رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

المجلة



قبل مؤتمر إيطاليا بأيام: الخلاف الفرنسى ـ الإيطالى يعرقل الحل السياسى للأزمة الليبية

26-10-2018 | 00:01
العزب الطيب الطاهر

شكوك حول إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية فى 10 ديسمبر ودخول واشنطن على خط روما يعمق الأزمة

سألت «الأهرام العربى»، السيدة «فيدريكا موجرينى»، الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، عن رؤيتها لمخاطر الانقسامات الأوروبية تحديدا الإيطالية ـ  الفرنسية التى تعرقل من إمكانية بلورة حل سياسى للأزمة الليبية، وذلك على هامش مشاركتها فى الاجتماع الرباعى، الذى استضافته الجامعة العربية فى شهر مايو الماضى، بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى إلى جانب كل من الجامعة والاتحاد الأوروبى، فنفت  بشدة وجود تناقضات فى المواقف الأوروبية مؤكدة، حرص الاتحاد على المشاركة بفاعلية  فى دفع خطوات الحلول السياسية والتوافقية للأزمة. وخلال زيارته الأخيرة للقاهرة قلل الدكتور غسان سلامة المبعوث الأممى إلى ليبيا من الخلاف بين الدولتين: فرنسا وإيطاليا، بل وصل به الأمر إلى القول إنه كان فى الماضى ولم يعد فى الحاضر. 
 
غير أن الشواهد والوقائع، تؤكد أن ثمة تناقضا وتباينا  واضحين بين رؤية كل من باريس وروما، حيال هذه الأزمة التى تتماس بشكل مباشر مع مصالح العاصمتين، فكل منهما تسعى لأن تكون صاحبة اليد الطولى فى المشهد الليبى، وتتخذ من آلية استضافة المؤتمرات الدولية، والانخراط فى لعبة التحالف مع أطراف محلية، ترى كل منهما أنها الأقدر على فرض معادلتها فى هذا المشهد، ولكن من دون اعتبار لمصالح ليبيا فى الاستقرار والتوحد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتجاوز تداعيات سبع سنوات عجاف، أفضت إلى حالة من الفوضى غير المسبوقة، والانقسام والتشظى وتدمير البنية التحتية للبلاد، ودفع مئات الألوف الى النزوح الداخلي أو الاضطرار إلى اللجوء بالخارج.    
 
تصاعد حدة الخلاف
ففى مطلع سبتمبر الماضى، تصاعدت حدة الخلاف بين فرنسا وإيطاليا حول الملف الليبي، تزامنا مع تطورات ميدانية أمنية وسياسية، أبرزها حالة الاقتتال بين الميليشيات فى العاصمة طرابلس، والتباعد بين الفرقاء السياسيين ما دفع خارطة الطريق التى تتبناها الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الخاص غسان سلامة إلى التراجع، لكنّ الجديد هو أنّ التصريحات المتبادلة بين الدولتين الأوروبيتين بدأت تتجه إلى مفردات الوضع الأمنى، وإن كانت المفردات السياسية لم تغب عن دائرة التباينات، وفى صدارتها العملية الانتخابية التى شكلت خلال الأشهر القليلة المنصرمة  محورا للتباين. فبينما تلح باريس على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل نهاية العام الحالى، ترى روما تأجيلها حتى تنضج إرادات الأطراف الليبية، الأمر الذى دعاها إلى استضافة مؤتمر دولى بشأن ليبيا خلال شهر نوفمبر المقبل، وفى السياق الأمني تبادل الجانبان اتهامات  بعلاقة كلٍ منهما بالميليشيات والوقوف وراء أحداث طرابلس الأخيرة، ولاشك أن هذه الاتهامات لا تخلو من جزء من الحقيقة، فثمة أطراف إقليمية ودولية عديدة نسجت شبكة من العلاقات، والارتباطات مع  الأطراف الميليشياوية – إن جاز التعبير- لضمان حماية مصالحها وسفاراتها واستثماراتها فى ليبيا. 
 
 مؤتمر باريس
وتحاول باريس استقطاب بعض الأطراف بشكل موازٍ، مع الموقف العلني المعارض من طرف إيطاليا لخطة باريس، التى تم الإعلان عنها خلال المؤتمر الدولى الذى استضافته فى التاسع والعشرين من شهر مايو  المنصرم، وبحضور جميع  الفرقاء الليبيين، فى مقدمتهم المشير خليفة حفتر القائد العام   للجيش الليبى، والذى يحظى بمساندة واضحة من فرنسا، وفايز  السراج رئيس المجلس الرئاسى ورئيس حكومة التوافق الوطنى، والذى تدعمه إيطاليا بقوة إلى جانب شخصيات سياسية ليبية من مختلف الاتجاهات.
التباين مستمر
وفى هذا الصدد. فإن مركز الدراسات الإستراتيجية والأمنية الأمريكي  «ستراتفور»، يحذر من  إن استمرار التباين في سياسات كل من إيطاليا وفرنسا إزاء ليبيا - على الرغم من أن كلتاهما تسعى لإحلال الاستقرار فيها -  يجعل من عملية تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية فى موعدها المقترح فى العاشر من ديسمبر المقبل  أمرًا غير مرجح، فعلى الرغم من التماثل بين أهداف  الدولتين، فإنه ليس بوسعهما الاتفاق على تلك الطريقة لتحقيق تلك الأهداف، إذ تدعم كل منهما أطرافًا متنافسة في الصراع الليبي، ولديهما آراء مختلفة كليًا فيما يتعلق بما يجب أن يحدث في المرحلة المقبلة، وهو يخلص إلى نتيحة مؤداها -لاسيما فى ظل  تباين أهدافهما ومصالحهما :»إنه ما دامت باريس وروما تقدمان مسارات متباينة للوساطة في ليبيا، فاحتمالات النجاح  في تحقيق ذلك  تبدو قاتمة.
 
وتتمحور الرؤى الحالية لفرنسا بشأن ليبيا واضحة، حول أن  تعدد الحكومات فيها بل وتنافسها ينطوى على أحد أكبر العوامل المساهمة في عدم الاستقرار الإقليمي، فالصراع فيما بينها جعل من البلاد ملاذًا لجماعات التهريب وأخرى إرهابية، الأمر الذي تسبب في الفوضى في الغرب ومنطقة الساحل عن طريق إغراق المنطقة بالأسلحة والإسهام في صعود تنظيم  داعش  في الصحراء الكبري، هذا أولا، أما ثانيا فإن  ليبيا بهذه الوضعية باتت تمثل تهديدات أمنية خطيرة لجيرانها الذين تشترك معهم في حدود يسهل اختراقها مثل تونس وتشاد والنيجر، وكلهم حلفاء مقربون لفرنسا، وإن كان عدم الاستقرار في ليبيا ليس بالتأكيد  المحرك الوحيد للعنف والإرهاب في هذه المناطق،  لكنه عامل مساهم رئيسي، ومن ثم فإن هدف  باريس الأول هو حل مشكلة انعدام الأمن  التي تعتقد أنها تتفاقم بسبب وجود حكومات متنافسة وقوات عسكرية منقسمة.
 
ثالثا  ترى فرنسا أن وجود جيش قوي تحت توجيهات قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، قد يجعل أجزاءً كثيرة من البلد تحت السيطرة، وفي مسعاها لتحقيق ذلك، أقامت باريس علاقات وثيقة مع حفتر.
رابعا: إن باريس تفضل مشاركة زعيم لديه أهداف واضحة لمكافحة الإرهاب، وبالتالى فإنها تدفع باتجاه إجراء انتخابات في وقت قريب مراهنة فى ذلك على قوة حفتر، أملًا في أنه سيؤدي دورًا قياديًا على الصعيد الأمنى.
 
رغبات إيطاليا
أما فيما يتعلق بموقف إيطاليا، والكلام ما زال لتقرير   مركز  «ستراتفور»، فإنها في أعماق رغباتها لطالما ترفض حفتر في إستراتيجيتها إزاء ليبيا، معتبرة أن علاقاته الوثيقة مع فرنسا هي بمثابة تأكيد طبيعي على نفوذ باريس، علاوة على ذلك، فاحتياجات روما الملحة في كبح تدفقات المهاجرين، وتأمين إمدادات الغاز والحفاظ على علاقات اقتصادية مع طرابلس ومصراتة، تجبرها على إقامة علاقات أوثق مع غرب ليبيا.
 
إلى جانب هذه الاعتبارات فإن تركيز إيطاليا ينصب على القضايا الاقتصادية وتلك الخاصة بالهجرة عندما يتعلق الأمر بليبيا، إذ تحظى روما بروابط اقتصادية عميقة مع طرابلس ومصراتة، كما أن لديها مصالح تتعلق بالطاقة عبر شركة «إيني» الإيطالية التي تعمل في أنحاء ليبيا. أما على صعيد قضية الهجرة، فغرب ليبيا هو نقطة انطلاق أغلب المهاجرين الأفارقة في رحلتهم عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا.  
ونتيجة لما سبق، فإن الإستراتيجية الحالية لروما  ترتبط بشكل وثيق بالميليشيات في طرابلس ومصراتة، فضلًا عن حكومة الوفاق الوطني،  وهو ما يدفعها إلى معارضة  إجراء الانتخابات المبكرة.
 
تأجيج الموقف
ولكن ما يسهم فى تأجيج التداعيات السلبية للسياسات المتباينة لإيطاليا وفرنسا في ليبيا – حسب مركز «ستراتفور، يكمن فى مجموعة من الخصومات والتحديات الداخلية التي تجعل التوصل إلى حل أمرًا مستحيلًا، خصوصا على خلفية المنافسة الجيوسياسية الفرنسية - الإيطالية.  ومن ثم فإن الدولتين  تمارسان دورًا رئيسيًا في دفع ليبيا إلى تنظيم انتخابات، لكن بسبب طموحاتهما الجيوسياسية الخاصة، فمن المرجح أن تظل سياسة أوروبا إزاء ليبيا منقسمة، موضحًا أنه مع مواصلة فرنسا دعمها لحفتر والدفع لإجراء انتخابات في وقت لاحق من العام الجاري، واستمرار إيطاليا في دعم حلفائها في غرب ليبيا  وبالتالى تظل احتمالات إجراء اقتراع في ليبيا أو توحيدها غير محتملة كما كانت دائما.
غير أن المنظور الإيطالى بات يحظى بإسناد سياسى من قبل الولايات المتحدة، وذلك بعد اللقاء الذى جمع  الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي في البيت الأبيض فى شهر يوليو الماضى، ما دفع المراقبين إلى الحديث عن ميلاد معادلات سياسية قد تُفضي إلى خلط الأوراق من جديد الأمر الذى قد ينسف بالنهاية مخرجات لقاء باريس الشهير بين السراج وحفتر، وتتأتى مخاوف باريس من دخول الولايات المتحدة بكامل ثقلها على خط الأزمة الليبية تحديدا من إعلان الرئيس الأمريكي قبل أيام عن دعمه لتنظيم روما مؤتمرا دوليا ينظر في
 
الأزمة الليبية.
ويعتبر العديد من المراقبين أن خطة الإليزيه لحلحلة الأزمة الليبية قد اصطدمت في ظرف وجيز بمطبّين، أولهما الدعم المعلن من قبل واشنطن لتصورات روما الداعية للتريث وإرجاء الانتخابات، إضافة عدم المصادقة على مشروع قانون الاستفتاء على الدستور فى سبتمبر الماضى، وعلى الرغم من محاولات فرنسا النزول بكامل ثقلها لإقناع الفرقاء الليبيين بوجوب المصادقة على مشروع قانون الاستفتاء على الدستور إثر زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى ليبيا في شهر يوليو، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل عقب إعلان مجلس النواب الليبي فقط عن جلسة لمناقشة مشروع القانون المطروح دون الإعراب عن تبني بنوده أو محاولة التسريع في التصويت عليه، ويعتقد الكثير من المتابعين للأزمة الليبية، أنّ بداية دخول واشنطن لسحب البساط من تحت أقدام قادة باريس في علاقة بالملف الليبي لم تكن وليدة لقاء ترامب بجوزيبي كونتي فحسب، بل إن ملامحها كانت جلية منذ تعيين القائمة بأعمال السفارة الأمريكية في طرابلس ستيفاني ويليامز نائبة لرئيس البعثة الأممية غسان سلامة، وتتّهم باريس كلا من روما وواشنطن بمحاولة قلب الطاولة على الخطة الفرنسية والأممية التي توصّلت إلى العديد من التوافقات بين الفرقاء الليبيين بعد فشل مفاوضات الصخيرات في المغرب.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg