رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 14 ديسمبر 2018

مقالات



ناصر يا حبيب الملايين..‬ ذكريات محفورة في الوجدان

30-9-2018 | 14:52
إلهامي المليجي

كنت قد بدأت في مغادرة الطفولة واقف على باب مرحلة الفتوة عندما لفت انتباهنا اقتصار البث الاذاعي والتلفزيوني لساعات على تلاوة القرآن ما خلق حالة من القلق عند الكبار انتقلت إلينا وبعد لحظات صمت مرت ببطء شديد ، خرج علينا عبر التلفزيون والإذاعة صوت يقول ‬ ..“فقدت الجمهوريه العربيه المتحده وفقدت الأمة العربية وفقدت الإنسانية كلها، رجلا من أغني الرجال، رجلا من أغلي الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبد الناصر الذي جاد بأنفاسه الأخيرة في الساعه السادسة والربع من مساء اليوم 27 رجب عام 1390 الموافق 28 سبتمبرر 1970.

ليس هناك كلمات تكفي لعزاء جمال عبد الناصر “ وأصاب جميع الملتفين حول المذياع وأنا بينهم حالة من الحزن المكتوم انفجر الى بكاء بالتتابع ، وخرجت راكضا الى الشارع في مدينة المنصورة - حيث كنت أقيم - ودونما ترتيب أو وعي وجدتني في وسط حشود تتسع مع حركتها الى ان وجدتني داخل بحر من البشر لا ارى شطآنه ، وعادت بي الذاكرة الى واقعة جرت في طفولتي المبكرة عندما اخذني والدي بعد الحاح مني وانضممنا لو لنقل حشرنا ضمن المحتشدين لرؤية الرئيس جمال عبد الناصر اثناء زيارته الى مدينة المنصورة .

وعندما اطل بعيونه المدهشة واقفا بجسده المهيب في سيارته المكشوفة ، وجدتني افلت يداي او افلتتها الحشود لا أذكر ، لكن ما اذكره جيدا حتى الان ، اني وجدت نفسي مكررا المحاولة تلو المحاولة لملامسة أطراف اصابعه التي كانت ممتدة للجمهور الملاصق لسيارته وما ان تلاقت عينانا حتى اصابني خدر ربما جعلني مع المجذوبين (بالمعنى الصوفي ) اتحرك في وسط كتلة بشرية تحتضن السيارة الى ان دخلنا استاد المنصورة ، ولم أخرج من حالة الانجذاب تلك إلا بعد أن أنتهى من كلمته وخرج ، واعقبه خروج الكتل البشرية في تدفقات ، لأجد نفسي خارج الاستاد منزويا لا أعرف كيف الوصول إلى والدي أو كيف الوصول إلى بيت عمي في المنصورة الذي لا أذكر عنوانه جيدا ، وانتابتني حالة بكاء عندما أصبحت الشوارع شبه خاليه والتف حولي نفر قليل محاولين التعرف على مكان والدي دون جدوى ، ومازلت حتى اللحظة لا أذكر كيف وصلت إلى والدي في شقة عمي في الساعات الأولى من الصباح .

افقت من تلك الذكريات متجها صوب شارع الجلاء حيث أقطن مع أخي ،لأدخل في نوبة بكاء استغربها اخي الاكبر كثيرا وظل يردد كلما جاءت الذكرى امام الاخرين لم ارى الهامي يبكى بحرقة ولفترة امتدت لساعات مثلما جرى في هذا اليوم ، ولا أدرى لذلك سببا مقنعا ، وللامانة انا ايضا لم أقف على تفسيرا لتلك الحالة التي انتابت الالاف ان لم يكن الملايين من جيل لم يكون وعيه قد اكتمل ولا يدرك بشكل واضح جلل الفقد لزعيم مثل عبد الناصر ، لكنها ربما حالة الحب والارتباط الوجداني التي كان عليها الملايين من المصريين ، دونما وعي كامل باسبابها ، ولا اظن ان للاعلام الدور الاكبر في ذلك لاننا نحن ابناء الريف كان التلفزيون بالنسبة لنا فيلم ليلة الخميس ومسلسلات رمضان ، اما اوقات السمر بالنسبة لنا فكانت الحواديت التي نتبادلها ، فضلا عن حكايات شاعر الربابة الذي يأتي للقرية في أوقات متباعدة .

في اعتقادي ان الرجل احب شعبه واخلص في محاولاته لاسعاده ربما اخفق في ذلك ، لكن مشاعره تجاه شعبه وصلت الى جموع الناس فبادلته حبا بحب ، وسيبقى ناصر خالدا في ذاكرة الاجيال تستحضر مآثره وهي كثيرة ، وتتوق لسماع كلماته التي تعبر عن كبرياء الامة ما يجعلنا نتفاعل معها ونتأثر بها حتى يومنا هذا .

السلام لروح جمال عبد الناصر ، والخلود لذكراه بقدر ما احب شعبه وعمل على إسعاده واخلص في حلمه لأمته.

واحـتـارت الأرضُ مـاتـأتيك مــن لَـقَبٍ مــاذا نُـسـميك فَــرْداً؟ أُمـةً ؟ بَـلدا؟"

فـــرُبَّ مَــيـتٍ غـــدا جــيـلاً بـاكـمله وربَّ حــيٍ بـمـا قــد عــاشَ مُـفتَقدا

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg