مقالات



من يدعم صمود القدس والمقدسيين؟

25-10-2018 | 19:56
د. حسن أبوطالب

برغم الانشغال بالمواجهة الجارية بين السلطة الوطنية الفلسطينية، وحركة حماس المهيمنة على الأوضاع فى قطاع غزة، على خلفية الخلافات بشأن تأخر المصالحة بينهما، وترقب ما قد تعلنه إدارة ترامب بشأن ما بات يعرف بصفقة القرن، أو بالأحرى صفعة القرن، تظل قضية القدس الشريف بمثابة القلب النابض للقضية الفلسطينية، سواء للمسلمين الذين يتوقون إلى تحرير المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، أو للمسيحيين خصوصا المشرقيين الذين يرنون بدورهم إلى زيارة والحج إلى كنيسة القيامة أو كنيسة القبر المقدس الواقعة داخل أسوار البلدة القديمة فى القدس، وهى مكان الصخرة التى يُعتقد أن المسيح صُلب فوقها.
 
إلى جانب الأبعاد العقيدية، تتراكم أبعاد تاريخية وحضارية وعروبية وبما تجعل القدس نقطة البدء والمنتهى فى آن واحد لتسوية الصراع العربى ـ  الصهيونى، فدون حصول الفلسطينيين على حقهم المشروع فى أن تكون القدس الشريف ما حولها من أراض احتلت فى 1967 عاصمة دولتهم، والتى تُعرف بالأحياء الداخلية، فلن يكون هناك سلام أو استقرار لأى طرف كان. ومعروف أن الرئيس عرفات فى المفاوضات التى عقدت فى كامب ديفيد العام 2000 برعاية الرئيس الأمريكى كلينتون آنذاك رفض العرض الذى قدمه إيهود بارك، رئيس وزراء إسرائيل، بأن تكون للفلسطينيين السيادة على المدينة القديمة والأحياء الإسلامية فيها، على أن يكون لإسرائيل السيادة على ما يصفونه بالمعبد، والمعنى به المسجد الأقصى، وذلك استنادا إلى الأساطير التى يؤمنون بها، بأن هيكل النبى داود أو سليمان موجود أسفل المسجد الأقصى، وأنه يمثل جزءا رئيسيا فى معتقداتهم التى يسعون إلى إحيائها، ولا يجوز التنازل عنها حسب تلك الأساطير. كان العرض الإسرائيلى بهذا المعنى مفخخا، إذ إنه أخرج أهم مقدسات المسلمين من السيادة الفلسطينية، وسعى أن تكون له السيادة المطلقة عليها وبما يوفر لهم شرعية تغيير معالم المسجد وهدمه وأى شىء يرونه يصب فى مصلحة قناعاتهم وأساطيرهم الدينية.
 
كان موقف الرئيس عرفات صارما بالرفض، وانتهت المفاوضات إلى لا شىء. وظل الوضع على ما هو عليه، القدس القديمة وأهلها المقدسيون من المسلمين والمسيحيين تعانى عمليات التهويد والاستيطان والتضييق على الفلسطينيين، وزاد الأمر سوءا مع بناء جدار الفصل العنصرى حول مناطق داخل الضفة الغربية المحتلة.
 
فمنذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية فى العام 1967 شرعت فى خطة بعيدة المدى للاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من الممتلكات والأراضى الفلسطينية، ودفع العديد من الأهالى إلى الهجرة خارج نطاق القدس القديمة، وأصدرت العديد من القوانين غير الشرعية كقانون أملاك الغائبين، والمراسيم الإدارية التى استهدفت تحويل حياة المقدسيين إلى جحيم، وبما يدفعهم إلى الهروب بعيدا عن أراضيهم وممتلكاتهم. كما أنها تفننت فى خفض مستويات الخدمات البلدية التى تقدم لهم، عمليات التغيير فى طبيعة الأراضى المحتلة وتهجير أهلها ومصادرة ممتلكاتهم ليست مشروعة وفقا للقانون الدولى، إذ إن سلطة الاحتلال لا حق لها فى التغيير الديموغرافى أو الجغرافى. لكن إسرائيل فى ظل الحماية التى تتمتع بها من قبل الولايات المتحدة والغرب عموما، الذين يصدون عنها أية ضغوط دولية ويوفرون لها بيئة التمرد والسخرية من كل المعاهدات الدولية تستغل الأمر إلى أقصى ما يمكن. نجحت بالفعل فى محاصرة المدينة القديمة وفى الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، والآن لا يوجد سوى 42 ألف فلسطينى من بين 200 ألف مقدسى، وفقا لإحصاءات ما قبل 1967 يعانون أوضاع حصار قاسية، إذ يعيشون فى مساحة لا تزيد على كيلومتر مربع واحد، يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة مسرى النبى محمد عليه الصلاة والسلام، وكنيسة القيامة، وهم الذين يتحملون عبء حماية تلك الأماكن بكل ما لها من دلالات دينية وتاريخية وحضارية، وهم حريصون على استمرار تعليم أبنائهم وفق المنهاج الفلسطينى العروبى، برغم كل الصعوبات التى تفرضها سلطات الاحتلال عليهم. كما يشكلون اللجان والمنظمات الفلسطينية للدفاع عن عروبة القدس، ويرصدون كل جديد من مشروعات الاحتلال ويفضحون أمرها، وهم بحاجة إلى دعم معنوى وسياسى ومادى إلى أقصى درجة، خصوصا فى ظل المعاناة الاقتصادية التى تزداد يوما بعد آخر جراء ضغوط الاحتلال.
 
صمود هؤلاء بحاجة إلى مساندة مستمرة وليست آنية أو لحظية تحدث مرة ثم تختفى. هكذا ينادى أبناء القدس المرابطون هناك. ففى هذا الصمود بقاء للمقدسات التى لا يتصور أن يتخلى عنها أى مسلم. وفى الكثير من الندوات واللقاءات التى يشارك فيها بعض هؤلاء المقدسيين المرابطين، كالتى جرت وقائعها فى أحد مسارح الأوبرا المصرية الأسبوع الماضى، وحضرها مفتى القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين والأب إبراهيم فلتس مستشار حراسة الأراضى المقدسة، وبلال النتشة، الأمين العام للمؤتمر الشعبى الوطنى للقدس ويونس العمورى الوكيل التنفيذى للمؤتمر الشعبى ووزير شئون القدس السابق حاتم عبد القادر، تطرح قضية كيفية توفير مثل هذا الدعم لواحدة من  أشرف القضايا. ثمة دعوة تتكرر كثيرا بأن يقوم المسلمون والمسيحيون، لا سيما من الدول العربية بزيارة القدس، والصلاة فى المقدسات وإعطاء دفعة أمل للمقدسيين القابضين على الجمر. أسس الدعوة ذات شقين، أولها أن زيارة المسجد الأقصى هو أمر مرغوب إسلاميا، وكذلك زيارة المقدسات المسيحية، ولا غضاضة فى ذلك وهو ما أكده مجمع الفقه السنى. والشق الثانى ذو جانب سياسى يتعلق بالموقف العربى والإسلامى العام الرافض للتطبيع مع سلطة الاحتلال، وهوموقف سياسى رسمى وشعبى بالدرجة الأولى، وترتبط به قرارات لا حصر لها من المنظمات النقابية العربية، التى تحظر على أعضائها السفر إلى الأراضى المحتلة لأى سبب كان، ناهيك عن أن سلطات الاحتلال غير الشرعية، تضع العديد من العراقيل أمام زيارة هذه الأماكن المقدسة، وبحيث تمعن فى زيادة حدة وقسوة الأوضاع الاقتصادية للمقدسيين.
 
الأبعاد الثلاثة متداخلة، والرد عليها من المقدسيين يأتى فى عبارة وجيزة، فزيارة السجين لا تعنى أبداَ تمجيدا للسجان أو اعترافا بشرعية وجوده، وهم مقتنعون بأن مثل هذه الزيارات من شأنها أن توفر بعضا من الدعم الاقتصادى لهؤلاء المحاصرين بالقيود الإسرائيلية.
 
عمليا تظل هناك ترتيبات مطلوب التفكير فيها بحسن نية وبدون تطرف فى المواقف وبدون استباق فى إطلاق الأحكام. وهو أمر بحاجة إلى نوع من الحوار الراقى. فحتى الذين ليست لديهم أية قيود لزيارة الأماكن المقدسة فى القدس الشريف، لن يكون ميسورا لهم القيام بهذا الأمر، نظرا للسياسة الإسرائيلية المتعمدة فى عدم إصدار تصاريح للمرور على الكم الهائل من الحواجز التى تسبق الوصول إلى تلك الأماكن، كما أن الأوضاع الأمنية وعجرفة عناصر الأمن الإسرائيليين وجبنهم الزائد يدفعهم كثيرا إلى تحركات بلا عقل، تمثل خطرا داهما على الزائرين، وبالتالى تظل الزيارات الفردية محل خطر كبيراً. وتشير تجربة الزوار الأتراك الجماعيين إلى وجود تنسيق سياحى مع الأردن، والذى هو مسئول عن الإشراف على الأماكن الإسلامية فى القدس الشريف، وكذلك مع مسئولين مقدسيين عرب فى القدس الشريف، وبما يجعل تلك الزيارات منظمة وبدون أختام للاحتلال على جوازات السفر، وبعيدة عن التعنت الإسرائيلى نسبيا، كما أن هؤلاء الزائرين يقيمون فى فنادق وأماكن يديرها فلسطينيون ويعتاشون من دخلها الذى يعينهم على البقاء والصمود.
 
لاشك أن مثل هذا السيناريو يتطلب إعادة النظر فى بعض القرارات الشعبية، من زاوية التفرقة بين مفهوم التطبيع بأبعاده المختلفة، التى تتضمن فى جوهرها قبولا للاحتلال والتعامل معه باعتباره قدرا تاريخيا، وبين مفهوم التعامل القسرى مع ظرف مؤقت وبهدف الإسراع فى إنهائه، عبر دعم صمود الذين يقفون فى وجه الاحتلال والغطرسة، وهم بحاجة ماسة إلى المساندة بكل أشكالها. كما أن هذا السيناريو يتطلب أيضا تدخلا حكوميا عربيا وبتنسيق مع الأردن. وفى كل الأحوال لا بأس أن يطرح الأمر للنقاش العام الرصين، ما دام الهدف الوطنى والعروبى هو الأساس.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg