رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 18 اكتوبر 2018

مقالات



د. زكى نجيب محمود.. من يهاجم مصر.. يكتب بحوافره!!

5-10-2018 | 01:55
دينا ريان

جاءت علىّ فترة من فترات حياتى شعرت فيها أننى شخت وكبرت قبل الأوان.
ففى الوقت الذى كانت تلعب فيه صديقاتى دور «ما تزوئينى يا ماما»، استعدادا لمقابلة العرسان كنت أستعد أنا لمقابلة توفيق الحكيم أو نجيب محفوظ أو يوسف إدريس.. حتى قابلت د. زكى نجيب محمود وأصبحت لقاءاتى به وسيلة للتنفيس عما يدور فى رأسى من أفكار متناقضة بين الواقع المختار بكامل إرادتى والواقع المفروض «كُنت» أعيشه! ووسيلة أيضاً للاستعانة به فى التحقيقات الأدبية المكلفة بعملها أسبوعيا.
ومثلما تعلمت فى كلية الإعلام من أستاذنا جلال الدين الحمامصى فى بداية منتصف السبعينيات، أنه من الضرورى أن تعقد صلة صداقة بينك وبين المصادر بدءا من الوزير حتى الغفير، وجاءت تعاليم أستاذ أساتذة الصحافة مصطفى أمين أن الأسرار التى يحملها الغفير أهم كثيرا مما يعرفها الوزير فابدأ بها.
وبهذا الأسلوب الصحفى بدأت واستمرت فى حياتى الصحفية مما جعلنى أجالس وأصاحب الكبار فى كل شىء قبل الصغار والشباب، وكانت النتيجة أن فيلسوفا مثل زكى نجيب محمود يفتح لى بيته لأجلس معه ومع زوجته نتحدث وندردش وأنسى حجمى ولا أعيش عيشة سنى، فوجدت أن كل كلمة أو رأى هو ناتج عن خبرة ولو فلاح فى أرضه هى فلسفة تبحث عمن يسطرها.
كنا قد بدأنا فى الثمانينيات من القرن الماضى، وبدأ حديثه معى عن رؤيته للحقيقة وهو معصوب العينين إثر عملية جراحية كان قد أجراها واضطر أن يعيش فى الظلام فترة شفائه من العملية.
كانت الحقيقة التى رآها أول ما أغمض العينين هى مصر.. وكأنه عاد إلى داخله كما قال ليمسح دموع مصريته التى أهدرها البعض فى دول المهجر وهم يسيئون التعامل مع أنفسهم فيساء بالتالى لهم!!
وكانت قد بدأت هجرات الطبقة المتوسطة إلى الدول العربية وغيرها تزيد فى ظاهرة غير مسبوقة عقب الانفتاح الذى قال عنه أحمد بهاء الدين إنه «سداح مداح» وتعرض للوم من الرئيس السادات أثناءها.
أما الدكتور زكى نجيب محمود، الغيور على مصريته وجنسيته وأهل بلده من سوء معاملة البعض من بلاد المهجر لأهله هناك، فقال إن دموعى تسيل على سوء معاملة البعض مع علمائنا ومدرسينا ومهندسينا وأطبائنا الذين رحلوا ليبنوا مجتمعات لم يكن لها ماض ولا حاضر لولانا.
كنت أضحك فى نفسى من شدة الأدب والذوق والحياء وأسلوبه فى الحوار والتعامل ومناقشة الحدث لدرجة أنه لم يكن يلفظ كلمة مسيئة للأدب أو يستعير اسم حيوان، إنما وهذا الغريب كان يشير إلى صفات هذا الحيوان.. وفجأة تركت «الكاسيت» جهاز التسجيل الخاص بى الذى رأى العجب معى شرقا وغربا، تركته يؤدى واجبه الصحفى منفصلة عنه.. وأمسكت الورقة والقلم زيادة فى التأكيد لكتابة ما يقوله عمن يكره مصر ويسىء إليها، خصوصا من الأدباء أو الأقلام المأجورة الحاقدة على البلد شعبا وحكومة وأرضا.
وجاء رده عليهم.. واصفا إياهم بأن من يمسك قلمه ليهاجم مصر فهو يمسك قلمه بحوافره!! ومثلهم كتير.
ابتسمت ابتسامة اندهاش الطفل المعجزة وقد أعجبنى التشبيه كثيرا كأننى شربت فنجان قهوة محوجة!!
سألته كيف؟
فأجاب: إن من يكتب على مصر وأبنائها بأنه لا يريد أهلها! ولا أهراماتها كأنهما للبيع يستاهل أن يوصف بذلك ومنهم كثيرون.
أعجبنى منه أنه يفلسف ويشبه الرافض لمصر بأنه حمار دون أن يذكر كلمة الحمار، وإنما اكتفى بفلسفته.
قالها مترفقا أن يطلقها صراحة.. قالها كفيلسوف أو شاعر واكتشفت يومها أنه رومانسى شديد التعلق بالجذور والأرض والحضارة وأصلها.. مصر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg