مقالات



خلوا بالكم من الست أوروبا

3-10-2018 | 00:29
مهدى مصطفى

«خلوا بالكم من الست أوروبا»، تخشى من التفكك، فتقوم بتصدير الأزمة إلى بقية خلق الله، وتصطنع معركة تتوحد خلفها الرايات، تنام وتصحو على عودة الفردوس المفقود، فردوس المستعمرات البعيدة.

والقصة تبدأ من بروكسل فى اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو، تبدأ من السيدة بايلى هاتشيسون، وتذكروا هذا الاسم جيدا، فالسيدة هى مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية فى حلف الناتو، وقد خرجت إلى وسائل الإعلام العالمية بتصريح ناري، قالت  فيه: سندمر الصواريخ الروسية المجنحة، فروسيا خرقت معاهدة حظر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وحلف الناتو لن يسكت.
 
فى العادة تأتى تصريحات الدبلوماسيين مغلفة، منمقة، مواربة، بينما السيدة بايلى اختارت لغة خشنة، واضحة فى الهجوم على روسيا، كأنها تهيئ الرأى العام الأمريكى باحتمال اندلاع حرب كونية جديدة، أو تردع دولا أخرى.
 
كان ينس ستولتنبرج، الأمين العام لحلف الناتو، استبق السيدة بايلى، بأن أمريكا قدمت معلومات استخباراتية لأعضاء الحلف عن خرق روسى فى صناعة الصواريخ، خارج معاهدة الحد من الأسلحة.
 
تهديد أمريكا لروسيا على لسان السيدة الحديدية، يتزامن مع احتكاك بين سفينة عسكرية أمريكية، وأخرى صينية فى بحر الصين الجنوبى، وفى قلب حرب تجارية بين واشنطن وبكين، وبالقرب من غروب أمريكى من الشرق الأوسط، ظهر فى إعلان واشنطن عن تفكيك بطاريات صواريخ باتريوت الموجودة فى الخليج والأردن، وعدم تحمس واشنطن للانخراط فى معركة إدلب السورية المؤجلة.
 
الأمين العام لحلف الناتو اعترف أيضا بأن أعضاء الحلف (28 دولة)، اتفقوا، جميعا، على اتهام روسيا بانتهاك اتفاقية حظر الأسلحة، وأن الحلف سيزيد من معدلات الإنفاق العسكري، على أن يتقاسم جميع الأعضاء تكاليف الأعباء التمويلية، تماما كما أراد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
 
تقريبا أعضاء حلف الناتو، هم أعضاء الاتحاد الأوروبى (28 دولة) أيضا، مع اختلافات فارق الجغرافيا والتوقيت، وهذا الأخير فى سبيله إلى الذوبان كالاتحاد السوفيتى السابق، وبعد خروج بريطانيا، لم يبق منه، عمليا، إلا اتحاد أسلحة الناتو.
 
واتحاد الحرب الباردة هذا يخشى التفكك الآن، وانهيار إمبراطورية العالم الحر، وطبعا، إشعال معركة كبرى يحمى من التفكك، وقد فعلها فى الماضى حين وقع اتفاقية ميونخ عام 1938 بين ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وكانت سببا مباشرا فى اندلاع الحرب الأوروبية الثانية،  وقد أطلقوا عليها من باب التدليل “الحرب العالمية الثانية”.
 
فالغرب يعتبر نفسه (زعيما أوحد للعالم)، ولا يصدق أن كثيرا من الشعوب غير الغربية تريد، وترغب، فى عالم متعدد الأقطاب، والدليل هو مجموعة البريكس (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا)، ومبادرة الحزام والطريق (حزام واحد - طريق واحد)، وهى مبادرة، أطلقها الرئيس الصينى شى جين بينج عام 2013، بهدف إنشاء طرق، وممرات اقتصادية، تربط بين أكثر 60 دولة، ثم مجموعة الآسيان، وكل هذا يتزامن مع استعادة الدول لهوياتها القومية والوطنية، فى مناهضة واضحة لفكرة العولمة، وتفكيك الدول، وتحويلها إلى شركات عابرة للقارات.
 
شاء الاتحاد الأوروبى أم أبى، دارت العجلة، فمصير الاتحاد السوفيتى ينتظر على الشاطئ الآخر، والشعوب تحتمى الآن بهويات وطنية اجتماعية، ولا تتمنى أن تكون رقما، أو شركة، تحت رعاية حكومة غربية عالمية، تعتقد، وتؤمن، بأنها ورثت وراثة مطلقة شعوب الكرة الأرضية، وهو اعتقاد عنصرى، يتعالى على رغبات، وإرادات، وطموحات، بقية خلق الله.
 
الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يغادر إلى شرق آسيا، استعدادا للصين وروسيا، مع اعتقادى شخصيا أن أوروبا هى صاحبة هذه الفكرة (النيرة)، حتى لا تنفرط، وتتخلى، عن كرسى أستاذية العالم، واعتقادى أيضا، أن واشنطن  - ترامب تمضى وراءها بحكم التاريخ والشراكة، تمضى وهى غير مؤمنة تماما، بالفيلم الأوروبى الجديد، حتى لو هددت السيدة بايلى بتدمير  الصواريخ الروسية المجنحة مائة مرةّ، «فخلوا بالكم من الست أوروبا».

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg