رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 18 اكتوبر 2018

مقالات



أين حقوق الإنسان؟

3-10-2018 | 15:39
إيمان طاهر

•يقول كونفوشيوس، وهو فيلسوف صينى قديم أثرت فلسفته الأخلاقية فى الكثيرين وما زالت، على الرغم من وئدها رسمياً من الصين بعد ظهور الشيوعية...»الشخص الذى لا يكف عن المحاولة برغم علمه بأنه لا جدوى من ذلك هو الشخص المثالي».... سألت نفسى مراراً وبكل سخرية مؤلمة وثقيلة على النفس، وأنا أشاهد وأتابع جلسات منظمة الأمم المتحدة، لماذا تلح على ذهنى تلك الحكمة القديمة!!...
•ولنتذكر معاً تاريخ تلك المنظمة ما بين عام 1919 و1945 كانت توجد منظمة تسمى “عصبة الأمم” تم تأسيسها بعد الحرب العالمية الأولى، وكان من أهم أهدافها هو حل النزاعات بين الدول وتذليل العقبات وسوء الفهم، قبل أن تتطور نزاعاتهم إلى حروب مرة أخرى وفشلت فشلاً مدوياً فى تحقيق ذلك الهدف... ثم جاء الرئيس الأمريكى “فرانكلين ديلانو روزفلت” 1943 وأعلن قيام منظمة الأمم المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية، واجتمع كل من رؤساء أمريكا، فرنسا، إنجلترا السوفييت، الصين... لبحث مشاكلهم واقتراحاتهم وسبل التعاون فيما بينهم على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية و”المصالح” حول العالم...
•وصاغوا دستوراً بناء على كل ما سبق الاتفاق عليه وبلغ عدد الدول الموقعة على ذلك الدستور 51 دولة، ومنحت الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لتنفيذ مهامها أو بالأحرى “هيمنتها” ولعل من أكثر جدليات تلك المنظمة كمثال تقريبى لذهن القارئ عن كيف يدار العالم من الأفنية الخلفية، وما يسوق له ويعلن من الحقائق أنه بعد وضع ميثاقها 1945 للحد من انتشار الأسلحة النووية ظهرت الأسلحة النووية بعد أيام قليلة !! وفى كل عام تتجدد الدعوة للحد من انتشار الأسلحة يُنشأ فى السر المزيد والمزيد من المصانع المتقدمة لصنع وبيع الأسلحة!...
على الجانب الآخر التسويقى لهذا العرض السنوى الفاخر، هناك بند آخر لا يقل أهمية فى دستورها ألا وهو حقوق الإنسان، وقد كان من أهم أهداف إنشائها المعلنة... لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (UNHRC) تعتبر الجزء الأساسى الذى يأخذ على عاتقه احترام حقوق الإنسان فى العالم كله، ومراجعة سياسات كل دولة تجاه شعوبها وتقديم تقارير دورية للحفاظ على الإنسانية “ماعدا ما يحدث على أراضيها”
•والحقيقة أن الإنسان فى كل بقعة على هذه الأرض أصبح وثيقة فى حد ذاته شاهدة على تلك المهزلة التى كانت ومازالت تطل علينا بذات الوجه القبيح، ومنذ ذلك العام 1945 ونحن نجلس فى مثل هذا التوقيت لنشاهد وجوهاً تأتى وأخرى تغيب وذاك يندد وآخر يشجب وأقنعة تتبدل حسب المصلحة، وأخرى تسقط على الملأ لانتهاء دورها فى اللعبة والمسمى بكل جلال على الشاشات نحو عالم أكثر سلاماً وأمناً!!
لا وجدنا سلاما ولا أمانا وانتشرت الأسلحة وزادت التكنولوجيا بأبحاثها اللا أخلاقية من فن صناعة إبادة البشر تارة بالكيماويات وأخرى بالنووية!!
وزاد الفساد والإفساد وعم الفقر والمجاعات مناطق عديدة على الخرائط القديمة ونُشرت الأمراض البيولوجية المميتة وهُدرت كل حقوق للإنسان!! وظهر جلياً للملأ كيف يمكن للشيطان أن يرتدى أجنحة الملائكة؟!.
• وكيف استطاعت تلك الدول العظمى أن تسوق للعالم وشعوبه مدى قوتها لتظل الذاكرة تبقى فى وعى الشعوب بالخوف والرهبة..
• فى عام 1998 قصفت إنجلترا وأمريكا العراق بشكل وحشى مدمر للإنسانية والبنية التحتية للعراق!
أين حقوق الإنسان؟!.
• وفى ذات العام قصفت بسرية تامة أحد مصانع الأدوية الإفريقية تقدم دواء بنفس التركيبة وبسعر زهيد لتعارضه مع أحد منتجات شركاتها!.
أين حقوق الإنسان؟!.
• دعمت أمريكا الإرهاب فى السلفادور فى الثمانينيات بكل ما تملك من قوة عسكرية ومالية وذبحت الآلاف من المواطنين ورسخت سيكولوجية الرعب فى نفوسهم لفرض النمط الأمريكى على تلك الأراضي!
أين حقوق الإنسان؟!.
• من عام 1998 فرضت نمطاً للتنمية فى نيكاراجوا والسلفادور وجواتيمالا عقب إعصار “ميتش” المدمر المأساوى الذى راح على إثره ما يزيد على 18 ألف شخص.. تم توجيه إعادة الإعمار والتحيز للأقلية الذين يستطيعون دفع الثمن وفرض السيطرة والهيمنة على اقتصادات تلك الدول لصالح المصالح الأمريكية بينما الأغلبية من الفقراء وباقى الطبقات الكادحة، تم نسيانها عمداً وبمنتهى السخرية الأسطورية الملعونة منحوهم نعمة البقاء على قيد الحياة! 
أين حقوق الإنسان؟!.
لم تذكر تلك الحقائق والوقائع فى أى صحيفة أو وسيلة إعلامية أو اجتماع للأمم المتحدة ولم نر أو نسمع صوتاً ولو واحداً يستنكر أو يشجب حروب أمريكا الإرهابية الوهمية، لأنهم ببساطة اعتادوا على انتهاك حقوق الإنسان!...
أين حقوق الإنسان؟!.
• لماذا سكت ضمير الإعلام والكتاب فى العالم أمام ما سبق وما يحدث الآن؟
• لعلنا نجد فى كلمات الكاتب الإنجليزى “جورج أورويل” تفسيراً لهذا المسخ المشوه للمصطلح... ففى روايته “مزرعة الحيوانات” قال “ إن الحقيقة المشئومة حول الرقابة على الكتابة فى إنجلترا، هى أنها رقابة طوعية بشكل كبير، فمن الممكن إسكات الأفكار التى لا تتمتع بالشعبية وطمس الحقائق غير المريحة، وذلك بدون أى حاجة إلى وجود حظر رسمي”... لعل كلماته توضح لنا كيف تدار الصحافة والإعلام فى تلك الدول الغربية العظمى، بناءً على سيطرة رأس المال الذى يملك كل الدوافع النفسية للمحاولة الدائمة فى الإبقاء على وجوده آمناً مع النظم الحاكمة، مهما كانت الأساليب والممارسات الوحشية لفرض غريزة البقاء والسيطرة.
• ونجد الكاتب والمؤرخ الأمريكى “مايكل هوارد”، يتحدث بمنتهى الشفافية عن تاريخ أمريكا عبر قتل الأمريكيين الأصليين الذين أبادوهم بلا رحمة، والعبيد الذين استقدموهم لتوفير المواد الخام لقيام الثورة الصناعية فى بلادهم على جثثهم!!.
• أدخلت الولايات المتحدة تحفظاً على المادة السابعة من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية، التى تستلزم عدم تعرض أى إنسان للتعذيب أو الإهانة داخل السجون! وثبت بالأدلة القاطعة والوثائق الرسمية، أن الانتهاكات داخل السجون الأمريكية تخطت كل مراحل الإنسانية فى التعاملات والقوانين!! 
• تحفظت أمريكا على عقوبة الإعدام وانتهكت تلك الاتفاقية بإعدام الأحداث (دون سن الثامنة عشرة)، وارتفعت نسبة الإعدام حتى بين ضعاف العقول والنساء!!.
أين حقوق الإنسان؟!
• استهدفت أمريكا المواطنين الأمريكيين السود بشكل بالغ العنصرية، وحتى لحظة كتابة هذه المقالة وامتلأت السجون الأمريكية بهم، وتم دفعهم إلى حيز اجتماعى مقصود وغير معلن ليمثلوا انعكاسا راسخا عبر زجهم فى وضعية تجار المخدرات أو قتلة!!
أين حقوق الإنسان؟!.
• إذا كان أسوأ المعتدين والمنتهكين لحقوق الإنسان هم من يتحكمون فى حقوقه، فكيف لنا أن نفهم أو نفسر أو نأمن لتلك الدعايات العالمية والخطابات المغلفة بأوراق ذهبية وخلفية رقائق الرخام الأخضر المريح باهظ الأثمان، أمام ما حدث وما يحدث للبشرية من تغيير جذرى وتدمير فى شتى الأراضى والدول، والصراعات المعقدة وتحالف مراكز القوى الاقتصادية فى واقعنا الجديد!!
• ساحة مسرح الانعقاد السنوى للأمم المتحدة وضح لنا عبر التاريخ معنى فكرة السيادة....
• منظومة “التجارة العالمية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي” وذلك التحالف المخفى الإستراتيجى الذى يدبر ويتحكم فى اقتصادات العالم ويصوغ ويجمّل وجوهه المتعددة بالطابع الاجتماعى لإخضاعنا بالشعارات... لا يمت من قريب أو بعيد بحقوق الإنسان بل يستمد أفكاره ومذهبه الكلاسيكى من فهم قديم يعتبر أن الشعوب هم العدو اللدود لهم، فلذا يجب إخضاعهم بالفقر أو بالمرض أو القهر....
• لا تصدقوا شعاراتهم من العدل والمساواة والحرية والإخاء... لا يوجد على الأرض ما يسمى حقوق إنسان....
فالعالم يحكمه من يملكه...

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg