رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



ثعالب صغيرة تفسد الكروم

31-10-2018 | 00:15
مهدى مصطفى

 

 
قالت العرب قديما: النار من مستصغر الشرر. وقال نشيد الإنشاد: «الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم»، والمعنى واضح، ومفهوم من حكمة العرب الأولى، فشرارة صغيرة، من عود ثقاب واحد، تشعل حرائق لا تنطفئ. أما حكاية الثعالب، فحكاية عويصة، نعيشها الآن ليل نهار.
طبيعة الثعالب ماكرة، قد يتسلل أحد صغارها ببراءة، أو جهل، أو نزوة، من فجوة فى سور الكروم، يفسد شجرة أو شجرتين،  لا يهم، فالأشجار كثيرة، والصغير يكرر فعلته كعمل جليل، فنتجاهل الأمر، ونستمر فى التجاهل.
فى النهاية، لن نجد أشجارا للكروم، فقد تحولت إلى حطب يابس، وساعتها لا ينفع الندم، فكرة الثلج الصغيرة تدحرجت، الآن وسدت علينا الآفاق، لقد تركنا الثعالب الصغيرة تفسد دون رادع، والصغير اليوم كبير الغد.
والثعالب الصغيرة، فى هذه الأيام، أكثر مكرا من ثعالب الأمس، تمرح فى مواقع التواصل الاجتماعي، اختراع العصر العجيب، تمرح فى وسائل الإعلام، تمرح  بين الدول والممالك، تتصيد خطأ هنا أو هناك، تسلط عليه الأضواء، يتحول الخطأ إلى خطيئة، والخطيئة إلى أزمة، والأزمة إلى كارثة.
 ثعالب الماضى كانت بريئة، تفتش عن العنب فحسب، كانت ماكرة بجهل، صحيح كان فعلها مؤذيا، لكنه الأذى المحتمل، بينما الآن هى ثعالب صغيرة مدربة، تعرف ماذا تفعل ولماذا، وما الهدف، وما النتيجة؟
ولنتأمل تنظيم داعش المخترع بعناية أمريكية، بدأ كثعلب صغير فى العراق، ثم تناسل ثعالب أصغر فى كل مكان، هو لم يفسد دول الإقليم العربى وحدها، بل أفسد قيم النضال والتحرر من الاستعمار؟
ولتتأملوا كيف طمس القضية الفلسطينية، أنبل قضايا العصر، وكيف أعاق أى تقدم مرتجى، أو تحديث مأمول، وكيف وضع العرب فى مكانة الهنود الحمر.
فماذا لو رفعنا الصوت عاليا  بشجاعة، وطردنا هذه الثعالب من حقول الكروم، قبل الاستفحال والتوحش؟ وماذا لو قلنا للناس إن الشيخ المعمم الهرم، خطر مقيم، لا تستعملوه، فهو يطل عليكم من قناة الجزيرة، ويعرف دوره المرسوم، ويدرك أنه يفسد العلاقة بين العبد والرب، والعبد والعبد؟  
تركناه كمقدس لا يطال، حتى وقعت الفأس فى الرأس، تركناه حتى أفتى للمغفلين، بأن حلف الناتو هو الطير الأبابيل الذى كان يحمى الكعبة فى الجاهلية!
هذا الشيخ العجيب، وجد من يفتح له الأبواب فى وسائل الإعلام، وجد من ينشر له بجهل، أو علم، فتاواه السامة.
صار مقدسا لا يمس، ولما جاء عليه الدور ليكشف القناع، أفتى  بجواز غزو بلاد العرب لا إسرائيل، فالغزاة الطيبون لا خوف منهم ولا يحزنون، وأنهم لن يقتربوا من إسرائيل، وقد هتف بشغف، ورجاء: يا جماعة من قال لكم إن هؤلاء الطيبين سيعتدون على إسرائيل الحبيبة؟ وظل يقول ويقول: تعالوا وادعمونا، وانصرونا على البلاد العربية، ولا تخشوا على إسرائيل.
ولتتأملوا قصة جمال خاشقجي، كيف تحولت إلى مسمار جحا فى منازل العرب، وكيف كورها أردوغان بين يديه لتصبح هى كرة الثلج الأكبر، لتحجب معرفة الحقيقة عن القتلة والمأجورين من المحيط إلى الخليج.
فى بداية التسعينيات أصدر الإسرائيلى شمعون بيريز كتابا بعنوان (الشرق الأوسط الجديد) وضع فيه دستورا لهذا الشرق الحزين، دستورا يقوم على أن إسرائيل هى قاطرة قطار التقدم، بالعلم والتكنولوجيا، وأن بقية عربات القطار، ستكون سوقا واسعة لهذه المنتجات، فائقة التقدم، لكننا تغافلنا، ولم نتخيل أنه سيأتي اليوم الذى تدور فيه رحى الحرب، بفتاوى جاهزة التعليب، بضرورة قتال الشعوب العربية، كفرض، بينما يطل علينا بيريز، من الآخرة، ساخرا من الذين تركوا الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم.
 ما الحل؟
الحل سهل وبسيط، وفى المتناول، الحل فى طرد الثعالب الصغيرة حتى لا تفسد ما تبقى من كروم.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg