رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 22 نوفمبر 2018

المجلة



من رفاعى سرور إلى جيل «قوارب الإرهاب» العابرة للحدود: قصة صعود وسقـوط «عشماوى»

12-10-2018 | 00:23
نبيل شرف الدين

مخزن المعلومات وممول العمليات الإرهابية فى مصر
 
معلومات مهمة خلال استجواب عشماوى وتفاصيل تكشف أنه نموذج للخيانة والإرهاب العابر للحدود 
 
يشكّل القبض على الإرهابى الأشهر والأخطر هشام عشماوي، «ضربة نوعية» توجت جهود الجيش الوطنى الليبي ، فالصيد ثمينٌ لأنه لم يكن هدفًا عاديًا، بل كان المسئول الأبرز عن تطوير القدرات القتالية لعدة تنظيمات إرهابية، ظلت تنشط عبر الصحراء الغربية منذ سنوات، وأبرزها فلول جماعة «أنصار بيت المقدس» السابقة، التى تحولت لاحقًا لما يُسمى تنظيم «مرابطون»، كما يُعدّ ضبط عشماوى حيًا محطة مفصلية فى عمليات مواجهة الإرهاب، وإنجازًا أمنيًا بالغ الأهمية، لأنه كان يشكّل تهديدًا خطيرًا، وسيقطع ضبطه معظم الاتصالات والإمدادات بين شتى المنظمات الإرهابية، الأمر الذى سيُسهم فى محاصرة المخاطر الأمنية على الجبهة الغربية لمصر، بالإضافة إلى ما يحمله إرهابى بهذا الوزن من مخزون معلوماتى هائل ـ كمًّا ونوعًا ـ حول المخططات وخريطة الانتشار، ومصادر تسليح وتمويل المجموعات الإرهابية النشطة على الحدود الغربية المصرية، ناهيك عن تأثير ضبطه السلبى معنويًا وماديًا على تلك الكيانات الإجرامية التى تتألف من عناصر جاءت من شتى أنحاء العالم، مُحملة بخبرات قتالية وثروات مشبوهة ودعم لوجيستى من قبل أطراف إقليمية ودولية فى ظاهرة بات يُطلق عليها «قوارب الإرهاب» العابرة للحدود.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القبض على عشماوى بتقدير خبراء أمنيين، سيؤدى إلى كشف ملابسات كل العمليات الإرهابية، ليس فقط فى مصر وليبيا فقط، بل سيمتد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا برمتها، لا سيما أن النفوذ الاستخباراتى القطرى ـ التركى على الساحة الليبية، والمحاولات المستمرة لاستهداف الأمن القومى المصري.
وأعلنت مصادر ليبية، القبض أيضًا على زوجة الإرهابى عمر رفاعى سرور وابنتيه، رفقة شريكه هشام عشماوي، فى تأسيس تنظيم «المرابطون» الناشط بليبيا، والموالى لتنظيم «القاعدة»، ويُعد بمثابة المرجعية الشرعية لأغلب التنظيمات المتطرفة، ويأتى دوره امتدادًا لدور أبيه، رفاعى سرور جمعة (1947 - 21 فبراير 2012)، وهو من الجيل الأول لمؤسسى حركات السلفية الجهادية، وكثيرًا ما عبّر أيمن الظواهرى عن بالغ احترامه، حيث سُجنا معًا وقدم العزاء فى وفاته بمقطعٍ مصور، وتتلمذ على يديه كثيرون من رموز الإرهاب وقادة منظماته، وهو ما يؤكد حقيقة مفادها استمرارية تفريخ تلك الكيانات لأجيالٍ جديدة من الإرهابيين، لاستنادها جميعًا إلى مرجعية فكرية وفقهية مشتركة.
وسُجن رفاعى سرور عدة مراتٍ منذ ستينيات القرن العشرين، وكان ضمن المتهمين فى القضية رقم 462 لسنة 1981 ـ حصر أمن دولة عليا، والشهيرة باسم «قضية تنظيم الجهاد»، ثم خرج ليعكف على مواصلة التنظير للأفكار المتطرفة، ومن أشهر كتبه: «عندما ترعى الذئاب الغنم» و«أصحاب الأخدود» و«علامات الساعة»، وسُجن أخيرًا عام 2005.
وكما سنفصّل الأمر لاحقًا فقد تورط عشماوى فى عدة عمليات إرهابية خطيرة، كالمساهمة فى رسم خطط وتحركات المجموعة المُنفذة لاغتيال النائب العام الراحل المستشار هشام بركات، وحادث الواحات الإرهابى 2017، والهجوم على كمين «كرم القواديس» عام 2014، واستهداف مديرية أمن الدقهلية، والهجوم على حافلات الأقباط المتجهة إلى دير «الأنبا صموئيل المعترف» الأمر الذى أدى لاستشهاد نحو 30 شخصًا، كذلك الهجوم على عملية الأمن الوطنى بالواحات والتى راح ضحيتها نحو 16 شهيدًا.
عدة أجهزة أمنية رصدت سفره إلى تركيا بتاريخ 27 إبريل 2013، وتسلله عبر الحدود لسوريا، حيث تلقى تدريبات من تنظيم «جبهة النُصرة» الموالى لـ«القاعدة» فى تصنيع المواد المتفجرة والعمليات القتالية وسرعان ما عاد لمصر، ليشارك فى اعتصام أعضاء جماعة الإخوان الإرهابيين فى ميدان «رابعة العدوية»، وعقب فضّه وهروب المعتصمين المطلوبين قضائيًا وأمنيًا، كانت ليبيا الملاذ الآمن لعشماوي، إذ شكّل فى معسكرات «درنة» خلية تُسمى «أنصار بيت المقدس» ، وفى يوليو 2015، أعلن «عشماوي» الذى أصبح يُكنى بلقب «أبو عمر المهاجر» انشقاقه عن تنظيم «داعش»، وتأسيس تنظيم «المرابطون فى ليبيا»، الموالى لتنظيم «القاعدة بالمغرب الإسلامي».
لكن الخطير فى «حالة عشماوي» يكمن فى انتشار أفكار السلفية الجهادية اجتماعيًا خلال قرابة نصف قرن، وتزامنًا مع موجة عمل ملايين المصريين ببعض الدول العربية التى كان الفكر السلفى يتمدد فيها حينذاك على نطاق واسع، وبالتالى فقد تأثرت قطاعات بالغة الأهمية كالتعليم والثقافة بأفكار دخيلة على المجتمع المصرى المتصالح دينيًا وحضاريًا، وأسهم المناخ السياسى إبان حكم السادات بعودة «الإخوان المسلمين» إلى الساحة عقب إطلاقه سراحهم من السجون، وسماحه برجوعهم من المنافى العربية والدولية فى ظل سياسة استخدامهم سياسيًا ضد معارضيه اليساريين والناصريين، وواكب ذلك استيراد «المنظومة السلفية الظاهرية» التى أيقظت جذورها التاريخية بمصر، متمثلة بجماعات مثل «التبليغ، وأنصار السُنّة» وجناح «القطبيين» الإخوانى لتتفاعل كل هذه الروافد وتُشكّل حالة تشدد مجتمعية تتسم بالنفاق الاجتماعى والالتزام الصارم بالطقوس، وثقافة الكراهية ورفض الآخر المختلف، ليس دينيًا فحسب، بل امتد ليطال عوام المسلمين التقليديين ممن يعتنقون ما يصطلح بتسميته «الدين الشعبي» وهو مزيج صوفى ـ أزهرى وجذور حضارية قبطية ومنظومة أخلاقية رسخت عبر قرون.
ولم يكن العاملون فى أجهزة الدولة خارج السياق، لأنهم فى نهاية المطاف شريحة اجتماعية، فهؤلاء لا نستوردهم، لكنهم أحد مُكونات الطبقة الوسطى التى يلتحق أبناؤها بمؤسسات الدولة الجامعة، وهؤلاء أبناء زمنهم ومجتمعهم ومن البديهى تأثرهم بتحولاته ومدخلاته، فأصبحت مهمة استقطاب بعض المتعصبين ليست مُستبعدة، ولعل تلك الرؤية البانورامية هى المدخل الصحيح لفهم تلك الظاهرة وتفكيكها ومواجهتها جذريًا، وعدم التعاطى معها باعتبارها مجرد حالات فردية، حتى لو كانت هكذا، فهى تُشكّل مخاطر انتبهت إليها جيدًا الأجهزة المعنية بالدولة، خصوصا عقب التحولات الكبرى التى أفرزتها توابع احتجاجات 25 يناير 2011، التى كانت «كاشفة» لتلك الحالة.‪ ‬
 
تحولات «قوارب الإرهاب»
وسط تلك التفاعلات التى بدأت بسبعينيات القرن الماضى وصولاً للألفية الجديدة أفرز المجتمع ظواهر سلبية تجسدها حالة هشام عشماوي، وبتحليل مضمون سيرته الذاتية سنكتشف مفاجآت عندما ظهرت عليه بوادر اعتناق الأفكار المُتطرفة ومحاولاته نشرها على عدة أصعدة، وهناك واقعة شهيرة حينما وبّخ قارئًا للقرآن بمسجد كان يُصلى به لخطئه بأحكام التلاوة، وظل عشماوى يُصعد أفكاره المتطرفة.
وظل عشماوى مجهولاً إعلاميًا، حتى أعلن رسميًا عن وجود تنظيم جهادى يقوده باسم «المرابطون» فى ليبيا ، وأتهم باغتيال النائب العام هشام بركات، وقبله كانت محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم التى كشفت هويته رسميًا ، فبعد أقل من شهر على فض اعتصام رابعة وتحديدًا يوم 5 سبتمبر 2013، خطط عشماوى وإرهابيان آخران للعملية الفاشلة، وجرى توزيع الأدوار حيث تولى رصد تحركات موكب الوزير، باعتباره يقطن بالقرب من منزل الوزير، فجهّز عماد عبد الحميد العبوات المتفجرة، ونفّذ وليد بدر العملية الانتحارية، وفقًا لشهادة زوجته بتحقيقات النيابة، حيث استقبل المنفذين بمنزل العائلة الذى أسسه والده ليجمع شمل أبنائه بـ«ـتحويشة العمر» عام 1984 وخصص أسفله «زاوية» للصلاة، وغادر هشام المنزل صباح الخامس من سبتمبر 2013 قائلاً لزوجته المُدرسة الجامعية إنه سيسافر فى مهمة للإسكندرية، وخلال مداهمة المنزل عثرت أجهزة الأمن على أسلحة وكمية متفجرات كبيرة وبيانات منفذى العملية ليأتى ترتيبه التاسع فى لائحة المتهمين، وشريكه عماد عبد الحميد العاشر فى القضية الشهيرة إعلاميًا باسم «أنصار بيت المقدس» المتهم فيها 213 متهمًا بنحو54 جريمة بالتنظيم، الذى كان يُشكّل مخاطر أمنية بالغة.
وفى تقرير لأحد أجهزة الأمن العربية قدمه لمنظمة الإنتربول (الشرطة الدولية) واستند فيه لعددٍ ضخمٍ من الوثائق والشهادات أن تنظيم «القاعدة» لم يمت أو يتراجع دوره بمقتل أسامة بن لادن، بل أسس خليفته أيمن الظواهرى تحالفاتٍ مع نحو 30 منظمة إرهابية حول العالم، وحصل على أسلحة ومتفجرات بنحو 50 مليون دولار، وأقام أكثر من عشرين محطة تابعة له فى الشرق والغرب، وأضاف التقرير أن التنظيم الأم سلح وموّل الشبكات وثيقة الصلة بالجماعة المسلحة المتمركزة فى المنطقة والتى تهرب من دولة لأخرى، ووفقًا للتقرير أيضاً فإن «القاعدة» يستخدم  ما بين 70 إلى 80 شركة وهمية، بعضها يمارس أنشطة تبدو مشروعة بهدف إخفاء أنشطته الحقيقية، وأنه يستخدم آلافاً من المتعاونين معه فى تحقيق أهدافه البعيدة والقريبة، ويغمرهم بالأموال ويملك استثمارات مالية فى أسواق الأوراق المالية فى أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
‪ ‬
تنظيمات إرهابية
إثر تبادل الاتهامات بين قيادات تنظيمى «داعش» و«القاعدة»، والاقتتال بينهما فى سوريا، بدأ عشماوى تدشين جماعة جديدة أسماها «المرابطون»
ووفقًا للتحريات الأمنية فى ملف القضية، فإن «القاعدة» يمّول عشماوى وتنظيمه الصغير نسبيًا، لكن عناصره مُدربة جيدًا باعتبارها تضم خبرات قتالية سابقة، بالإضافة إلى تلقيهم تدريبات فى معسكرات بليبيا، وارتباطهم هناك بعدة تنظيمات إرهابية، وتجهيزهم بعتاد متطور وأسلحة ثقيلة، وتؤكد ذات المصادر أنه شكّل جماعة «المرابطين» عقب عملية «كمين الفرافرة»، فى يونيو 2014 ، فقرر عشماوى ومجموعته مغادرة سيناء، وتنفيذ سلسلة عمليات نوعية بمحافظات الصعيد والقاهرة، كان أبرزها مثلاً قضية «عرب شركس» التى أُعدمت على خلفيتها خلية ألقى القبض عليها، وهرب هشام قبيل مداهمتها بساعات، فضلاً عن عدة عمليات استهدفت مقرات  فى الإسماعيلية (أكتوبر 2013)، ومديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة (ديسمبر 2013)، ومديرية أمن القاهرة (يناير 2014) بعد نحو عام من بداية المواجهات شنّ «أنصار بيت المقدس» أكبر هجوم على قوات الجيش بنقطة تفتيش «كرم القواديس» فى أكتوبر 2014
وتؤكد ذات المصادر أن معسكرات «المرابطون» اتخذت مدينة «درنة» الليبية، لسهولة دخول مصر عبر البوابة الغربية، ويعد التنظيم امتدادًا لآخر يحمل نفس الاسم وينشط شمال «مالي» والصحراء الكبرى، وأكدت أيضًا تبعيته لتنظيم «القاعدة» بعدما عُزل أميره السابق المُبايع لـ«داعش» عدنان أبو الوليد، وهو ما يؤكد عودة «القاعدة» إلى أنشطتها الإرهابية بشمال إفريقيا لمواجهة تمدد «داعش» بهذه المناطق.
 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg