رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



قراءة فى أحدث إصدارات الكتب

8-11-2018 | 22:02
عزمى عبد الوهاب

«اقرأ» هكذا بدأ الأمر الإلهي، فى محكم التنزيل، مثلما كانت كلمة عيسى ابن الإنسان فى الإنجيل: «فى البدء كان الكلمة» لكننا فرطنا فى هذا وذاك، ولم نعد نقرأ، وكأن القراءة باتت موضوعا، ينتمى إلى حالة من حالات الرفاهية، وكأن أسوأ سؤال يمكن أن تواجهه هو: ما هوايتك؟ وتكون الإجابة: القراءة، القراءة ليست هواية، إنها ذروة لحظات بناء الإنسان، ولا داعى لتكرار ما قيل إن الأهم من بناء المصانع هو بناء الإنسان، لا داعى لتكرار أن وزير دفاع الدولة العبرية «موشى دايان» سئل ذات مرة: لماذا جاءت خطط حرب 67 هى بالضبط ما جرى فى حرب السويس فى 56؟ وكانت إجابته: إن العرب لا يقرأون.

واليوم يمر العرب بظروف قاسية، ولحظة تحولات،مخاضها عسير، فلا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، تعطلت المطابع عن الدوران فى غير بلد عربي، وأجهضت مشروعات دول تدعو للقراءة (مصر) ونهضت تجارب أخرى (الإمارات) كانت طوابير الشباب على إصدارات مكتبة الأسرة تدعو للفرح، الآن توقف المشروع، وتراجعت معدلات القراءة، فلا بأس من أن نتذكر ما جرى فى إسبانيا زمن الحرب الأهلية، وهزيمة الجمهوريين على يد قوات الديكتاتور فرانكو.
كانت تلك القوات تحاصر أحد المواقع، التى يتحصن بها الجمهوريون، وكان الرصاص ينهال من جميع الاتجاهات، إلى أن خيم الصمت والهدوء الحذران على المكان، وتقدمت قوات فرانكو من الموقع، وفوجئ الجنود بأن رجلا واحدا، هو الذى كان يطلق كل هذا الكم من الرصاص.
سأله قائد المجموعة المهاجمة: عم كنت تدافع يا رجل؟ أنت واحد ونحن كثر، ولا شك أنك كنت ستنهزم فى النهاية، قال الرجل: 
كنت أدافع عن هذين، وأخرج من جيبه كتابا ورغيف خبز، بالتأكيد نحن نحتاج الآن، أكثر من غيرنا، إلى ترديد إجابة هذا الرجل الإسباني، وها نحن نفعلها، ونأتى إليكم 
بـ “سور الأزبكية”!
 
رواية تشكك فى انتحار الشاعر الروسى «سيرجى ييسنين»
تعتمد رواية «موزاييك الحب والموت» للروائية الروسية «ناتاليا فيكو» على زمن الماضى البعيد، وبالتحديد النصف الأول من القرن العشرين، وتأثير الثورة البلشفية على مجتمع الاتحاد السوفيتى السابق، مع توالى السلطة الحاكمة وتغير الأيديولوجيات المهيمنة، فى عهد لينين ثم ستالين، وانعكاس هذه المتغيرات على المسرح الروسى بصفة خاصة، وفنانيه الكبار، وعلى رأسهم بطلا هذه الرواية المخرج مايرهولد (28 يناير 1874 – فبراير 1940) وزوجته الممثلة زيناييدا رايخ.
الرواية ترجمها إلى العربية على فهمى عبد السلام، وصدرت عن المركز القومى للترجمة، بتقديم للدكتورة نهاد إبراهيم، التى وقفت فى المقدمة أمام اللحظات المؤثرة فى سيرة مايرهولد ومسرحه، والممثلة الروسية زيناييدا رايخ، والشاعر الروسى الكبير سيرجى ييسنين (3 أكتوبر 1895 – 28 ديسمبر 1925) كما توقفت أمام أهم ملامح الحقبة السياسية، التى عاصرها هؤلاء، قبل وأثناء قيام الثورة البلشفية سنة 1917.
وبرغم أن الروائية متخصصة فى تاريخ الاتحاد السوفيتى فى النصف الأول من القرن العشرين، غير أنها لم تتوغل كثيرا فى التفاصيل، وفضلت طبقا لرؤيتها أن تتعامل مع هذا العالم، الذى استحضرته وجسدته من خلال المزج بين الوقائع التاريخية، وخصوبة الخيال، بشيء من الحذر الكبير والاقتراب المحسوب من هذه المنطقة الوعرة، مع التركيز على النتائج والابتعاد عن التعبيرات السياسية الصريحة، والمصطلحات المتعارف عليها، والصياغة الدعائية والنزعة الوطنية الصارخة، بما يوحى بأنها ليست رواية سياسية متكاملة، مع أنها فى الواقع رواية سياسية عميقة، لكنها تحمل أسلوبها الخاص فى البناء والتعبير.
يقول الفنان الكبير بيكاسو: “إذا أردت تعلم التكوين فى الرسم، عليك بدراسة مسرح مايرهولد”، ومايرهولد هو أحد أبطال تلك الرواية المتفاعلين فى دائرة العلاقات الدرامية المتشابكة، وكان مسرحه يهتم بأدق التفاصيل، ويقوم بتشريح وتحليل ذرات المجتمع من حيث الأسباب والدوافع، ولا يتعامل بمنطق الاستسهال مع النتائج المترتبة من حيث النهاية، فكان دائما يبحث عن نقطة البداية، ليصل منها إلى نهاية أخرى، حسب فكره الثوري، الذى لا يستهدف فى النهاية إلا بناء ووعى المواطن الروسي.
فى عهد ستالين تم تهميش إنجازات مايرهولد، وترسيخ فكرة أنه من أعداء السلطة السياسية الحاكمة، وهو ما أكدته المؤلفة فى روايتها، وكان لا بد من التخلص من مسرحه بالإغلاق عام 1938 ومن مايرهولد بالقبض عليه، وإخضاعه لتعذيب وحشي، وإجباره على الاعتراف بمؤامرات مع زملائه، ليس له بها أى علاقة أصلا، منها التجسس لصالح اليابان، والتعاون مع تروتسكى عدو ستالين الأول، وأمام المحكمة أنكر مايرهولد الاعترافات، التى أجبر عليها، وفى النهاية صدرت الأوامر بإعدامه رميا بالرصاص سنة 1940، وبعد سنوات تم رفع الظلم والحصار عن عالمه الفني.
أما زيناييدا فهى ممثلة روسية عظيمة، كانت زوجة للشاعر ييسنين، ثم زوجة للمخرج المسرحى مايرهولد، وقد انتهت حياتها بطريقة وحشية تماما، عندما بعثت إليها المخابرات الروسية من يقتلها فى شقتها، وقد وصفت الرواية هذا المشهد بكل قسوته، أما ييسنين فقد تزوج زيناييدا فى نفس عام الثورة البلشفية، ثم تزوج بعدها رائدة الرقص الحديث الفنانة الأمريكية إيزادورا دنكان، وكان أول شاعر يسافر خارج نطاق الاتحاد السوفيتي، حين ترك كل شيء وراءه واصطحب دنكان، وانتهى به الأمر فى مستشفى للأمراض العقلية، لكنه عاد إلى موسكو عام 1923 بعدما انفصل عن زوجته، ثم قام بشنق نفسه فى غرفة بأحد الفنادق فى ديسمبر 1928 كان فى الثلاثين من عمره آنذاك، وقد كتب على الحائط بدمه: “أن تموت هذا ليس جديدا لكن أن تعيش فهذا ليس جديدا أيضا” ومع ذلك ألمحت المؤلفة أن ييسنين قتل ولم ينتحر، كما أشيع، ففى حوار بينه وبين زيناييدا يقول سيرجي: “عندنا أى شيء يمكن أن يحدث، مال عليها سيريوجا: لكن أنت إذا حدث لا تصدقى، فأنا لن أقتل نفسى أبدا تذكرى ذلك” والغريب أن “إيزادورا دنكان” كتبت رسالة بخط يدها: “الوداع يا أصدقائى فإننى ذاهبة إلى المجد” واستعارت سيارة رياضية من أحد أصدقائها بمدينة نيس الفرنسية، وماتت إثر حادث أليم فى 27 سبتمبر عام 1927. 
 
عبد المنعم مطاوع.. اغتيال فنان تشكيلى
منذ مولده عام 1935 حتى وفاته سنة 1982 كانت الحياة قاسية على الفنان التشكيلى عبد المنعم مطاوع، بشكل مثير، إذ كان رحيل أمه مبكرا جدا، هو سبب الشقاء والحزن والحرمان من الحنان والحب فى طفولته، وإذا كان حبه الأول والأخير قد سحق بيد حبيبته، وهى لا تشعر به أصلا، فإن عبقريته الفنية التى تفجرت فى مرحلة دراسته كانت سببا لتدميره نفسيا، بعد أن جعلته موهبته الأول على دفعته بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، فى أول دفعاتها أوائل الستينيات، وأصبح بفضلها محط أنظار جميع زملائه، بل وأشعلت غيرة بعض أساتذته، إذ يشاهدون الطلبة ملتفين حوله مبهورين بقدراته الفذة كرسام ومصور وشاعر وشخصية كاريزمية محبوبة، وجاذبة لكل من يقترب منه.
ولما كان مطاوع مرشحا للتعيين معيدا – بعد عام واحد – ضمن أوائل أول دفعة تخرجها الكلية، كان لابد من كبح جماح هذا الجواد، ولن يأتى ذلك إلا بكسر أنفه على مرأى من الجميع، للحيلولة دون تعيينه بعد عام واحد، هكذا دوى صوت صفعة هائلة على وجهه بيد كبير الأساتذة، ارتج لها قسم التصوير وسط ذهول وصمت رهيب لكل الطلبة.
يوضح الفنان عصمت داوستاشى صاحب كتاب “عبد المنعم مطاوع” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، أن مطاوع قضى بعد هذه المأساة عاما كاملا، لا يغادر مسكنه ولا يذهب إلى الكلية، وعندما عاد إليها فى العام التالى، كان هدف الأستاذ الآثم قد تحقق، وضاعت على الضحية فرصة التعيين كمعيد، وقد عاد شخصا آخر مختلفا تماما عن ذلك الذى كان، شخصا مضطربا، صامتا، خائفا منطويا، مكتئبا، سوداويا، منكسر النظرة، مطفئ العينين، مهتز الثقة فى نفسه معتم الألوان، وحيدا طوال الوقت إلا مع الخيالات وأحلام النوم واليقظة، كان شيئا هائلا بداخله قد تحطم بالفعل، لعل حالته كانت أقرب إلى البارانويا أو الفصام، ولم يستطع الأطباء أن يعالجوا حالته، فظلت تلازمه طوال حياته، باستثناء الأوقات التى يحيطه فيها الأصدقاء بالحب.
فى العام التالى نجح مطاوع فى البكالوريوس (عام 1963) بتقدير امتياز عن مشروع تخرجه الفلسفى “الوجود والعدم”، ويحكى زملاؤه أنه جاء ملحمة إبداعية عن المصير الإنسانى بقدر ما كان تعبيرا عن حياته الشخصية، واستمر يواصل دراساته التجريبية من خلال المنحة الداخلية، بمرسم الأقصر التى كانت تقدمها كلية الفنون الجميلة بالقاهرة للمتفوقين لمدة عامين.  
كانت تلك التجربة وهجا أضاء الظلام فى نفس مطاوع، فخرجت به إلى نور الحقيقة، فالنسوة المتشحات بالسواد عنده هن نماذج عصرية من المشهد الطقوسي، فى معابد ومقابر طيبة، التى عاش عند سفحها فترة مرسم الأقصر، كان خلالها روحا هائمة تنصت إلى نداءات مجهولة من عالم الخلود، تأتيه فى طنين غامض فيجيبها بقصائد تنبع من بئر سحيق فى عمق أعماقه.
قدم داوستاشى فى هذا الكتاب عالما فسيحا لنفس مركبة، بالغة العبقرية والتناقض، مليئة بالتواضع والكبرياء، بالانطواء والعطاء، هو الذى لم تعطه الدنيا إلى الألم، هو الذى دفع من سلامة عقله وسنين عمره ثمن هبة العبقرية التى وهبها الله له، كتب داوستاشى نصه هذا كمرثية من فيض مشاعره لصديقه، فجاء نصه وجدانيا حكائيا، جمع فيه بين نفسه ومن أحب، وإذا كان التحليل النقدى والتقييم المنهجى قد غابا تقريبا عن الكتاب، لأنهما مهمة النقاد والمتخصصين فيكفى داوستاشى أنه جمع وحافظ ونشر هذه المادة الأرشيفية عن مطاوع، وهو ما تفقده الحركة التشكيلية فى مصر.
مطاوع رسام بارع – كما يرى داوستاشي- له أسلوبه الخاص، الذى تأثر به الكثير ممن عاصروه رسم فى حياته القصيرة مئات الرسوم (ضاع معظمها) مختلفة الأحجام على ورق أبيض بالحبر الأسود، بأقلام مختلفة، منها سن ريشة الكتابة التى كانت تستعمل قديما وفرشاة الرسم وأقلام الرصاص والفحم وأقلام الحبر الجاف وغيرها، كان يرسم لوحاته على سطح لوحة الرسم دون اسكتش، فرسومه معظمها عالم مستقل بذاته، الرسم لغاية الرسم. 
 
“الكذب” فى الإبداع ليس نقيضا للواقع
الكذب خصلة مرفوضة بالتأكيد، لكنها هنا فى هذا الكتاب قد تبدو مختلفة تماما عما درج على تسميته بالكذب، فالكتاب وعنوانه “بلاغة الكذب” للدكتور محمد بدوى تتصدره مقولتان، الأولى للمؤلف وتقول: “الكذب بوصفه رغبة فى اللعب” والثانية لهيمنجواى وتقول: “من الطبيعى أن يكون أفضل الكتاب كذابين، جزءا كبيرا من حرفتهم أن يكذبوا، أن يخترعوا، إنهم كثيرا ما يكذبون دون وعي، ثم فيما بعد يتذكرون كذبهم بندم شديد”.
بلاغة الكذب؟ قد يبدو هذا العنوان غريبا بل مستفزا، فنحن دائما نتحدث عن الشاعر الذى كان شعره صادقا، والروائى المعبر بصدق عن الواقع، فكيف يكون الكاتب البليغ كذابا؟ هنا يوضح بدوي: حين نتحدث عن صدق الشاعر فى التعبير عن عواطفه، فنحن نوحد بينه وبيننا، لقد عبر عما فينا، فلمس كلامه ما كان غائما مراوغا فى أعماقنا، وكنا نود التعبير عنه، لكننا لسنا محظوظين كالشاعر، الذى منح امتياز التعبير ونسج الجمل وانتقاء الألفاظ، والقدرة على تحويل الداخلى الموغل فى مراوغته، إلى كلام جميل، نحن أيضا نتصور معيارا نعرف به ما هو صادق، ونفرقه عن الكذب، متوهمين أن الرحلة الطويلة من تحويل المشاعر والأحاسيس إلى كلمات منسوجة بدأب.
وحين نتحدث عن صدق الروائى فى كتابة الواقع – كما يوضح بدوى – نفترض سلفا أن هذا الواقع غفل، حيادي، ملقى هناك والكاتب الحق، هو ذلك الذى له عينان، إبصارهما حاد، قادر على ضبط الواقع فى أقصى صفائه وصياغته، وإدهاشنا به، كان هذا الواقع الصلب المادى يظل هو هو، برغم تحوله إلى إشارات وعلامات ورموز، كأنه أيضا ينطوى على دلالة واحدة، على معنى أوحد، دون أن ننتبه إلى أن ما نتصوره أنه الحقيقة، هو مجرد تأويل لواقع، وتركيز على جانب من جوانبه وصورة من صوره.
يوضح الكاتب أننا نتحدث عن العالم ونحن نقصد عالمنا، ذلك الذى استطعنا أن ندركه، نحسه، ونكتبه، من زاوية محددة، ومن موقع بعينه، ومن خلال جسد بعينه، جسد ناوشه العالم، بادله الحب والكراهية، نحن إذن لم نكن خارجه، لنحدق فيه ونتعرفه، منفصلين عنه، لكننا فى داخله، حتى حين نحلم نياما أو مستيقظين، حتى حين نلعب معه، ونراوغه ونكذب عليه، إنه ذلك العالم الخاص بنا، بقدرة عيوننا على الإبصار وحساسية أجسادنا تجاه روائحه وألوانه، ولأن اللغة تعاندنا وتصارعنا، وركام الآخرين على كلماتها، ننزلق دون أن ندرى إلى المجاز والمجاز كذب.
الكذب هنا ليس نقيض الواقع، إذ إنه جزء من الواقع، بل قد يكون شكلا من أشكال مقاومته ومجاوزته، فتصبح الكتابة يوتوبيا، وحلما بواقع آخر واستشرافا له، إن الواقع ضيق والكتابة توسعه، أى تضيف إليه، وتمنح الجنينى فيه أقصى ما يمكن من الاكتمال، الذى هو بدوره محض برهة، سيتم مجاوزتها إلى نقطة أبعد، لذلك لا كذب إلا من واقع، فخيالنا يبدأ من الواقع، ليخلق شيئا يشبهه، ويجافيه فى آن، شيئا أجمل، ولذلك قالت العرب إن أعذب الشعر أكذبه، لقد كانوا يدركون جيدا أن الشعر للعذوبة لا للصدق. 
 
سنوات الغليان فى العالم العربى
يتضمن كتاب “قضايا عربية وإقليمية سنوات الغليان 2011– 2017” للدكتور السيد أمين شلبي، خمسة فصول تدور حول قضايا رئيسية فى المنطقة العربية والشرق الأوسط، لكل منها تداعياتها الداخلية والخارجية، وتشابكاتها الإقليمية والدولية، ويجمع بينها خيط ناظم، هو حالة الانفجار السياسى والاجتماعي، الذى تمثل فى مجموعة الثورات والانتفاضات الشعبية العربية، التى أطلقت قوى مذهبية وطائفية وهويات فرعية من عقالها، وكرست استخدام العنف والإرهاب كأداة فى العمل السياسي، وأتاحت الفرصة لتدخلات واختراقات متعددة من دول وفاعلين غير رسميين، ولم تتوقف نتائج هذه التطورات على تهديد الاستقرار السياسى فى عدد من الدول، بل هددت وجود دول أخرى.
يتناول الفصل الأول الحدث الرئيسى، وهو ما سمى فى عام 2011 بوصف “الربيع العربي” الذي- وفقا للمؤلف- تحول إلى خريف قاتم ثم إلى شتاء عاصف، وإذا كان من اليسير تحديد مسببات الانفجار، فإن الأمر الذى لا يزال يثير جدلا واسعا هو تحديد العوامل التى قادت إلى هذه النتيجة، فهل يعود الأمر إلى عوامل داخلية تتعلق بطبيعة الانتفاضات، وأنها كانت فى عمومها بدون قيادة موحدة، وبدون تصور أو برنامج عمل، وبدون تنظيم، ما أوجد الفرصة لقوى وأحزاب الإسلام السياسى للوثوب عليها، أو ربما يعود لعوامل عربية تتصل بالخلافات والانقسامات بين النظم العربية.
يرتبط بذلك ارتباطًا مباشرًا بموضوع الفصل الثانى الذى يناقش “مبادرة إنشاء القوة العربية المشتركة” وهو موضوع يكشف عن مفارقات تختلط فيها الملهاة بالمأساة– على حد تعبير الكتاب– فهذه المبادرة التى حظيت بإجماع مؤتمر القمة العربية المنعقد فى شرم الشيخ فى مارس 2015 ما عدا العراق الذى تحفظ عليها، وتحركت خطوات تنفيذها وفقا لتوقيتات محددة، خصوصا على مستوى الخبراء والفنيين ورؤساء الأركان فى الشهور التالية سرعان ما أصابتها السكتة الدماغية.
وباعتبار أن مصر كانت صاحبة المبادرة، فقد خصص المؤلف الفصل الثالث لتطور سياسة مصر الخارجية من عام 1952 مركزا على البعد العربى لها، فأبرز اهتمامها فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر بالهوية العربية، وفى عهد الرئيس أنور السادات بمصر أولا، وفى عهد مبارك بالبحث عن التوازن وتراجع الدور، وبدون الدخول فى تفاصيل الأحداث، فالأمر المرجح أن الأمن الوطنى المصرى يرتبط ارتباطا وثيقا، وهو جزء من الأمن القومى العربي، وهو ما كشف عنه بجلاء تطور العلاقات بين مصر ودول الخليج خلال الفترة من 2011 إلى 2016.
ويشير الكتاب إلى أن المنطقة العربية تمر بمرحلة تحول كبرى تضربها فى جذورها، وتؤثر على خريطتها السياسية وهوياتها الوطنية، وهو ما دفع عددا من الباحثين إلى إعلان وفاة النظام العربي، وأن الحدود التى رسمتها اتفاقية سايكس بيكو قد سقطت، وأنها على أبواب مواجهة جديدة من التفتت والتقسيم، ويناقش الفصل الأخير من الكتاب بعدا مهما ومؤثرا فى الأزمات العربية، هو الأدوار التى تتضمن صراعات إقليمية وحروبا أهلية، عصفت بكيانات عدد من الدول، ويعتبر الكاتب أن تدخلات القوى الدولية قد زادت من تعقيد هذه الأزمات، وأنها كانت مدفوعة بمصالحها الذاتية ووجودها فى المنطقة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg