رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 18 اكتوبر 2018

المجلة



قصة قصيرة.. العجوز والكلب

5-10-2018 | 22:55
صلاح المعداوى

دعنى أقدم لك بطلى هذه الحكاية .. العجوز فى الثمانين من عمره ومن الطبيعى فى مثل هذه المرحلة العمرية، أن يكون مصابا بالعديد من الأمراض المزمنة والمحزنة، وأسخفها كان خشونة حادة فى ركبته تعجزه عن السير إلا مستندا على عصاه بيده وبخطوات شديدة البطء، وكأنه يزحف وألم عظيم فى ساقية يمتد من الركبتين إلى القدمين، لدرجة أعجزته عن لبس حذاء... 
 
يمكن فى حالته هذه أن يسمى قعيدا، فى حاجة دائمة إلى من يستند عليه إلى جانب العصا، وألا يفقد توازنه ويسقط أرضا، وهو حريص ألا يحدث له مثل هذا فى مثل هذا العمر، وتتفاقم مشاكله الصحية التى تجعله يتناول نحو عشرة أنواع من الأدوية فى اليوم، دعك من هذا فهو شخص شديد الحساسية يؤلمه جدا عجزه عن خدمة نفسه أحيانا، تلك الأعمال البسيطة مثل عمل فنجان قهوة لنفسه أو كوب شاى أو إحضار زجاجة مياه، إلى آخر مثل هذه الأمور البسيطة، باختصار أصبح الرجل فى حاجة ماسة إلى من يقدم له أبسط الخدمات، وهو الذى كان دعاؤه الدائم (اللهم لا تجعلنى عبئا على أحد) ها هو يحس أنه أصبح عبئا على أهل بيته، وبرغم كل ما يعانيه فهو يقاوم المرض، بكل ما بقى لديه من قوة وعزيمة إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.
الكلب...
عجوز أيضا بالنسبة لأعمار الكلاب التى يقال إن السنة من عمرهم بسبع سنوات من عمر الإنسان.... أحضرته ابنته وعمره ثلاثة شهور، وأطلقت عليه اسم شيكو، وعندما أحضرته رفض أن يدخلها به إلى المنزل، فأصرت وذهبت به إلى بيت خالتها ونامت ومعها كلبها الذى تعشقه عند خالتها، وفى الصباح رق قلبه على ابنته وناقش الأمر مع نفسه، وهو الذى لم يعاشر كلبا فى حياته بل لديه عقدة من الكلاب، فقد تعرض فى طفولته إلى عضة كلب جيرانهم، وذهب إلى قسم الشرطة واشتكى عليهم، وحولوه إلى المستشفى وأعطوه حقنا فى بطنه ضد السعار لا يذكر عددها، وكانت تؤلمه حينذاك لدرجة البكاء، الأهم أنه قبل أن يعاشرهم “شيكو” كلب ابنته المدلل فى نفس المنزل، وبمرور الزمن أصبح هو أيضا يحب شيكو لكنه لا يقترب منه إلا لماما ويخشى أن يعضه، ها هو شيكو يلازمهم، منذ نحو اثنى عشر عاما صار واحدا من الأسرة، وتعرض شيكو لأمراض وحوادث فقد صدمته سيارة وأجريت له عملية فى الحوض أثرت على حركته وطريقة المشى لديه.
 
كان فى البداية يقفز ويلعب وينتقل على الأسرة والطاولات، لكنه الآن أصبح إذا كان فى مكان مرتفع يحتاج إلى من يساعده فى الهبوط على الأرض، ويظل يبكى حتى تنتبه ابنته إلى وضعه فتأخذه فى أحضانها وتنزله على الأرض، ليجرى ويلعب بقدر طاقته التى ضعفت وساقيه اللتين ضعفتا جدا بحكم سنه، وما تعرض له من آثار جراحة الحوض التى أجريت له.
ذات يوم دخل الرجل لينام وأغلق كعادته باب غرفته عليه، وكانت ابنته تنام على سريرها وشيكو يرقد بجوارها كعادته وعادتها معه هادئا قريرا بموقعه الأثير إلى جوار ابنته... ومر وقت لا يدريه الرجل، إذ غفا واحتاج الدخول إلى الحمام، فقام مستندا على عصاه قضى حاجته ومشى خطوات إلى حجرة المعيشة وجد باب غرفة ابنته مفتوحا ولا أحد فى البيت وشيكو ما زال ممدداً على سريرها، جلس يقرأ فى صحف الأمس وكبس على ريموت التليفزيون عشوائيا لتظهر قناة لا يدرى بما فيها خفض صوت التليفزيون، وبدأ يسمع بكاء شيكو لم يعره التفاتا فى البداية، فاشتد بكاء الكلب وأصبح مستمرا... رق قلبه وقال لنفسه ربما يريد أن يهبط من السرير المرتفع نسبيا، وليس بجواره ما يمكن أن يقفز عليه الكلب فازداد نباحه المكتوم.
 
تصور الرجل أن شيكو لا بد يريد أن يقضى حاجته فى الحمام، كما عودته ابنته، أو أنه عطش يريد أن يأكل أو  يشرب، زحف مستندا إلى عصاه متحملا آلاًما رهيبة فى ركبتيه، وجد شيكو يقف على حافة السرير يحاول الهبوط أرضا ولا يستطيع فبكى نباحا مكتوما، اقترب منه العجوز وحاول أن يمسك به ليساعده على الهبوط على الأرض... وشيكو متوجس شرا كلما لمسه أو اقترب منه... حاول أن يأتى بطاولة إلى جوار السرير ليقفز عليها الكلب ثم يهبط لم يستطع حمل إحدى الطاولات بيد واحدة، لأنه مستند بالأخرى على عصاه... فجلس إلى جواره يمسح له جسده ورأسه ليهدأ والكلب مستمر فى النباح المكتوم... والرجل يحاول حمله.. ولا يفلح والكلب أصبح على حافة السرير يبكى والرجل إلى جواره يبكى أيضا بكاء مكتوما والدموع اغرورقت فى عينيه... وكل منهما يبكى عجزه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg