رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 19 ديسمبر 2018

مقالات



حيرة الرئيس ترامب الفلسطينية.. دولة أم دولتان!

3-10-2018 | 15:37
د. حسن أبوطالب

برغم وجود العديد من مناهج التفاوض، بين الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية وحتى بين الأفراد، فإن صيغة غالب ومغلوب لم تعد مُعترفا بها، بفعل العولمة وتشابك مصالح الدول والمجتمعات، بات الهدف من أى مفاوضات هو الوصول إلى صيغة الكسب المشترك، التى تعطى لكل طرف بعضا مما يرغبه وكان يأمل الحصول عليه، التوازن فى المطالب بات هو الأسلوب المعترف به، ومن ثم التوازن فى العوائد. غير أن البعض ما زال يؤمن بصيغة الانتصار الحاسم مقابل الهزيمة الثقيلة. كلا من الرئيس ترامب ونيتانياهو يمثلان هذه الصيغة العقيمة خير تمثيل.
 
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفى حوارات صحفية مختلفة، أشار الرئيس ترامب إلى رغبته فى أن يكون راعيا للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى ما تبقى له من إدارته الأولى، أى خلال العامين المقبلين وحسب، لأنه يطمح فى عمل أشياء أخرى فى إدارته الثانية التى يثق تماما بالفوز بها، ومبشرا بأنه سيطرح صيغة هذا السلام فى غضون أشهر قليلة. لم يقل الرجل أى كلمة عن تلك الصيغة التى يعد بها العالم منذ حملته الانتخابية قبل ثلاثة أعوام ويصفها بأنها صفقة القرن. ولمزيد من الإثارة وشد الأنظار تحدث عن تفضيله لحل الدولتين ولكن إن اتفق الطرفان، أى الفلسطينيين والإسرائيليين على حل الدولة فإنه لن يمانع، المهم عنده أن يكونوا سعداء حسب قوله. وذلك برغم أنه رفض هذه الصيغة قبل ثلاثة أشهر فى لقاء مع العاهل الأردنى عبد الله حين اعتبر الدولة الواحدة معناها أن يكون الرئيس بعد سنوات محدودة اسمه محمد، فى إشارة إلى ضياع الدولة اليهودية وغلبة العنصر الفلسطينى الإسلامي. ويرى ترامب دوره يقتصر على لعب دور الميسر للتفاوض. وفى إشارة خاصة إلى الإسرائيليين ليتجاوبوا مع أفكاره، فقد ذكرهم بأنه سحب أهم وأعقد ورقة فى المفاوضات وهى مصير القدس، حيث اعترف بها عاصمة لإسرائيل، ومن ثم فعليهم أن يقدموا شيئا مقابل هذه الغنيمة الكبيرة.
 
فى الآن نفسه شدد على أن الفلسطينيين الذين يقاطعون إدارته الآن سوف يأتون إلى مائدة المفاوضات التى سيرعاها لاحقا. هنا فالتأثير النفسى هو المطلوب، وإشارة إلى أنه لا بديل أمام الفلسطينيين سوى التجاوب مع أفكاره بدون عناد، أو محاولة إعادة عقارب الساعة للوراء.
 
مثل هذه الرؤية الكلية تزيد الأمر  إرباكا، فهى تحمل الشىء ونقيضه، دولة واحدة ودولتان، سيكون ميسرا للمفاوضات، أى يقدم الأفكار والضمانات ويقنع المفاوضين بحلول وسط ومقبولة، لكنه وضع لها إطارا مسبقا، حيث أخرج القدس من حسابات الفلسطينيين ومنحها للمحتلين، داعيا الفلسطينيين للتفاوض تحت رعايته، ولكنه يغلق مكاتب المنظمة ووسائل الاتصال معهم، ويسحب الدعم المالى لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ويعمل على تغيير هوية اللاجئين الفلسطينيين وإبعادهم عن أرضهم المحتلة.
 
الانحياز فى هذه المواقف واضح تماما، فالمطلوب هو أن تأخذ إسرائيل ما تريد ولا تعطى للفلسطينيين أى شىء، وفى أحسن الأحوال تمنحهم بعض فتات الأرض ومسئوليات حكم ذاتى لا يتجاوز الأمور البلدية للمحليات الصغيرة. ما صرح به نيتانياهو فى نيويورك تعليقا على قول الرئيس ترامب أنه يفضل حل الدولتين، يكشف بوضوح حدود ما قد تقدمه تل أبيب للفلسطينيين إذا ما قبلت الحكومة الإسرائيلية مبدأ الدولتين، إذ يسعى إلى حل دبلوماسى، والمهم ليس الاسم ولكن المضمون، والأخير لا يتجاوز إعطاء الفلسطينيين حكم أنفسهم، على أن يطلقوا على أنفسهم ما يشاءون من أسماء حسب تعبيرات نيتانياهو، شريطة أن يعترف الفلسطينيون بيهودية دولة إسرائيل وقانونها القومى الذى يمهد لطرد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وأن يكون الأمن بيد الجيش الإسرائيلى ويغطى الضفة الغربية بكاملها حتى الحدود الأردنية، وفى قول آخر أن تكون تلك الدولة منزوعة السلاح حتى لا تهدد إسرائيل. ومجمل التصور أن يبقى الاحتلال مستمرا وبرضاء فلسطينى ودعم أمريكى.
 
رؤية نيتانياهو برغم فجاجتها لم تعجب بعد أحزاب اليمين الإسرائيلى المشاركة معه فى الحكومة كـ «البيت اليهودى» وإسرائيل بيتنا» و»شاس» و»كولانو»، فضلا عن قطاعات من الليكود الحاكم. حيث تجمع تلك الأحزاب على ثلاثة مبادئ تراها ملزمة لنيتانياهو، وهى لا دولة فلسطينية، ولا مفاوضات مع السلطة، ولا خروج من الضفة الغربية. ترجمة هذه اللاءات الثلاثة تعنى استمرار الاحتلال، واستمرار الاستيطان، واستمرار التهويد. أما حقوق الفلسطينيين فهى غير معترف بها، حتى لو كانت حقوقا بلدية للتجمعات السكانية المتناثرة فى الضفة. ويزيد اليمين الأكثر تطرفا بأن هؤلاء السكان ليس أمامهم سوى الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليهم وعلى أراضيهم، أو يخرجوا إلى حيث يريدون. بعض الرافضين يرون أن غزة هى الدولة الفلسطينية وفقط.
 
وما دامت هذه الأحزاب اليمينية لا تعترف بالمفاوضات أصلا، فكل ما تفعله هو وضع القيود والشروط والتهديد بالانسحاب من الحكومة وتهديد عرش نيتانياهو، بينما جوهر الأمر لا يبتعد كثيرا عن أسلوب توزيع الأدوار، وبما يسمح لنيتانياهو بالتجاوب الشكلى والمتردد مع مطالب الرئيس ترامب حرصا على العلاقة معه، وفى الآن نفسه تقديم الحجج بأن يده مغلولة وأن حكومته مهددة، وأنه لن يستطيع الدخول فى مفاوضات كما يتمناها الرئيس الأمريكى. إنها اللعبة ذاتها القديمة والمكررة والمكشوفة.
بعض اليسار الإسرائيلى يرفض تلك اللعبة السياسية التى تضع إسرائيل فى مأزق كبير حسب رؤيته. بعض هؤلاء يرون أن التفاوض مع الفلسطينيين الآن
سوف يجلب السلام والأمن بأكثر مما يتصوره أحد، فالفلسطينيون حسب رؤية «المعسكر الصهيونى» المعارض ضعفاء ومنقسمون وإعطاء السلطة بعض ما تريد وفى ظل رعاية الرئيس ترامب، سوف يحقق انتصارا تاريخيا للدولة الإسرائيلية، ويحافظ على الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن ومع ترامب شخصيا، والمرجح له أن يستمر رئيسا لفترة ثانية استنادا على نجاحاته الاقتصادية الداخلية.
 
شق من اليسار الإسرائيلى، وهو محدود للغاية لا يرى غضاضة فى حل الدولتين، ولا يرجح للدولة الفلسطينية المنتظرة أن تمثل أى تهديد لإسرائيل، ففارق القوة العسكرية كبير، والدولة الفلسطينية إن أقيمت فسوف تغرق فى مشاكل لا حصر لها، وسيكون عليها التزامات تجاه أمن إسرائيل، وستكون أيضا مراقبة من قبل أمريكا وكل حلفائها،ولن يُسمح لها بأن تفسح موضع قدم واحد لإيران أو غيرها. إنهم يرون الوضع الراهن مثاليا لتحقيق صيغة تاريخية تريح إسرائيل من معاناة الصراع. إنهم لا يؤيدون بعض الحقوق الفلسطينية، ولكن أيضا أعينهم على بقاء دولتهم واستمرارها قوية وغير مهددة.
 
وسواء كان الموقف يمينيا أم يساريا، فهناك قاسم مشترك واحد، هو حماية دولتهم واستمرار قوتها مقارنة بمن حولها. ليت ذلك يكون هاديا للفلسطينيين، وأن يكشف أكثر لهم عورات الانقسام، ويجسد لهم ضرورة المصالحة الوطنية، فبدونها سيدوم الاحتلال وتضيع الأرض.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg