها هالة من القداسة الوهمية. فى نهاية القرن التاسع عشر كانت هناك بقايا لما يسمى “الملاكمين” فقد ترابط الكهنة وشكلوا جمعيات سرية تهدد الدولة وتحاول السيطرة عليها بالعنف، وجمعوا بين الأساليب القتالية والسحر حتى يعتقد العامة بأنهم كالآلهة لا يهزمون، وقاموا “بثورة الملاكمين” وفشلت بفضل المثقفين الصينيين والوعى المستقبلى الذى قدموه لأبناء بلادهم، ومحوا قاعدة نفسية مهمة “الجماهير الأمية عادةً ما تقاد إلى العنف” وقادوها إلى المذهب العلمى والعقلانية والحداثة مقابل الخرافة، وتحولت الدولة بشكل مؤسسى من نظام إمبراطورى إلى جمهورية حديثة وبفضل مفهوم العقل يعيش فيها فى سلام خمس ديانات عالمية مقبولة لديهم “الإسلام، المسيحية بكل طوائفها، البوذية، الطاوية واستطاعوا تحقيق التنوع الدينى المجتمعى الذى يحمل فى هويته ديانات مختلفة لكل منها طقوسه وممارساته بشكل بعيد عن “الثيوقراطية” أى حكم رجال الدين،  فمن أهم مؤشرات درجات الاحترام فى أى دولة هى منح الاحترام وتطبيق القوانين على كل الديانات الأغلبية أو الأقلية داخل كيان الدولة الواحدة .
 
نواجه منذ فترة طويلة فى مصر تحدياً لهويتنا وثقافتنا وحضارتنا القديمة فى التعددية. كل الأحداث وحالات النشاط الدينى العنيف فى الأيام الأخيرة، والتى ظهرت بشكل لا إنسانى بالمرة فى محافظة المنيا “دمشاو” تدل على تغلغل تلك الجماعات التى تعتنق أيدلوجية دينية متطرفة معادية للدولة والإنسانية على حد سواء  هذا الفكر العنصرى الذى ساعدت على فرضه سياسات وأحزاب تطلق على أنفسها شرعية، وخلطت فيه الدين بالسياسة إذا لم نستطع مواجهته بالعقل وطرح الأفكار وإعادة القارئ إلى صفحات الكتب الثقافية المعتدلة والتعليم الحقيقى، وتحقيق توازن فكرى وسلوكى للتوجه الأخلاقى المجتمعى العام، ليكون معياراً يتحدد على أساسه شكل المجتمع بأخلاقياته القادمة من خلال ممارسة كل فرد منا لتعاليم دينه بمنتهى التحضر والإنسانية، إذن فنحن لا نستحق شرف أن نكون بشراً !
 
نحن فى أمس الحاجة إلى أساسيات عامة للسلوك القويم والالتزامات الأخلاقية فى إطار قانونى لتحقيق بُعد لنظام مجتمعى يقوم على عدالة المواطنة، للوصول إلى سلام نسبى تفرض فيه المساواة لتمنح المجتمع ذلك السلام الذى بدوره يعود على الدولة بالتقدم. لا استثناء لأحد ولا تمييز لأحد، نريد على الأقل تطبيق نموذج كنا نحياه بالفعل وكان من أهم دعائم هذا المجتمع المصرى ألا وهو الأنساق المستقرة للعلاقة ما بين المجتمع والدولة، وتلك المساحات للتسامح المتبادل بين الأديان.
 
كيف نعيد ونحقق تلك الفضيلة التى كانت وغابت؟ لا بد أن نتجاوز ذلك الوهم النفسى الذى لازمنا طويلاً “الهروب” من مواجهة هذا العصر الاقتصادى الذى سيطرت أمواله على عقوله ونلحق بأهم عنصر إيجابى “للكوزمويوليتاني” وهو ـ تعدد الثقافات ـ فى إطار الاحترام المتبادل بين البشر دون النظر إلى أديانهم وألوانهم وجنسياتهم إلى مجتمع يرتبط بالدين كالتزام شخصى فقط، لا بد أن نعبر ذلك العالم الضيق الذى أصبح واقعاً الآن تحت طائلة الأوهام والخرافات والسحر. ما هذا التدهور هل نرتقى، أم نعود للوراء، أم تتغير هويتنا؟ فمصر قديماً لم تكن أبداً مسرحاً للجهل أو التخلف، إذن هذا تغيير للهوية ليحل التخلف والجهل والعنصرية مكان ما سبق من حضارة .
 
عندما تحاول أن تحاور تلك الطبقة المتعصبة تواجه بلفظ أنت علماني؟ وكأنه يعنى بالنسبة لهم «كافر»! كم هو فكر صادم أن يقترن مفهوم التدين بالعلمانية، وكأن العقل أصبح معادياً للأديان! فكيف ستواصل نقاشك بشكل واقعى ومنطقى مثقف وهادئ تحليلى مع تمثال من حجر!
 
هذا الخلل الفكرى الذى بات منعكساً على مجتمعاتنا الآن بكل تداعياته وإسقاطاته .. وحالة القهر الدينى والأخلاقى التى برزت فى الآونة الأخيرة. تلك الجماعات الهدامة تقدم بتلك الفعال الشاذة الكريهة لشعورهم بالدونية والقهر الشخصى، محاطين بالإهانة وعدم تقدير الذات أو الآخرين يشعرون بالإهانة من الأديان والثقافات الأخرى والعقول المفكرة!
 
وعلى الرغم من محاصرة الضغوطات الاقتصادية والسياسية لمجتمعنا فإنه كتب علينا أيضاً أن نحاط بمجموعات تحاول فرض سيطرتها وهيمنتها بشكل عدوانى لتدفعنا إلى حالة التغريب فى أوطاننا ... ليس الدين السبب الرئيسى فى كل ذلك العنف .. بل هى الأفكار التى تعمقت والتحمت بنسيج فئة كبيرة للأسف بيننا الآن حتى صارت نظرتهم الخاصة والمتخيلة للعالم تكمن فى تطبيق مفهومهم المغلوط عما يرونه هم فقط حق .
 
نحتاج إلى إجابات عن عدة تساؤلات لإعادة تأهيل هذا المجتمع الذى بنى فى أساسه على حضارة التعددية الفكرية والدينية والثقافية بل الفنية أيضاً، هل سببت تلك الأزمات المتكررة عوامل خارجية؟ أم هناك ضغوطات مكثفة من جهات أصولية فرضت نفسها بالقوة؟ أم أن تلك الممارسات المعيبة هى آثار عوار فكرى ساد طويلاً دون محاسبة أو مواجهة صارمة؟
ونحن نعانى الآن فوضى وصراعاً ما بين التعصب الأعمى العنيف والصحوة الدينية العقلانية والإلحاد، وفى ظل ما سبق من صراع مجتمعى وغوغائية أخلاقية وضياع للمثل، بات من الضرورى أن نعيد النظر فى تصنيفاتنا لفصل الدين عن السياسة، وإقرار دساتير تحدد فيها بشكل واضح لا لبس فيه مفاهيم إنسانية للتعايش فيما بيننا.
 أخى فى الإنسانية، أرجوك لا تحطم كنائس ولا مساجد ولا تحرق الكتب، فأنت بذلك تكون قد حطمت وأحرقت أى وجود إنسانى كان لايزال باقيا .

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg