رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



العيش «الفينو» غير المنضبط.. في صباح لم يعد يضحك!!

7-10-2018 | 01:33
وسام سعيد

ما أروع الصباح!! ...هو بلا شك وقت ساحر, له عشاقه ومحبوه , وكتابه ورساموه.
ثمة من يحب الاستيقاظ مبكراً... ليملأ رئتيه بنسيم عليل تداعب برودته الوجوه تحت شمس تظهر على استحياء، ولكن هناك أيضا في نفس التوقيت, من يستعد لتوه لدخول الفراش والبدء في النوم, معلناً نهاية يومه مع دقات السابعة صباحاً.

وسواء كان هذا أو ذاك فصباح المدارس والدراسة له طقوسه الخاصة والتي مهما اختلفت من بيت لآخر إلا أنها تمر بنفس الأجواء على الجميع , ويرضخ لقانونها ذلك الذى استيقظ باكراً للاستمتاع بنسيم الصباح , أو ذاك الذى قفز داخل (بيجامته) بعد يوم شاق .

قانون لا يرحم

قانون صباح المدارس.. قانون قاس ... لا يرحم لأنه يختص ببروتوكولات سريعة ومتلاحقة تتم بالكاد بين السادسة صباحاً حتى السابعة والنصف , ذلك الزمن الوجيز من المفترض فيه أن يستيقظ فيه البيت إما في وقت واحد أو بمتوالية , لدخول الحمام .
 

لذلك فهو الزمن الأسوأ على الإطلاق في عالم الصرف الصحي بمواسيره الأم والفرعية, وكم من وجوه متباينة تشاهدها مرآة الحمام كل صباح, منها العابس ومنها المبتسم , منها الآمل في الغد والقانط من أيامه , جميعهم ينظر لنفسه في المرآة بينما يقلب الصابونة تحت الماء بين يديه ويحدث نفسه فيما عساه سيحدث تحت شمس يوم جديد.

بروتوكولات صباح المدارس مربكة, تتسبب أحياناً – بل غالباً – في جملة من المشاجرات (ع الصبح) , فالأمزجة متعكرة ولم تحصل بعد على ما يظبط به موازين الدماغ كل حسب اصطباحته.

صباح المدارس لا وقت فيه لفنجان القهوة , وطقم الشاي الصيني , والتوست المحمص بالجبن , والكيك الإنجليزي في البلكونة كما يحدث في الأفلام المصرية فهذا إفطار لا يليق إلا بـ (ميرفت أمين) حين تقدمه لـ (نور الشريف) في إحدى أفلام عاطف الطيب أو سمير سيف.

الارتباك سيد المشهد

الارتباك هو سمة المشهد خاصة في هذا الصباح حيث يتحول المطبخ لغرفة عمليات لإعداد (الساندوتشات) التي تتمنى أى أم أن تفي بموعودها , وتنفذ خطتها وتقوم بإعدادها من المساء , ولكن شيئاً من هذه الأحلام والنوايا لا يحدث.

صناعة (الساندوتشات) تتخللها تمتمات عصبية وأدعية وحسبنة تتوجه رأساً , لصاحب فرن العيش الذى قام بخبز هذه الأرغفة , ولا يخلُ الأمر من لوم للزوج الذى قام بشرائها بهذا المستوى الرديء , ناسين ومتناسين أننا في زمن العيش الفينو (اللامنضبط) , وغير السالك. ولا أفهم لماذا يصر أصحاب المخابز على صناعة العيش الفينو بهذا المستوى, الذى يجعله يتحول لمرحلة الهشاشة والفتفتة بعد ربع ساعة من شرائه!!

وقد كان في الزمن الجميل كبير الحجم تقسمه نصفين, أعلاه غض طري , وأسفله قوى متماسك يسمح لك بفرش الحشو سواء كان (جبنة) أو (مربى) دون أن يتفتت أوة تخترقه السكين.
وكان للرغيف (كوع) مقرمش لا يفهمه ولا يعرفه سوى جيل بعينه , هذا الكوع لا يليق به إلا أن يغمس في القشطة أو العسل أو بعض الجبن , وتتبعه برشفة شاى بلبن من بتاع زمان.
عودة مرة أخرى للارتجال الذى هو سمة هذا الصباح , مهما تم الترتيب من الأمهات في المساء , ومهما ادعى الأولاد كذباً أنهم قاموا بتحضير كتبهم وجداولهم الكئيبة.
الأب يدعي هو الآخر كذباً أنه لا زال يغط في النوم , وهو تحت غطائه ينصت لكل تفاصيل المعركة والنزاع بين زوجته وبين (الكابو) كبير أولاده أو فتاته التي تحاول الفكاك من تحكمات أمها لتفلت بقصة شعر مختلفة أو أى ملمح يشعرها بأنوثتها خلف (يونيفورم) المدارس القاسي.

ولا يرفع الرجل الغطاء إلا اذا احتدم الأمر وارتفع (تون) الصوت , وبدأ السباب من الأم يجبره على الدخول في القصة حين تصرخ بصوت عال: يا ولاد الـ .... , وفور أن يرفع الغطاء عليه ألا يحاول فهم ما يجري لأنه لو قام بأى تصرف أو سلوك إلا دعم الزوجة يدفع الثمن غالياً , ويدخل في مناظرة حية على الهواء مباشرة قد تمتد حتى الظهيرة , وربما تستكمل توابعها بعد العودة من العمل خلال تناول العشاء.

صباح عابس

صباح المدارس لم يعد يضحك أو يبتسم ويمنح الأمل كما كان ذى قبل, حين كانت محطة البرنامج العام تذيع عدة مسامع صوتية مبهجة تبدأ بـ (مولاي) للراحل سيد النقشبندى , و(ياصباح الخير ياللى معانا ) لأم كلثوم , أو (يا حلو صبح يا حلو طل) لمحمد قنديل , و(قطرات الندى) لفاروق شوشة , ثم اللحن الرشيق الرائع لأخبار خفيفة , ثم (يا ولاد يا ولاد تعالوا تعالوا علشان نسمع أبلة فاضيلة).

صباح المدارس الآن ...صامت عابس ... الأم لا تمتلك فيه من الطاقة ما يمكنها من سماع هذيان طفلها وتخاريفه , فيستيقظ هو على صوتها العابس , (قوم بقى يا ولد ...وابقى نام بدري بدل ما بتصحى كل يوم بضرب الجزمة) ولا يرى من وجهها إلا ملامح مهمومة مكلومة لم تنم إلا سويعات من التفكير وصعوبة التدبير.

والأب له حالان ... إما جالساً هو الآخر ممتعضاً على مقعد السيارة نصف نائم , وينهر أبناءه بشدة لأنهم يتلكأون في الركوب , أو في فراشه نائماً من فرط إرهاقه وتعبه لو كان ممكن يشترون راحتهم في هذه الساعات بآلاف الجنيهات مشتركاُ في (باص المدرسة) , فلا يقوَ على مجرد الاستيقاظ لتحية أولاده ومشاركتهم أجواء الصباح.

عبارات خالدة
هناك عدة عبارات ثابتة ربما يختلف نصُّها من بيت لبيت مثل:
- البسوا جواكت وتقلوا ... الدنيا بردت!!
وتأتي الإجابة قطعاً بالرفض ...فيأتي الرد بعد الشتيمة:
- والله العظيم لو حد منكم شفته بيكح لاخرب بيته!!
ومن العبارات الخالدة أيضاً : (عارفين لو الساندوتشات دى رجعت ...مفيش مصروف)
وأيضا تأتي الإجابة بالسخرية والامتعاض من الثلاثية المقدسة (الفول والجبنة والمربى) الطعام الرسمي والكلاسيكي لطلبة المدارس المصرية
أخيرا...صباح المدارس ...أهم توقيت في صناعة الأجيال القادمة ...فهو مصنع الذكريات فيما بعد ...وهو أول ما يشكل وعى الطفل حين يستيقظ ويبدأ يوماً جديداً.
فأين ذهبت الضحكة؟! ...ومتى غابت الابتسامة عن صباحاتنا؟!
هل تاهت في حسابات الديون والمصاريف التي تُحاك ليلاً بعد فرش النقود والأوراق والفواتير على السرير؟!
أم أن العيش الفينو غير المنضبط هو خطة دولية ماسونية للقضاء على أطفالنا ومن ثم على مستقبلنا؟!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg