رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



خاشقجى

25-10-2018 | 19:55
أسامة سرايا

لم يتوافر، منذ عقود طويلة، لقضية مقتل ورحيل كاتب وسياسي، من أبعاد متعددة، وأوراق متشابكة، مثلما توافرت لقصة السعودى جمال خاشقجى.

 ليس لأنه كاتب فى الواشنطن بوست، بل لأنه يتبنى قضية الإسلام السياسى، منذ سنوات طويلة، عندما سافر وراء القاعدة فى أفغانستان فى حربها ضد الاتحاد السوفيتى، وكان صوتا لأسامة بن لادن، زميل دراسته، إلى أن وصل به المسار ليصبح متحدثا باسم الربيع العربى، أو زمن الإخوان المسلمين، كما سماه فى كتاباته.
 
وواصل المسير حتى أصبح معبراً عن آراء أردوغان فى تركيا، وكان يراه زعيما جديراً بحكم العالم الإسلامي،  وكان يطالب بلاده السعودية، بأن تضع كل ثقلها وراءه لحماية الإسلام، وعودة الخلافة، وعودة لأصوله التركية القديمة.
 
وقد وجد فى تحالف مصر والسعودية والإمارات والبحرين - لوقف التدخلات القطرية المعيبة ودعمها للإرهاب وللتيارات المتأسلمة، لكى تعيث فى المنطقة العربية فوضى شاملة - تطوراً مخيفا على مستقبل منطقة الخليج العربى!! هكذا كان يرى ويؤمن.
 
كما وجد فى تخلص مصر من حكم الإخوان المسلمين موقفا معيباً، ليس على مستقبل مصر وحدها، لكن على المنطقة العربية كلها، ونسى أن ملايين المصريين خرجوا فى 30 يونيو 2013 ضد الحكم الدينى وضد جماعة الإخوان المسلمين.
 
وقد طالب دول الخليج بوقف هذا الدعم، والاصطفاف وراء جماعة الإخوان المسلمين، وإن كنت أرى أن جريمة مقتله لا تتناسب مع عالمنا الذى نعيش فيه مهما كانت الأخطاء.
أما الأخطر فى وقع هذه الحادثة فهو المسرح الذى تمت عليه، فقد تحول إلى مسرح لابتزاز الدولة السعودية، وأصبحت معركة بين الجمهوريين والديمقراطيين فى أمريكا وفى مجلس الشيوخ والنواب فى الانتخابات المقبلة.
 
وتحولت القضية إلى معركة فى الإعلام بين من هم مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وبين خصومه، وحولها أردوغان فى تركيا إلى مكسب وابتزاز اقتصادى لحل أزمته الداخلية، ومصالحة بين بلاده، وحلف الناتو وبينه وبين أمريكا.
 
أفرج عن القس أندرو برانسون الذى اتهمه بتخريب بلاده،  ليتفرغ هو  للاستفادة الكاملة من الجريمة المأساوية، وعلى حساب منطقتنا بل على حساب علاقات الشرق والغرب كله.
واستطاع أردوغان بكل هذه الأدوات المختلطة والشائكة أن يجعلنا ننسى الإنسان الضحية، فكان يمكن لخاشقجي ككاتب أن يكون تعبيراً جديداً لمنطقتنا وعالمنا العربى الإسلامى، لكنه وقع فى تناقض الإسلام السياسى والديمقراطية، فالأيديولويجات الدينية لا يمكن أن تكون ديمقراطية، لكنها ديكتاتورية مخيفة، تصدر من أصحابها على أنها قادرة على التعبير عنهم، فى حين أنها تدفعهم إلى مصير معتم فاشل وجاهل، ولا يمكن أن تنتصر فى عالم اليوم الذى يبحث عن المساواة والعدل وحقوق كاملة للإنسان، وهى أدوات لا يمكن أن تقبل بها مظلة الإسلام السياسى.
 
فلنخرج من هذا المأزق الحاد الذى وضعنا فيه جيل من أنصاف المتعلمين، تصوروا أنهم من الممكن أن يحكموا بلادهم بل العالم، بأيديولوجية وأفكار مليئة بالتعصب والجهل، لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها أمام الأجيال القادمة، ولكن فى العموم، فإن هذا الحادث قد وضع منطقتنا من جديد، أمام هبوب رياح الفوضى، وعبثية الاضطرابات، وجنون الحروب.
 
وأنبه هنا بلاد الشرق الأوسط إلى أنها أمام متغيرات صعبة وقاسية، وعليها حماية بلادها، بتحديث المؤسسات، والمزيد من المتابعة والرقابة والشفافية، وسرعة فى إدراك المتغيرات، حتى نحمى بلاد الحرمين الشريفين من الذين يكيدون لها، ويحاولون ابتزازها بشتى الطرق والوسائل، فالسعودية وخيراتها لأهلها ودعم لمنطقتها، وليست نهبا لكل المغامرين، ومنتهزي الفوضى وصناع الحروب والمؤامرات، اللهم أنقذ كل أبنائنا الضحايا، وخلصنا من كل أفكار العبث والمؤامرات.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg