رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



مسامرات ابن عزب المطوبسى.. هل أنا مواطن كويتى؟

3-10-2018 | 15:38
د.خالد عزب

هل أنا مواطن كويتي؟ سنوات قليلة هى التى عشتها طفلاً فى الكويت، مع والدى الأستاذ والمعلم محمد مصطفى عزب، مدرس اللغة الإنجليزية، الذى أعير للكويت فى العام 1970، ووصل إليها قبل وفاة جمال عبد الناصر بيوم أو يومين، ليرى حزنًا فى هذا البلد العروبى الوفي، الذى تذكر عبد الناصر الذى وقف إلى جانبه حين هدده الجار، وشاهد جنازة وصلاة غائب على جمال عبد الناصر، عاش والدى عامًا واحدًا بمفرده فى الكويت ليعود بعدها، ويبدأ إجراءات سفرى أنا ووالدتى وأخوتى هشام ومنى وأسامة رحمه الله إلى الكويت، لنعيش هناك ثلاث سنوات، ما زالت عالقة فى ذهنى لم تغادره يوما ما، كانت سنوات جميلة، سكنا فى السالمية وحولى، وفى حولى كنت أنا وأخى هشام  نذهب يوميا للصلاة فى مسجد مجاور، كان إمامه حارس مرمى شهيراً من لبنان اسمه الطرابلسي، كان مشهورًا أيضا بصوته الرائع فى قراءة القرآن الكريم.
 
كان لنا جيران فلسطينيون ولبنانيون، فالبناية التى كنا نقطنها هى وطن عربى صغير، لم نر فيه شجارًا بين الجيران بل علاقات طيبة، سيدات يتبادلن الطعام الوطنى والخبرات الحياتية، بل حتى الأولاد أصدقاء يلعبون معا، لعنة الله على السياسة التى تفرق دون وعي، وكانت مدرستى هى مدرسة الفارابى الابتدائية،  لم تكن كأى مدرسة رأيتها قط، من حيث الاتساع والإمكانات تجاورت فيها فى الفصل مع قرناء من الكويت ولبنان وفلسطين، كنا نلعب ونلهو معا، ونتعلم، كل شيء متاح، ملاعب مفتوحة وصالات رياضية مغلقة، مسرح مدرسى كبير، فصول محدودة العدد، تعليم جيد، لا أستطيع أن أبرحها دون أن أذكر أن كل شيء كان محسوبا بدقة، لم تكن الكويت فى هذا الزمان ذات بنايات شاهقة الارتفاع، بل أقصى شيء أتذكره ستة طوابق حول طابق مساحة فراغ نلهو بها، والوالد العزيز كان فى المنزل يقرأ كثيرا صحفا، مجلات، كتبا، وعرفت منه مجلة العربى التى تصدر من الكويت كان يقرأها بعناية فائقة، وكنت أتعثر فى قراءتها لصغر سنى ولصعوبة موضوعاتها علي، لكن مع الوقت أدمنت قراءتها، فعرفت منها أعلامًا ومعرفة، هكذا هى القراءة بحر لا شاطئ له ولا عمق له، تغوص فيها فلا تخرج من سطر إلى سطر ومن صفحة إلى صفحة ومن موضوع إلى آخر، شغف ومتعة ما بعدها متعة، فى كل مرة ندرك مدى جهلنا، والكويت كانت مع والدى أحد أسباب غواية القراءة لدى، فسلاسل عالم المعرفة وعالم الفكر والمسرح العالمى والثقافة العالمية مغرية، ورخص ثمنها  كان أكبر مساهمة كويتية فى الثقافة العربية.
ذات يوم فى الكويت رأيت والدى وقد أعلن حالة التأهب فى المنزل وجلسنا معه نتابع، فلا شك أنه كحدث جلل سيبث على التلفاز، فقد كان خطاب النصر فى حرب أكتوبر الذى ألقاه الرئيس أنور السادات وبثه تليفزيون الكويت، حدث زلزل الكويت والجيران بهذه الحرب، كان الجميع يتابعون أحداثها بشغف كبير، لكن كان ممن استوقفنى أمرهم فى الكويت هو الدكتور محمد حسين الذهبى، وهو أستاذ جليل فى الأزهر الشريف اغتالته جماعة التكفير والهجرة العام 1977م، وكان يعمل حينئذ فى الكويت، ويستقطب أبناء بلدتنا وغيرهم لزيارته، فكنت أذهب مع والدى إليه وأشاهد جمهرة من المصريين والعرب حوله يبث لهم ما لديه من علم غزير، فقد كان أستاذا بليغا.
 
بعد سنوات طويلة من مغادرة الكويت عدت إليها مرة أخرى فى العام 2001م، فى زيارة بدعوة من المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، ورأيت أننى أأتلفت مع أهلها سريعًا، كأننى أعيش فيها طوال سنوات، فعرفت عن أقرب أصدقاء شيئا، ولعل هذا يعود لكونى أفهم طبيعتهم، من أجمل الشخصيات الكويتية التى عرفتها الدكتور عبد الله يوسف الغنيم الجغرافى الكويتى العظيم، الذى كرس حياته بعد العام 1990 لبناء مركز الدراسات الكويتية، ورأيته يبحث عن قرب عن وثائق وصور وخرائط فبنى هذا المركز من لا شيء، كانت عراقته الوطيدة هى نقطة المصداقية التى جذبت للمركز تراث الأسر الكويتية العريقة، وأصبحت الكويت ذاكرة تاريخية غير مسبوقة.
 
وهناك اثنان من أعلام الكويت الدكتور محمد الرميحى والدكتور سليمان العسكرى، وكلاهما ترأس المجلس الوطنى للثقافة والفنون ومجلة العربي، وعرفتهما عن قرب شديد، وتناقشت معهما فى الكثير من الموضوعات، ثم الشيخة حصة الصباح هذه السيدة الراقية فى كل شيء، حتى انعكس ذوقها وذوق زوجها الشيخ ناصر الصباح فى دار الآثار الإسلامية، التى اختيرت كل قطعة معروضة بها بعين خبير، فالمتحف ليس بكثرة ما يعرض فيه، بل بروعة وندرة ما يعرض فيه، فقطع الفن المغولى الهندى فى الدار فريدة وتشكل مجموعة متكاملة تحكى كل قطعة منها قصة، واستطاعت هذه القطع بجولاتها فى متاحف العالم أن تجذب الانتباه لهذه المجموعة، وأن تصنع حضورًا قويا للكويت.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg