رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



فانتوم.. للبيع

3-10-2018 | 01:40
د.عمرو بسطويسى

 
لَم يَكُن الطفلُ المُبْحِرُ فى أواخر عامِه العاشر، مُدركاً بوضوح لِما يحدُث مِن حولِهِ، فقد توقفت الدراسةُ بينما هو فى الصفِ السادس الابتدائى وكان السبب المُعلن هو أن مِصْرَ تخوضُ حرباً لتحريرِ سَيناء. لَم يَكُن الحَدَثُ لافتاً لانتباهِه بَادئ الأمر، فقد كَانت أسرتُه مُعتادةً فى كُلِّ عُطلةٍ أن تُرسِل الأطفالَ إلى مدينةِ كفر الشيخ حَيث الأقارب والعائلة. ولِمَ لا وصاحبُنا سَيسعدُ بلقاءِ واحدٍ من أبناءِ عمتِه، كَان الأقربُ فى العائلة إلى قلبِه ولا تَحلو العُطلات واللعبُ إلا فى صُحبتِه. وبما أن إيقاف الدراسة لأى سببٍ، وإن كان حرباً، يُمكن اعتبارَه عُطلةً، فالأمرُ يَستوجبُ إرسالَ الأطفال إلى تلك المدينةِ القديمةِ الراسخة فى قلبِ الدلتا والتى تقعُ بالقربِ منها قريةُ «سخا»، حيث تقبعُ جذورُ العائلة، ويُعرف بأنَّها كانت عاصمةً للمحروسةِ فى عهدِ الأسرةِ الرابعة عشرة مِن عصرِ الأُسَر، وكان اسمُها «خاسوت» فى ذلك العصر. وبها آثار عديدة فرعونية وقبطية ورومانية، وأسماها اليونانيون والرومان «اكسويز». وأقامت بها العائلة المقدسة أثناء هروبها إلى مصر. وكانت «سخا» فى فتراتٍ أكثر حداثة من تاريخ مصر عاصمةً لأكبر محافظات الدلتا فى ذلك الزمان وكان اسمُ المحافظة «السخاوية». 
لَم يَمر مِن الوقتِ الكثيرُ حتى أدركَ فتانا أمراً لم يَسمع عَنه ولم يُدركه مِن قبل وهو أن جزءًا من وطنهِ، مِصر، كان مُحتلاً مِن إسرائيل وقد أزَفَت ساعةُ رَدِّ الكرامة. ومَع تَدفُق أخبارِ النَصر و عُبور أجناد مِصر الأخيار قناة السويس وتَحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلى «الذى لا يُقهر» ، استوعب الطفلُ التسلسلَ التاريخيّ للهزيمةِ فى يونيو 1967 و مِن ثَمَّ حرب الاستنزاف، مِما ألهبَ مَشاعرَ الفتى الغَضَّة، و إذا به - عِندما ألفى جيشَ بلادِه يحررُ الأرضَ- يَكتبُ شعراً لأول مرةٍ فى حياتهِ. كَتَبَهُ دُونَ أن يرى له مثيلاً ليُقلِّده وهُو، وإن كان مُحبَّاً للقراءة، فإنه لم يكن قارئاً للشعر ولا كاتباً له مِن قبل، ولَكن حُبُ الوطن وأخبارُ النصر جعلاه يكتب بالعاميّة:
6 أكتوبر يا حرب النضال
6 أكتوبر ياللى رديتى الكرامة لمصر
6 أكتوبر يا أعظم أيام النصر
6 أكتوبر ياللى حتفضل ذكراكى فى كل عصر
جيشنا العظيم عدى القنال
وحطم أسطورة كانت محال
وأعطى درسا لكل الرجال
ورسالة للعدو
اوعوا تفكروا تلمسوا.. أرض الأبطال
كانت أولَ أبياتِ شعرٍ يكتُبها الطفلُ فى حياتِه، وإن لَم يَتكرر هذا كثيراً فيما تَلى مِن سنواتِ عُمرِه. 
ألقى الطفلُ  بتلك الأبياتِ أمام والديه وقد سَطَرَها على وريقةٍ،  مُتطَلعاً إلى رَدِّ فِعلِهِما وظَل يُتابعُ مَلامحَ وَجهيهِما وهُما يقرآن شِعرَه الغَضّ التِلقائي. احتضناهُ وقد اغرورَقَت أعينُهما بالدموع. كانَ حُضنَهُما هَو حُضن جيلٍ يُسَلِّمُ إلى الجيلِ اللاحق بذورَ حُب الوطن .. بذورَ العزةِ و الكرامةِ و روحِ النصر. 
لَم يَكُن الحدثُ جديداً على عقلِ الطفلِ الصغيرِ  وحَسب، بَل كانَ مُثيراً إلى أقصى ألحدود. ولَم يكن هُناك مَصدر للمعلومات غَير بيانات القوات المسلحة التى يسمعها فى المِذياع أو فى إحدى قناتى التليفزيون، الأولى والثانية، ولم يكُن لهُما ثالثة. 
ظَلَّ صاحبُنا يتابع كُل هذا بشغفٍ ليُشبِع عقلَه الصغير بكلِّ ما يسمع لعلَّه يُدرك حقائقَ الأمور، وظلَّ لسنواتٍ طوال يتذكر ما عاصَره فى تلك الفترة مِن لقطاتٍ لعبور جنودنا البواسل قناة السويس فى القوارب المطاطية، وكذلك مدافع المياه وهى تُذيب خطَ بارليف، ورجالَنا الأبطال وهم يُلقون بالكبارى العائمة على سطح القناة لتمر عليها المُدرعات إلى الضِفّة الشرقية، واللقطة الشهيرة لمُحمد العباسى وهو أول جُندى مِصرى يرفع علمَ مِصر على أول نقطة تم تحريرها على أرض سيناء. ولم تَغب عن ذهنهِ قَط لقطاتُ جلسةِ مَجلس الشعب، حين تَم تكريم قيادات الجيش المنتصر ومَنحَهم الرُتب الأعلى ولا يدرى لماذا ظل قائد الجيش الثالث فى ذلك الوقت الفريق أحمد بدوى هو الأكثر التصاقاً بذهنه. 
ولم تنجح سنواتُ العُمرِ التى تَلَت أن تمحو من ذاكرتِه ذلك اليوم حِين سَمِع صُفارات الإنذار تصدَحُ فى سماءِ مدينةِ كفر الشيخ، و صار جميع أَهْلِ المدينةِ يَغْدون هُنا وهُناك، مُتَطلِّعين إلى السَّمَاءِ بِلا خَوف والطائرات الإسرائيلية تُحَلِّقُ فوق الدلتا ومن ورائِها نسورُ مصر يُلاحقونهم ليَمنعوهم من أن يُلحِقوا الأذى بالمُدن المُكْتَظَّةِ بالبشر. انطلقَ صاحبُنا وابنُ عَمتِهِ إلى سطحِ المنزل فى الدور السابع ليتمكنا مِن مُشاهدة المعركة الجوية. وقد بذلا جَهداً لتمييز الطائرات المصرية من الإسرائيلية، وقد أقنعا نفسيهما أن الأخيرة ذات مقدمة بلون داكن وظلا يَلمحان هذه الطائرات تروح وتجيء وتختفى بين الحين وألفين ولا يُدركان بالطبع ماذا يَحدُث. وقد أدركَ الطفلُ حين كَبُر و قرأ تاريخَ الحربِ أن تلك المعركة الجوية كانت من أكبر المعارك الجوية فى تاريخِ الحروب وسُمِّيت “معركةُ المنصورة” حيثُ أرسلت إسرائيل أكثر من 120 طائرةٍ حربية فى دَفَعاتٍ متتاليةٍ وتَصدَّى لها أبطالُ القواتِ الجويّة وأسقطوا 17 طائرة وأجبروا الآخرين على الفِرار، و لم تَخسر مِصرُ يَومَها إلا ثلاث طائرات. وكانَ هذا اليوم،  14 أكتوبر 1973، يوماً مشهوداً فى تاريخ العسكرية المصرية حيث أصبحت معركةُ المنصورة درساً أصيلاً فى كلِّ المعاهدِ العسكريةِ فى العالم وأصبح هذا اليوم عيداً سنوياً لقواتِنا الجوية، نسور مصر الأبطال. 
ويذكُر صاحبُنا جيداً أيضاً أن الكثيرين من أصحابِ محال الحديد الخُردة، والتى تشتهر بها مدينة كفر الشيخ، انطلقوا بعد انتهاء المعركة بساعاتٍ قليلة والتهموا إحدى الطائرات الفانتوم الإسرائيلية التى أسقطَها نسورُ مصر بالقربِ من المدينة، وقاموا بتقطيعها إلى أجزاءٍ وعادوا بها إلى المدينة وَسط زَفةٍ من الأهالى المُهللين “فانتوم للبيع .. فانتوم للبيع” و “من ده بكره .. بقرشين” ، وبهذا فقد آلت طائراتُ الجيش الإسرائيلى الذى ادَّعوا أنَّهُ “لا يُقهر” إلى خُردةٍ على أرصفةِ كفر الشيخ. 
كانَ لهذه الحرب دور كبير فى زرعِ أوّلِ بذور الوطنيةِ فى قلبِِ الطفلِ الصغير، وصار لمصر الوطن مكانةً أكبر فى قلبِه وصارت لسيناءِ الحبيبةِ مكانةً عظيمةً فى وجدانِهِ و خَلَجاتِ نَفْسِهِ. 
وظل الطفل، حتى كَبُر، كُلَّما سَمِع عَن جَيش إسرائيل يتذكّر طائراتَه المُقَطَّعة عَلى عرباتٍ تَجُرَّها ألحَمير وقَد حَولَّها نُسورُ مِصر ألبواسل إلى خُردةٍ و باعها الأهالى فى أسواق كفر الشيخ. 
وظَلَّ، كُلَّما ذُكرت سَيناء، اهتزت مَشاعره بذكرياتِ البطولةِ و النصر. 
تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg