مقالات



قيمة أزنافور

3-10-2018 | 15:37
سيد محمود

لا يمكن التفكير فى موت المغنى الفرنسى شارل أزنافور عن 94 عاما، إلا بوصفه علامة على غياب رمز فنى ارتبط بقرن كامل، لأن صوته هو التجسيد الحى للفرانكفونية، تلك الثقافة التى تتجاوز الحدود الجغرافية لفرنسا وتصل بها لأبعد من ذلك، فالفرانكفونية أكثر من كونها لغة للتعبير، وإنما هى طريقة للعيش والتفكير.
 
كما لا يمكن فهم واقع العالم العربى المعاصر دون صوت أم كلثوم، فإنه لا يمكن التفكير فى فرنسا دون صوتين كبيرين، يلخصان تنوع الثقافة الفرنسية وخصوصية إيمانها بالتنوع، الصوت الأول هو إديث بياف، والثانى هو صوت شارل أزنافور. 
 
والمفارقة المدهشة أن أزنافور مدين لإديث بياف باكتشافه وتقديمه، ولولا مصادفة اللقاء بينهما فى العام 1964، لعاش هو الأرمنى الأصل مثل أى فرنسى يولد لعائلة من المهاجرين. 
غير أن الحظ ابتسم له، عندما قررت بياف أن يغنى معها، ورتبت لتأخذه فى جولاتها الغنائية فى فرنسا والولايات المتحدة، وبفضل كرم هذه اللحظة الفارقة تمكن أزنافور من بيع أكثر من مائة مليون أسطوانة فى 80 دولة، وكثيرا ما كان يوصف بفرانك سيناترا فرنسا، فى إشارة لقدرته على اجتياز الآفاق، وإذا كان الفرنسيون يفاخرون بالجرح الكامن فى صوت بياف وسيرتها كامرأة واجهت الفقر والخسارة وعاشت ندوب البدايات، فإنهم مدينون لصوت أزنافور لكونه الصوت الذى ارتبط بعاطفة الحب، وهو هنا لا يمكن تشبيهه فى ثقافتنا إلا بصوت عبد الحليم حافظ، فكلاهما أخلص لهذا المعنى وعاش له، غير أن أزنافور بفضل السياق الفرنسى القائم على التعدد عبر عن تنوع فرنسا كأحسن ما يكون، لأنه غنى بخمس لغات وهى الفرنسية والروسية والإنجليزية والأرمنية والإيطالية والإسبانية، مما أكسبه شهرة عالمية، وقدم أكثر من مائة ألبوم، تمثل اليوم الأرشيف العاطفى لأجيال من العشاق المنتشرين بامتداد الفرانكفونية.
 
ويلفت النظر فى أزنافور، كون كفاحه لم يرتبط فقط بالغناء، وإنما بصناعة الموسيقى ذاتها، فهو كعادة المطربين فى الغرب، كاتب كلمات وصانع موسيقى ومدير أعمال لنفسه ولغيره من المنتجين وهى خبرة لم تتكرر كثيرا فى عالمنا العربى الذى عرف قيمة أزنافور ربما منذ أن أصر على استضافة أم كلثوم فى فرنسا وتحقق له ذلك فبدا عربيا بامتياز. 
ومع غيابه لا بد من القول بأن الخسارة الأعمق ليست فى الغياب الجسدى، الذى يمكن تعويضه بفضل الأرشيفات السمعية والبصرية، وإنما الخسارة تتعلق بالقيمة التى كان يمثلها كسفير للتنوع، وهى قيمة تعانى من خسارات متوالية أكثر من أى زمن آخر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg