رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



قراءة هادئة حول سد «سيتجلر جورج» فى تنزانيا

25-10-2018 | 19:56
د.على نور الدين إسماعيل

 

طالعتنا الصحف القومية  فى صدر  صفحاتها الأولى فى 22 أكتوبر 2018 بخبر ذى مدلول فنى ـ  سياسى ـ  بأن الرئيس عبد الفتاح السيسى تلقى دعوى لوضع حجر الأساس لسد سيتجلر جورج stiegler gorge من الرئيس التنزانى  جون ماجوفولى، وأشار سيادة الرئيس السيسى بأن بناء السد سيتم على نحو تفتخر به مصر وتنزانيا وإفريقيا.
ولقد أثار هذا الخبر لدى المواطن غير المتخصص فى مجال المياه العديد من التساؤلات التى تحتاج إيضاحا.
ما حقيقة ومواصفات هذا السد؟
ما الإضافات الفنية والاقتصادية التى تعود على تنزانيا من جراء تنفيذ السد؟
ماذا يعنى إرساء عطاء التنفيذ على شركة مصرية؟
ما تأثير السد على حصة مصر التاريخية والمكتسبة من مياه نهر النيل؟ وما موقف مصر السياسى من تنفيذ هذا السد؟
بداية نشير إلى أن التفكير فى بناء السد كان منذ عام 2012 بناء على نصيحة من إثيوبيا، وتم إعداد التصميم على أساس تنفيذ سد ركامى بارتفاع 134 مترا على نهر روفيجى rufigi “ وهو نهر داخلى يصب فى المحيط الهندى، لتوليد الكهرباء بقدرة 1200ميجاوات - تعادل نفس قدرة توليد كهرباء السد العالى فى مصر- وتخزين ما يعادل 34 مليار م3 فى بحيرة خلف السد بطول 100 كيلو متر وعرض 12 كيلومترا.
ومن مراجعة الوضع الحالى للطاقة فى تنزانيا، نجد أنه تتوافر لديها 6 سدود هيدروكهربائية منتجة، أقدمها وأصغرها سد هالا (hala) الذى افتتح عام 1964 بقدرة لا تزيد على 21 ميجاوات وتخزين 1900م3 من المياه، أما أكبرها فهو سد كيداتو kidato الذى افتتح عام 1975 بطاقة 204 ميجاوات و800 ألف متر مكعب مياه.
وفى كل الحالات فإن الإجمالى العام للكهرباء المولدة من السدود الهيدروكهربائية الستة لا يتجاوز 561 ميجاوات والمياه المخزنة فى حدود 2 مليار م3، كما أنها بصدد تدشين سدين آخرين خلال الأعوام المقبلة، بالإضافة إلى سد سيتجلر جورج لتوريد نحو 300 ميجاوات من سد كيكونج kikonge و180 ميجاوات من سد سونجاواsongwa .
وتجدر الإشارة أن لتنزانيا تجارب ناجحة فى توليد الكهرباء الحرارية منذ عام 2000 ، حيث يوجد حالياً 12 محطة كهرباء عاملة، تبلغ إجمالى الكهرباء المولدة منها 1193 ميجاوات، كما أنها تخطط لتدشين محطة توليد كهرباء تعتمد على الرياح وممكن أن تولد نحو 100 ميجاوات لتكون تنزانيا رائدة فى هذا المجال فى نطاق دول حوض نهر النيل الجنوبى.
وعليه فإن تدشين السد المشار إليه على نهر روفيجى فى سيتجلر جورج وبطاقة 1200 ميجاوات يعنى رياضياً معادلة إجمالى الطاقة المولدة من جميع السدود الهيدروكهربائية العاملة منذ 1964 والمتوقعة حتى 2025 ومحطات الكهرباء الحرارية والمخططة أيضاً من الرياح التى تقدر بــ 1244 ميجاوات، ومن هنا تتضح الأهمية الاقتصادية لهذه المحطة العملاقة التى تسهم فى حالة الانتهاء من تنفيذها بعد ثلاث سنوات حسب البرنامج الموضوع فى مجالات التنمية الاقتصادية – الاجتماعية وتنفيذ مشروعاتها الطموح المدونة فى خططها التنموية لزيادة نصيب المواطن التنزانى من الدخل القومى والمقدر حالياً بــ 920 دولارا سنوياً، وبالتالى تحسين ترتيبها عالمياً ( 158) كدولة فى نطاق الدول ذات الدخل المنخفض.
ولكن الجديد فى هذا الحدث المهم، هو رسو عطاء تصميم وتشييد سد سيتجلر جورج فى تنزانيا على شركة «المقاولون العرب المصرية» ونجاحها فى منافسة الشركات الصينية والفرنسية والإيطالية التى لها سجل مشرف ودائم فى تنفيذ مثل هذه المشروعات الهيدروكهربائية فى العديد من الدول الإفريقية، وهو حدث يعيد إلى الذاكرة ما كان لشركة مصر للتصدير والاستيراد من مجهودات ناجحة لتأكيد التعاون الاقتصادى ودعم المصالح المشتركة بين مصر وإفريقيا إبان الحكم الناصري، وأيضاً إعادة قراءة الروشتة التى قدمها حكيم إفريقيا الدكتور بطرس غالى، الذى شدد على ضرورة تصدير التكنولوجيا المصرية، وإقامة المشروعات المشتركة مع الدول الإفريقية، خصوصا مشروعات الطاقة الكهربائية.
ويبقى السؤال دائماً: ما تأثير السد التنزانى على حصة مصر التاريخية والمكتسبة من مياه نهر النيل؟ وبالتالى ما موقف مصر السياسى من تنفيذ هذا السد؟
يعلم الجميع أن حصة مصر التاريخية والمكتسبة طبقاً للاتفاقيات والمعاهدات الدولية الموقعة مع دول حوض نهر النيل منذ اتفاقية 1902 حتى اتفاقية 1959 وما بعدها تقدر بــ 55.5 مليار م3 سنوياً، وأن 85 %من هذه الحصة تأتى من المنابع الشرقية للحوض (إثيوبيا ـ  إريتريا) فيما تسهم باقى دول الحوض الاستوائية بنحو 15 % فقط وهى تضم، بالإضافة إلى تنزانيا 6 دول وهى تحديدا: أوغندا ـ  كينيا ـ  رواندا ـ  بورندى ـ  والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى جنوب السودان، والمياه الواردة من السودان كدولة مسار، ومن ثم يمكن القول من الناحية الفنية: إن التأثير محدود تماماً لمنع تدفق المياه لأى دولة من هذه المجموعة، خصوصا من نهر داخلى فى تنزانيا حتى إن كانت من الدول التى وقعت على مشروع الاتفاقية الإطارية لدول الحوض فى عنتيبى بأوغندا فى 15/5/2010 التى ما زالت محل خلاف.
وجدير بالإشارة أن مصر كانت ولا تزال تتبنى مبدأ التعاون على أساس المنفعة مع دول الحوض حسب مبادئ القانون الدولى، وأكدت ذلك فى اتفاق إعلان المبادئ العشرة فى الخرطوم فى مارس 2015 الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا، كما أنها أعادت التأكيد على هذا المبدأ فى أكثر من لقاء، على المستوى الفنى أو السياسى مع جميع دول الحوض وأحقيتها فى التنمية، وأنها ترى ضرورة المساهمة فى التنمية الاقتصادية من خلال توريد الطاقة.
فى الختام نقول: إن دعوة الرئيس التنزانى لسيادة رئيس جمهورية مصر العربية عبد الفتاح السيسى، هى دون شك دعوة كريمة تعنى استعادة مصر لدورها الريادى فى قارة إفريقيا الأم، وأن تكون مصر (بوابة إفريقيا) حسب قول الرئيس السنغالى  سنجور، وأن مصر ستظل دوماً الواجهة الأولى والسند لجميع دول إفريقيا، خصوصا دول حوض نهر النيل.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg