رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



التعليمُ الخاص.. وهيبةُ الدولة

10-10-2018 | 00:14
د.عمرو بسطويسى

 

 
إذا مَا دارت عُقولُنا بَاحثةً فى فهرسِ الحياة عن مُقوِّمات الحضارةِ والتَطور، فلابُد لها أن تَقف بِكلِّ احترامٍ وإجلال أمام أكبر وأعظَم هَذِهِ المُقوِّمات ألا وهو «التعليم». 
والتعليم هو كالهرم، فهو شامخٌ فى شكلهِ ومقامِه، ولَهُ بُنيان يَتوجَّب فِيهِ القوة، وله قاعدةٌ يُبنى عليها ما يَتلوها من طبقات، ولهُ قِمَّةٌ نَصبو إليها جميعاً. وفى النهايةِ يظلُّ مَهيباً فى وقفتهِ ليُضفى على الأمةِ زَهواً وعِزَّة بين كل الأمم، فبالتعليم والعِلم تَرقى الشعوب وتصل إلى ما تُريد من نجاحٍ وتطور. 
والتعليم هو العنصرُ الأساسيّ فى منظومةِ وفنِ صِناعة الإنسان، وذلك فى الدول التى تُدرك أهمية هَذِهِ الصناعة. وقد كانت مصرُ المحروسة هى من أوائل الحضارات التى أدركت هذا الأمر، فكان المصريُّ القديم مُميزاً فى كُلِّ شيء. وكانَ لمصر أول مدرسةٍ فى زمن المصريين القدماء - أو مَن يُطلق عليهم العامةُ جُزافاً لقبَ الفراعنة - ثم أُلحقت المدارسُ بالكنائسِ فى العصرِ المسيحي، ثم بالمساجدِ مع دخول الإسلام، ثم تطورت الأمور فى مصر ليتنوّع التعليمُ فكانَ مِنه الحرفيّ والطبيّ والعسكريّ والدينيّ وبعدها ظهرت الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة وغيرُها. 
و كانت حرفةُ التعليم لعصورٍ حِكراً على الدولةِ اللهُمَّ باستثناء الكتاتيب التى كان يحفظُ فيها الفِتيةُ والفَتيات القرآن مُقابل أُجورٍ تُعَدُّ فِتاتاً. 
وقد شهَدَت مصرُ فى الخمسين سنةٍ الماضية تقريباً تغييراً كبيراً فى هذا الشأن، فقد بدأ التعليمُ الخاص بدرجاته يظهَر ويَزيد ويُبرز نفسَه على سطح هذه المنظومة بقوة. وأودّ فى هذه السطور أن أُرَكِّز أكثر على التعليم الأساسى ما بين الابتدائى إلى الثانوي. فقد كُنا ونحن صغار ننظُر إلى من يلتحق بمدرسةٍ خاصة على أنه ضعيف دراسياً وأقل ذكاءً من أقرانِه، ثم تَدرَّجت الأمور ليُصبح التعليم فى المدارس الخاصة هو الهدف الأول لكلِّ أسرةٍ والاستثناء أن يلتحقُ الطلاب غير القادرين مادياً فقط بالمدارس الحكومية. وبهذا فقد ظهر هذا التصنيف الغريب ما بين مدارس حكومية ضعيفة الأداء، وكل شيء فيها مُباح ومدارس خاصة ينعمُ طلابُها برفاهيات متعددة ومستوى دراسيّ أفضل، وقد ظهر منها الأمريكيُّ والإنجليزيُّ والفرنسيُّ والألمانيِّ وحتى اليابانيّ. وصِرنا نسمع عن مبالغٍ فَلكية يُسددها الأهالى لِقاء تعليم أبنائهم فى تلك المدارس تَفوق فى كثيرٍ من الأحيان تكلفةَ الدراسة فى كليات الجامعات الخاصة. ولم يتوقف الأمرُ عند هذا الحد، فبعض المدارس تتمادى فى طلباتها من الأهالي، فيبدأ العام الدراسى وكُلُّ وليِّ أمرٍ يَحمِلُ فَوْقَ ظهرِه أكياساً من ورق الطباعة ومُستلزمات التعليم حتى مُستلزمات النظافة الشخصية للأطفال ودورات مياه المدرسة من ورق صحى ومُطَهِّرات!!. حتى الكتب المدرسية الدولية يستلمها الطلاب مُصَوَّرة برداءة بالأبيض والأسود، ويدفع مقابلها آلاف الجنيهات. 
و هكذا فقد تحول الموضوعُ برُمَّتهِ إلى تجارةٍ بَحتة وصارَ العديد من أصحابِ المدارس يبتدعون الطُرق للتَهرُّب من مُحاولات تَحكُّم وزارة التربية والتعليم فى الأمور المالية - وهى فى مُجملها ضعيفة -، فتارةً يطلبون من الأهالى سدادَ أموالٍ فى حسابات بنكية بعيدة عن المدرسة، وتارةً كما ذكرنا يجبرونه على شراء مُستلزمات هى واجبٌ أساسيّ على أيةِ مدرسة، فلا تطالُهم اللوائح المنظمة مِن قِبَل الوزارة. أما زيادة تكاليف التعليم فحَدِّث ولا حَرَج. فإن عامَ الجُنيه قَفَزت التكلفةُ ضِعفاً، وإن زادَ سعرُ البنزين قَفزت ضِعفاً آخر وبِدون أى تواز حِسابيّ مَنطِقيّ وبلا حَسيب ولا رَقيب. ولا تُوجد أية مَنظومة واضحة ومُعلنة تسمح لأولياء الأمور بالتعَرُّف على ما يجب سَداده حَقاً لتلك المدارس عن طريق الوزارة المعنية وهى وزارة التربية والتعليم. 
أُدرك تماماً أنَّ هُناك جَهدا جبّارا تقوم به هذه الوزارة المهمة فى الآونةِ الأخيرة للارتقاء بمستوى المدارس الحكومية والوصول بها إلى مستوى يضمن مُنتجا بَشريا يُحافظ على مُستقبل هذا الوطن. ولكننى أَهيبُ بمسئوليها أن يُعيروا الكثيرَ مِن اهتمامهم للمدارس الخاصة بشكلٍ مُساو، وأن يُدركوا أن ثروات المواطنين المادية والمستباحة كما ذكرنا، هى جزء مهم من ثروة الوطن ولا يَصِح أن تُهدر أموالُ المواطنين بِغير حَقٍ، لتَصُب فى جيوبٍ معينة دون غيرها وبلا منطق يبررُها. فإن كلَّ فائضٍ ماليّ ونقديّ بحوزة الأسر التى تُعلِّم أبناءها فى تلك المدارس هو جزء من اقتصاديات الدولة، فإن تَوَفَّر، يُمكن أن يتوجه إلى السوق المحلى فينعش الشراء والتجارة ويمكن أن يوظفه البعض فى مشاريع تنموية وإن كانت صغيرة، أو أن يضيف إلى مخزون البنوك من العملات. 
وهناك الكثير من أولياء الأمور الذين شَرعوا فى عَمَل حِساباتٍ مَنطقية لما يتم إنفاقُه عَلى أبنائهِم مُنذ الحضانة وحتى الجامعة، وانتهوا إلى أنه مِن المَنطقى أن يوفروا لهم هَذِهِ الأموال الطائلة على مَرِّ السنين، لِتكونَ لهم سنداً بعد التخرج، وأن يستبدلوا المدارس الخاصة بأن يُدخلوا أبناءهم أسوأَ مدرسةٍ حُكومية قَريبة من المنزل، فلا تطأها أقدام أبنائهم، ويتحول التعليم إلى دروس خصوصية بالمنزل تكون أقل كلفة، وتَنتهى بامتحان نهاية العام فى ذات المدرسة المهجورة على مر شهور السنة. وهذا وضع لجأ إليه الكثيرون فعلاً. 
وبهذا فقدَ التعليم رَونَقه والأهدافَ المَرجُوَّة مِنْهُ، مِن تَفاعل مُجتمعى وتكوين لشخصيةِ الطفل الثقافية والرياضية والدينية والعلمية وارتباطه بمفاهيم الوطن والانتماء لمصر الحبيبة. 
وها قد حَوَّلنا أطفالنا إلى أكياسٍ يتمُ حشرها طوال العام بعلومٍ جافةٍ، يسكبونها آخر العام على أوراقِ الامتحان ليلتحقوا بالجامعات بَعدها، وهم أبعد ما يكونوا عن كونِهِم مُستعدين لهذه المرحلة الأكثر خطورة فى التعليم. 
نَحْنُ كمواطنين نُدرك جُهد الدولةِ لتغيير منظومة التعليم، لَكن حتى يحين الوقت الذى تؤتى فيه ثمارُ هذا الجهد الكبير، هل ستترك وزارةُ التربية والتعليم البعض من المدارس الخاصة، تعبثُ بأولياء الأمور ومُقدراتهم المالية، كما تشاء دون حسيب أو رقيب. هل ستتنازل هذه الوزارة المهمة عن دورِها الوطنيّ فى مراقبة ومتابعة المناهج الوطنية فى المدارس الدولية، بِما يضمن خريجين يحملون لواءَ الوطنية وحب مصر فى قلوبهم وأن يكون انتماؤهم لمصر فقط دونَ غيرِها. 
هذه الأسئلة هى مُلحَّة وتحتاج إلى إجابات. نعم نَحْنُ فى حاجةٍ إلى إجابات تُثبت وجود قبضة حديدية للدولة المصرية على منظومةِ التعليم الخاص، وأن تُحافظ الدولةُ المصرية على ثرواتِ المواطنين ومُقدراتهم المالية. وفى هذا فرضٌ لعِزةِ الدولة وهيبتَها بِغَيْرِ نِقاش.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg