رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 22 نوفمبر 2018

المجلة



دفعت الرئيس التونسى لإنهاء التحالف معها.. «النهضة» تنفذ منطق المغالبة بعد سنوات الخداع

8-10-2018 | 14:32
أبو الفضل الإسناوى

 
الحركة أثبتت أنها لا تختلف عن كل فروع  الجماعة الإرهابية 
 
الجماعة تسعى لإبقاء حكومة ضعيفة تنفذ من خلالها للأغلبية فى انتخابات العام المقبل  
 
بعد أعلن الرئيس التونسى الباجى قايد السبسي، إنهاء تحالفه مع حركة النهضة الإسلامية فى  26 من سبتمبر الماضي، بسبب رفضها رغبته بإقالة يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية، عادت الحركة تراوغ بتمسكها الظاهرى، بالتحالف حتى تستكمل تغولها على المشهد السياسى التونسي، وذلك استعدادا للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المحتملة فى 2019، حيث ردت الحركة فى بيان رسمى لها فى اليوم التالى على إعلان "السبسى" إنهاء التوافق معها، بالتزامها بمسار التوافق، واعتبرت أن الاختلاف فى وجهات النظر حول القضايا التونسية، لا يعنى إنكارها للعلاقة مع الرئيس.
موقف الحركة من إنهاء حزب "نداء تونس" استمرار التحالف، وهو ما عبر عنه رئيس مكتبها السياسى نور الدين العرباوى، بعد ساعات من تصريحات الرئيس السبسي، أن "النهضة إذا خيرت بين حزب السبسى ويوسف الشاهد رئيس الحكومة، ستختار دعم رئيس الحكومة والاستقرار الحكومى على التوافق مع رئيس الجمهورية"- يشير إلى أنها تحاول استغلال التغيرات الحادثة فى المشهد السياسى داخل مجلس نواب الشعب
(البرلمان التونسي)، وإبطال تأثير حزب نداء تونس على القرارات المهمة، التى من المحتمل أن يقرها البرلمان فى انعقاده الحالي، والتى من أهمها: مشروع القانون الموازنة المالية الجديدة، واختيار رئيس الهيئة العليا للانتخابات التونسية، وتشكيل أعضاء المحكمة الدستورية العليا، بالإضافة إلى مشروع القانون المقترح من الرئيس حول المساواة فى الميراث.
رفض "النهضة" مطلب "نداء تونس" بإقالة يوسف الشاهد بحجة المحافظة على الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى داخل تونس، بالإضافة إلى احتمالات تصويتها فى البرلمان ضد موقف نداء تونس من رئيس الحكومة، إذا توجه للبرلمان لكى يمنحه الثقة، وإعلانها مساندته ضد الرئيس السبسي- يطرح عدة تساؤلات، من أهمها: لماذا أخذت الحركة موقفا معارضا للرئيس السبسى فى هذا التوقيت؟ وفيما تفكر النهضة، خصوصا أنها تمثل الأكثرية فى البرلمان، وما حدود طموحها خلال الفترة المقبلة، وأهم معوقاته؟.
بداية الصدام
ظهرت المؤشرات الأولى لانهيار التحالف بين حزب نداء تونس وحركة النهضة أثناء إعداد قوائم الانتخابات المحلية فى إبريل الماضي، حيث رفضت حركة النهضة التنسيق مع نداء تونس، وترشحت على 100 % من القوائم البلدية، بواقع 350 قائمة لتتفوق على حزب نداء تونس الذى تلاها فى عدد المرشحين، فقد أدركت الحركة فى ذلك الوقت أهمية الانتخابات البلدية باعتبارها أول انتخابات محلية تجرى بعد الثورة التونسية، وتأكيد الدستور التونسى فى مادته 132 على خطورة دورها، حيث تتمتع الإدارات البلدية وفقا للدستور بالاستقلالية الإدارية والمالية، بالإضافة إلى أن نتائج الانتخابات البلدية تسهم بشكل كبير فى إعادة تشكيل المشهد السياسى، وتحديد هوية الأطراف المؤثرة فيه التى تتصدر الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.
ولم تكتف النهضة بتحقيق الفوز فى الانتخابات البلدية على نداء تونس، بل من منطلق مبدأ المغالبة الذى أرساه مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، سعت الحركة إلى الترشح على رئاسة بلديات تونس دون التنسيق مع حزب نداء تونس، وكان من أهم استحواذاتها، فوزها برئاسة بلدية تونس، حيث فازت مرشحتها سعاد عبدالرحيم على مرشح الحزب الحاكم، وهو ما دفع حزب نداء تونس للتبكير بإنهاء التوافق بينهما، حيث صرح فى ذلك الوقت “منجى الحرباوي” الناطق الرسمى لحزب نداء تونس، بأن “الكاشف أننا أنهينا التحالف مع النهضة من خلال نتائج الانتخابات البلدية، وما تلاها”. كما أن الحركة قبل الانتخابات المحلية بعام تقريباً، وبالتحديد منذ الانشقاقات التى أحاطت بحزب الرئيس السبسى ( نداء تونس) فى مارس 2017، تعمل جاهدة على استغلال الظروف السياسية، لتجاوز مأزقها فى انتخابات 2014، من خلال إعادة تنظيم نفسها تنظيمياً، لاكتساح المشهد السياسى من جديد لإعادة تموضعها على شاكلة 2011.  
مغالبة برلمانية
رفض حركة النهضة لمطلب الرئيس السبسى بإقالة “الشاهد”، جاء من منطلق إدراكها خريطة التوازنات، والتحالفات الجديدة المحتملة داخل مجلس نواب الشعب التونسي، التى تمثل فيه الأكثرية النيابية بواقع 67 عضوا مقابل 47 لنداء تونس بسبب الاستقالات التى كان آخرها فى سبتمبر الماضي. كما أن “النهضة” تعى تماماً حدود قدرة  الرئيس السبسى لاستخدام المادة (99) من الدستور، وعرض رئيس الحكومة على البرلمان لسحب الثقة منه، وخطورة تطبيق هذه المادة فى ظل تراجع عدد نواب نداء تونس، حيث إنها تسمح “ لرئيس الجمهورية بمطالبة مجلس نواب الشعب التصويت على منحه ثقة للحكومة للاستمرار فى عملها، مرتين بحد أقصى خلال المدة الرئاسية، وفى حالة تجديد المجلس الثقة فى الحكومة لمرّتين، يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلا”.
كما قد يكون إصرار “النهضة” على مساندة يوسف الشاهد ضد الرئيسى السبسي، لأهداف سياسية، منها الإبقاء على حكومة ضعيفة، واستمرار الأزمة بين الشاهد والرئيس لاستغلالها فى إعادة طرح نفسها للشارع حتى توقيت الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى العام المقبل، هذا بالإضافة إلى رغبتها فى تقزيم حزب نداء تونس داخل البرلمان، وتفكيكه، بعد ظهور كتلة الائتلاف الوطنى التى تشكلت من 42 نائبا تقريباً، ومساندتها ليوسف الشاهد فى الإعلام وفى البرلمان.
إضافة إلى ما سبق، تتصور حركة “النهضة” أن تمسكها برئيس الحكومة يوسف الشاهد، سيؤدى إلى إعادة رسم خريطة الكتل البرلمانية داخل مجلس نواب الشعب التونسي، وهو ما قد يصب فى مصلحتها، وتؤثر بالسلب على الأداء البرلمانى لحزب نداء تونس، خصوصا بعد خسارة حزب السبسى لمطالبته بإقالة الشاهد لثمانية نواب، وانضمامهم إلى الكتلة الوطنية التى تشكلت من المنسحبين منه، وبعض النواب المستقلين، وبعض نواب كتلة مشروع تونس، ونواب حزب الاتحاد الوطنى الحر، وهذه الكتلة تأخذ نفس موقف حركة النهضة من الحكومة الحالية، بل تمثل ظهيرا برلمانيا قويا للشاهد ضد نداء تونس. وفى غير المعلن تحاول حركة النهضة استغلال الاستقطابات الجديدة داخل البرلمان بأى شكل من الأشكال، فهى تتبنى موقف الكتلة الوطنية من حكومة الشاهد، لاستقطابها وتكوين أكثرية برلمانية لحسم عملية تمرير القوانين التى تعرض على البرلمان فى فترته المتبقية، حيث إن إجمالى عدد نواب الكتلة الوطنية الجديدة(45 نائب تقريبا) ونواب النهضة (67 نائباً) يمثلون الأكثرية فى البرلمان البالغ عدد أعضائه  217 نائباً، هو ما قد تؤثر فى مسارات مشروعات القوانين المقدمة من الرئيس والحكومة.
تغول سياسي
تأتى رغبة “النهضة” فى السيطرة على مجلس نواب الشعب التونسي، وإعادة بناء توازناته، وتغيير المعادلة السياسية خلال الفترة المتبقية على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية 2019، بهدف إضعاف نداء تونس، وتشكيل توافقات جديدة، تكون النهضة طرفا رئيسيا فيها، وقد يكون أهم هذه التقاربات المحتملة بين أطراف البرلمان، هو التوافق بين يوسف الشاهد والكتلة الوطنية كلاعبين جديدين فى الساحة السياسية وحركة النهضة.
صمود الحركة فى موقفها مع رئيس الحكومة، ينبئ عن احتمال حدوث أزمة قوية بين الرئيس السبسى والنهضة، تشتعل بعد أن يعلن “السبسي” عن خطوات رسمية لتغيير الدستور وتغير النظام الانتخابي، الذى تدرك “النهضة” آثاره الإيجابية على واقعها الانتخابى الجديد منذ إقراره فى 2014، حيث دعا الرئيس التونسى قبيل أزمته مع يوسف الشاهد وحركة النهضة، إلى تغيير الدستور وقانون الانتخابات، بهدف إعادة التوازن بين السلطات، قائلاً “يجب تغيير الدستور وتغيير القانون الانتخابي”.
تأسيساً على ماسبق، يمكن القول إن هناك قلقا بدأ يسود بين الأوساط التونسية منذ تقدم النهضة فى الانتخابات البلدية، وإدارة الانتخابات بالمحاصصة الأيديولوجية، حتى تصديها لموقف الرئيس السبسى من رئيس الحكومة، لدرجة أن بعض التوانسة يحذرون من أن خطر مشروع الإسلام السياسى فى دولة مدنية مثل تونس ما زال قائماً، مؤكدين أنه لا يمكن الاطمئنان لحركة النهضة بسبب المراجعات التى قامت بها فى مؤتمرها العاشر.
وإلى جانب التخوفات الداخلية التى بدأت تظهر فى الداخل التونسى من محاولات تغول “النهضة” على المشهد السياسي، ظهرت أيضا فى الأفق تخوفات خارجية، تمثل أهمها فى التخوفات الفرنسية فى الفترة الأخيرة، والتى تتمثل أهم دلالاتها، فى إعلان أكثر من جهة فرنسية عن مخاوفها من عودة الإسلاميين، بعد فوز الحركة بالانتخابات المحلية التى تعد الأولى منذ ثورة 2011، وحذرت تلك الجهات من خطورة عودة النهضة للحكم من جديد، بعد تسويقها لمؤتمرها العاشر وإقبالها على تحولات إصلاحية كبرى فى الفكر والممارسة.
فقد رأى بعض المراقبين أن الترويج الكثيف من حركة النهضة لمؤتمرها العاشر، وبالذات قبل الانتخابات المحلية أزعج فرنسا وأثار مخاوفها. وقد حذر جان بيير رافاران، رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق، ورئيس لجنة الشئون الخارجية والدفاع فى مجلس الشيوخ، من اكتساح الإسلاميين للسلطة فى تونس، معتبرا فى تصريح سابق لإذاعة فرنسية، أنه “وجب التحذير وإطلاق صافرة إنذار بضرورة مساعدة تونس، لأنها تمثل امتدادا للأمن القومى الفرنسى”. وأضاف “يتعين علينا مساعدة تونس لأنها تمثل حدودنا أيضا، وهناك بيئة سياسية مواتية لصعود الإسلاموية وغزوها للحكم بشكل ديمقراطى”.
وما يشير أيضاً إلى تخوفات الفرنسيين من تغول حركة النهضة على الحياة السياسية والاجتماعية، هو ما رصدته بعض وسائل الإعلام التونسية أثناء زيارة ماكرون إلى تونس نهاية يناير 2018، حيث كان لافتا للنظر فيها غياب إخوان تونس عن خريطة لقاءات الوفد الفرنسى منذ أن بدأت وحتى انتهت، وهذا الموقف لاقى استغرابا من كثيرين باعتبار حركة النهضة شريكا فى الحكم، وممثلة فى الحكومة والبرلمان. هذا التجاهل من الجانب الفرنسى أوحى للمراقبين بوجود تراجع فى مستوى العلاقة بين الحاكم الجديد لقصر الإليزية وإخوان تونس.
فى النهاية، يمكن القول إن محاولات حركة النهضة فى التغول على المشهد السياسى فى تونس قد يكلفها الكثير، ويمثل انتحاراً سياسياً، حيث إن اكتساحها الانتخابات البلدية الأخيرة فى ظل التخوف منها، وفشلها فى إدارة البلاد على مدى 7 سنوات، لعدم قدرتها على إدارة اقتصاد تونس المأزوم، قد يؤثر بالسلب على موقف الداخل والخارج منها فى فاعليات الانتخابات الرئاسية والبرلمانية 2019، التى تطمح النهضة فى تحقيق انتصار كبير فيها على حزب نداء تونس.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg