رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 22 نوفمبر 2018

المجلة



احتفى بأفلام المهمشين وانتهى بذكرى أليمة.. «الجونة السينمائى» يختتم أيامه الساخنة بتتويجات مثيرة للجدل

5-10-2018 | 22:28
زين العابدين خيري

 
بداية أنعى زميلتنا الصحفية الشابة هند موسى، رئيس قسم الفن بجريدة التحرير، التى لقيت حتفها فى حادث أليم أثناء عودتها من تغطية مهرجان الجونة السينمائية فى دورته الثانية المنقضية منذ أيام، فكان رحيلها الصادم أسوأ طريقة ممكنة لتوديع أيام المهرجان الساخنة التى امتزجت فيها حرارة الجو بزخم المناقشات والجدالات حول الأحق بالجوائز. فلك يا هند الرحمة ولأهلك وزملائك وأصدقائك الصبر والسلوان.
وكانت مدينة الجونة قد شهدت أياما من النشاط السينمائى المكثف فى الفترة من 20 إلى 28 سبتمبر الماضي، حيث أقيمت فاعليات الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي، ما بين ندوات وورش ومحاضرات وجلسات نقاش، وبالطبع كانت البطولة للأفلام التى تجاوز عددها الثمانين فيلما تم عرضها فى مختلف البرامج والمسابقات، وانتهت لجان التحكيم فى المسابقات المختلفة إلى إعطاء الجوائز إلى 15 فائزا تقريبا. 
دائما ما أردد أن اختيارات لجان التحكيم فى جميع المهرجانات، والفاعليات السينمائية لا تعبر عن الأفضل بالضرورة دوما، وإنما هى تعبر فقط عن تفضيلات وذوق أعضاء هذه اللجان، وهذا طبيعى، حتى وإن اعتبر البعض أن هناك معايير فنية وموضوعية مجردة يجب أن يتم الاختيار على أساسها، لكن هذا لم ولن يحدث أبدا، فهناك دوما تفضيلات قد تكون غير موضوعية فى كثير من الأحيان، فالاختيارات ربما تتم على أسس سياسية أو اجتماعية أو شخصية أو لتوازنات معينة، دون أن ننسى أن أعضاء لجان التحكيم أنفسهم قد يكونون من الأساس غير مؤهلين واختيارهم لهذا المكان فيه شبهة مجاملة.
وعلى هذا الأساس أختلف –بهدوء- مع اختيارات لجان التحكيم فى الفاعليات السينمائية التى أحضرها، ومنها هذا المهرجان –الجونة السينمائي- الذى خالفت اختيارات لجان تحكيمه توقعاتى -وخصوصا اختيارات لجنة تحكيم الأفلام الطويلة-. لكنها فى كل الأحوال اختلافات حميدة تتوج الجدل المستمر بين ضيوف المهرجان بعد كل مشاهدة لفيلم.
لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة تكوّنت من المنتج الكرواتى سيدومير كولر، صاحب الفيلم المتوج  بالأوسكار "أرض لا أحد" رئيساً، وضمت فى عضويتها الكاتب الإيطالى كارلو شاتريان، والمخرج وكاتب السيناريو السريلانكى فيموكتى جاياسوندارا، والفنان والمنتج المغربى أحمد المعنوني، والمخرجة الجورجية أنا أوروشادزه، والنجمة المصرية منى زكي"، بجانب الفنان الفلسطينى على سليمان الذى لم يستطع الحصول على تأشيرة لدخول مصر، واختارت هذه اللجنة أن تعطى جائزة أفضل فيلم عربى روائى طويل للفيلم المصرى "يوم الدين" للمخرج أبو بكر شوقى فى أول أعماله الروائية، وهو الفيلم الذى شارك فى المسابقة الرسمية لمهرجان كان هذا العام، كما تم اختياره الشهر الماضى لتمثيل مصر فى مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بلغة غير الإنجليزية.
فيما منحت اللجنة جائزة نجمة الجونة الذهبية، لأفضل فيلم روائى طويل لفيلم (أرض متخيلة) للمخرجة السنغافورية سيو هوا يو، وجائزة نجمة الجونة الفضية لأفضل فيلم روائى طويل لفيلم (راى وليز) للمخرج ريتشارد بيلينجهام، وجائزة نجمة الجونة البرونزية، لأفضل فيلم روائى طويل لفيلم (الوريثتان) للمخرج الأسبانى مارسيلو مارتينيزي، أما جائزة أفضل ممثلة فأعطتها اللجنة لجوانا كوليج عن دورها فى فيلم "حرب باردة"، وجائزة أفضل ممثل للتونسى محمد ظريف عن دوره فى فيلم "وِلدي".
وباستثناء جائزتى التمثيل اللتين أرى أنه لا خلاف عليهما فإننى لم أتوقع على سبيل المثال أن يخرج فيلم "حرب باردة" من اختيارات اللجنة ليكون بين أحد الأفلام الثلاثة الأفضل، فالفيلم الفائز بجائزة أفضل إخراج من مهرجان "كان" السينمائي، تدور أحداثه بعد الحرب العالمية الثانية فى بولندا عن موسيقى وزوجته مهتمين بجمع التراث الموسيقى البولندى من القرى والأرياف البعيدة فى بولندا ثم يكونان فرقة للغناء والرقص الشعبى سرعان ما تتحول عن هدفها القومى النبيل بمجرد تبنيها رسميا من الدولة الأوروبية الشرقية، والحقيقة أن أسباب اندهاشى متعددة لتجاهل هذا الفيلم الفاتن بالنسبة لى، والذى بذل فيه مجهود كبير على عدة مستويات، منها تقديم التراث الغنائى الشعبى البولندى بالفعل بشكل خلاب يربطك بهذا المجتمع البسيط فى تلك الفترة فى منتصف أربعينيات القرن العشرين، بجانب تقديمه الصراع السياسى والاجتماعى ما بين المعسكرين الشرقى والغربى فى عز الحرب الباردة، دون أن يسقط أبدا فى فخ الابتذال السياسي، ودون حتى أن يذكر كلمة الحرب الباردة ولو مرة واحدة، بل اكتفى بتقديم كل ذلك من خلال استعراض قصة الحب متعددة المراحل والمحطات بين الموسيقار بطل الفيلم، وحبيبته التى كانت إحدى عضوات فرقة الفنون الشعبية التى قام بتكوينها.
إنه فيلم رومانسى بخلفيات سياسية واجتماعية وتاريخية، وهو فى كل الأحوال جيّد الصنع، وكان يستحق إحدى الجوائز غير جائزة التمثيل المستحقة والتى توقعتها ما بين هذه الفائزة جوانا كوليج، وآنا برون بطلة فيلم "الوريثتان" التى حصلت عن دورها فى هذا الفيلم جائزة الدب الفضى لفئة أفضل ممثلة.
أما الفيلم الحائز على النجمة الذهبية، فتدور أحداثه حول صداقة تنشأ عبر الإنترنت بين وانج عامل البناء الصينى الذى يعمل فى أحد مواقع الإنشاء المخصصة لتوسيع الأراضى وبين هاوى ألعاب إلكترونية غامض الهوية، يختفى وانج، ويحاول لوك المحقق العثور عليه واقتفاء أثره، وصولاً لمقهى الإنترنت الذى اعتاد التردد إليه ليلتقى مع صديقه الغامض.
 
سينما المهمشين
فيما تدور قصة فيلم "راى وليز" الحائز على النجمة الفضية فى ضواحى مدينة برمنجهام المهمشة، حيث تعيش عائلة «ريتشارد بيلينجهام» طقوسا متطرفة تكسر فيها محظورات اجتماعية، ويظهر فيها تشوشهم تجاه الحياة المُختارة لهم بسبب عوامل عديدة خارجة عن سيطرتهم. وبالعودة إلى ذكريات المصور والمخرج بيلينجهام، يركز الفيلم على والديه، راى وليز، علاقتهما، وتأثيرها عليه وعلى شقيقه الأصغر جاسون كطفلين ينشآن فى شقة مهملة فى مدينة الفحم الأسود. وكما فى عدد من الأفلام التى فازت بالحوائز أو تم اختيارها للمشاركة فى المسابقة الرسمية، وحتى فى الأفلام التى تم اختيارها للعرض خارج المسابقة، كان المهمشون هم أبطال هذه الأفلام كالفيلم اليابانى "سارقو المتاجر" الحائز على سعفة كان الذهبية هذا العام، ويقدم صورة ربما نراها للمرة الأولى للجانب المهمش المظلم من اليابان وهو على العكس تماما من الصورة الذهنية التقليدية التى تصور المجتمع تكنولوجيا ثريا متقدما يسبق العالم بسنوات عديدة، وتصوره أيضا كمجتمع تشكل الأسرة والعائلة التقليدية فيه رمزا مقدسا، ولكنه فى هذا الفيلم يضرب بكل ذلك عرض الحائط، ليقول إن رابطة الدم والزواج ليست أبدا شرطا لعلاقات قوية ومترابطة وبها حب حقيقي، بل ربما أشخاص لا علاقة بينهم من قريب أو من بعيد يشكلون أسرة أكثر ترابطا من كثير من الأسر التقليدية، أما معايير الشرف ومنظومة القيم التقليدية فلم تكن بعيدة عن مرمى نيران هذا الفيلم المهم.
ومن الأفلام التى تقدم المهمشين والمظلومين بشكل أثار الانتباه فيلم "كايلاش" للمخرج الأمريكى ديريك دونن الحائز على جائزة لجنة التحكيم فى مهرجان صاندانس 2018، وفيلم "وجه" للمخرجة مالجورزاتا شوموفسكا التى شاركت فى تأليفه، وقد فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة فى مهرجان برلين، وفيلم "الحَصّادون" للمخرج إتيين كالوس من جنوب إفريقيا.
 
يوم الدين
ومن أهم الأفلام التى تقدم هذه الفئات المهمشة فيلم "يوم الدين" للمخرج أبو بكر شوقي، الذى فاز بنجمة الجونة الذهبية كأفضل فيلم عربى روائى طويل، وفاز أيضا بجائزة أفضل فيلم فى جائزة سينما من أجل الإنسانية، وهو يقدم رحلة لمريض جذام سابق بمشاركة طفل يتيم فى محاولة للعثور على أهله فى صعيد مصر بعد ثلاثين عاما من ترك أبيه له على باب مستعمرة الجذام. وهو من نوعية الأفلام التى تستدر تعاطف المشاهدين ولجان التحكيم على السواء بسبب الميلورداما الإنسانية التى يقدمها والأسئلة الوجودية التى يطرحها على الرغم من أن المخرج يقدمها فى غلاف كوميدي.
جوائز الأفلام القصيرة والوثائقية، لم تخرج كذلك خارج دائرة الجدل المعتادة فى المهرجانات السينمائية حول مدى استحقاق هذه الأعمال لتلك الجوائز من عدمه، وقد رأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة ألى ديركس مؤسسة مهرجان أمستردام للفيلم التسجيلى (إدفا)، وضمت فى عضويتها المخرج الفلسطينى رشيد مشهراوي، ومبرمج الأفلام البريطانى كيث شيرى مستشار البرمجة لمهرجان لندن السينمائى الدولي، والمخرج اللبنانى هادى زكاك.
وقد أهدت اللجنة جائزة أفضل فيلم عربى وثائقى طويل لفيلم "عن الآباء والأبناء" للمخرج السورى طلال ديركي، الذى فاز أيضا بجائزة نجمة الجونة الفضية لأفضل فيلم وثائقى طويل، فيما فاز بجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقى طويل فيلم "ألوان مائية" للمخرج فيكتور كوسافوسكي، وفاز بجائزة نجمة الجونة البرونزية لأفضل فيلم وثائقى طويل "المرجوحة" للمخرجة اللبنانية سيريل عريس.
فيما ضمت لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة فى عضويتها: مبرمجة الأفلام النمساوية دوريس باور المتحدثة باسم منتدى مهرجان الأفلام النمساوى ورئيس برمجة مسابقة الأفلام التسجيلية بمهرجان ڤيينا للأفلام القصيرة، والممثل المصرى أحمد مالك، والممثلة الأردنية صبا مبارك، والكاتبة الإنجليزية ليز شاكلتون، ورأسها الفنان الفلسطينى كمال الباشا الحاصل على جائزة كأس فولبى لأفضل ممثل.
وكانت الجوائز كالتالي: جائزة أفضل فيلم عربى قصير لفيلم "ما تعلاش عن الحاجب" للمخرج تامر عشري، وجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم قصير كانت للفيلم التونسى "بطيخ الشيخ" للمخرجة كوثر بن هنية، وجائزة نجمة الجونة الفضية لأفضل فيلم قصير لفيلم "حكم" للمخرج ريموند جواتيريز، وجائزة نجمة الجونة البرونزية لأفضل فيلم قصير ذهبت لفيلم "أغنيتنا للحرب" للمخرجة هوانيتا أونزاجا.
بالتأكيد هناك دوما من سيتحيز لاختيارات لجان التحكيم وهناك من سيهاجمها، ولكن المؤكد أنها مجرد تتويج لمجهود كبير بذله صناع الأفلام التى شاركت فى المهرجان وتكبد صناعها عناء السفر للتواجد فى هذا الحدث السينمائى المهم الذى نتمنى أن يكبر كل عام ليظل واجهة مشرفة لمصر، باعتباره حدثا ثقافيا وفنيا مهما، وليس باعتباره فقط منصة للترويج لمدينة الجونة سياحيا، أو لفتح أو توثيق علاقات عمل بين مجموعة من رجال الأعمال من رعاة المهرجان.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg