رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



واللهِ لأحبِسكْ !!!

31-10-2018 | 00:29
د. عمرو بسطويسى

 

 
بَينما أنتَ - عزيزى القارئ - تَنعَمُ بقليلٍ مِن الراحةِ فى منزلِك، أو تُمارس عملَك بِجِد من أجل الرِزق والنجاح، قَد يَكون هِناك شخصٌ مَا، رجلٌ أو مرأة، يَكيدُ لك ويَكرَهُك لسببٍ أو آخر، عن حقٍ أو عن باطل، وقد عَقَد هذا الشخص العزمَ والنِيَّة أن يُلحِق بك الضرر. وأهلُ الشرِّ عندما ينوون تَحقيقِه، تأخذُهُم عقولُهم الخَبيثة إلى حيث ثغراتِ الحياة وفَجَواتِ الأنظمة وشُقوق القوانين التى وضعَها أهلُ الخير طَمعاً فى تنظيمِ أمورِ الحياة، فيُطلقون فيها حَيَّاتِهِم وثعابينَهم مُلتفَّةً على القوانين والنُظُم ليُلحِقوا الضررَ بالأبرياء. 
فإذا أراد هؤلاءُ الأشرارِ الإضرارَ بالطيبين من الناس، فلا توجد لديهِم وسيلةٌ أسهلُ ولا أعظمُ من أن يتلاعبوا بثغرات القوانين ونواقصه، فتؤديها لهم الأجهزةُ الحكوميةُ بنفسِها نيابةً عنهم، دافعين بهم إلى مآربهم الشخصية بخبثٍ ودَهاء. فما على الواحد مِن هؤلاء الأشرار إلا أن يَذهب إلى قسمِ الشرطة، ويَدَّعى أن سيادتك قد اعتديت عليهِ لسببٍ أو آخر، وقد يكون قد جَهَّز فى جُعبَتِهِ وريقة بعنوان “تقرير طبي” بها وصف لإصاباتٍ وكدماتٍ ليست موجودة أتى بها مُشتراة بالرشوة مِن أحد المُستشفيات المتهالكة أو المراكز الطبية الحكومية البَعيدة عن الرقابة. وعادةً ما يكون هذا الدفتر بصُحبة تَمورجى الطوارئ ويَتناصف المال الحرام مع موظف الاستقبال الحامل لختم المستشفى.
وفى حالات أخرى، قد يكون المدعى -ظلماً وبهتاناً- أكثرَ حِنكة، فيَستَحدِثُ فى جسدهِ إصابات، يُسمّيها أساتذةُ الطبِ الشرعي؛ “ الإصابات المُحْدثة ذاتياً” أو “الإصابات المفبركة” وبالإنجليزية؛ 
« Self-inflicted wounds ». « Fabricated wounds »
وهذا النوع من الإصابات التى يُحدثها المدعى بنفسهِ ليَنسبها إلى شخصٍ آخر، يتم تشخيصُها بسَهولة من قِبَل الطبيب الشرعي، فهى دائماً تحت غطاء الملابس خصوصا إذا كان المُدعى سيدة - فليس من المنطقى أن تظهر مشوهة أمام الناس من أجل أن تلفِق تهمة وتحبس غريمها !!! - وكما أن الإصابات تكون عادةً ضِمن نِطاق يد المُدعى، فلا يُصيب ظهرَه مثلاً - إلا إذا كان هُناك مَن ساعد فى الأمر - وكذلك تَخلو هذه الإصابات المُفبرَكة من التشويه الذى يمكن أن يترك أثراً، فلا يمكن أن يُصيب منطقة الوجه، ويستحيل أن يُحدِث المُدعى إصابةً مفبركة تؤدى إلى إحداث عاهةٍ مستديمة. كما أنه من المعتاد أن يكون هناك تناقض بين طبيعة الإصابة ونوع الآلة أو السلاح الذى ادعى المجنى عليهِ ( زُوراً وبُهتاناً) الاصابةَ به. ناهيكَ عن عدم وجود ما يسمى بـ “الإصابات الدفاعية” أو  « Defensive wounds”، وهذه تكون فى منطقة الساعد نتيجةً للدفاع عن النفس، وهو ما لا يحدث طبعاً فى حالات الادعاء المُفبركة. 
ولكن كم من الحالات من هذا النوع الذى يتم تحويله فعلاً إلى الطب الشرعى إلا بناءً على طلب المُدَّعى عليه. 
وفى الغالب وبعد أن ينتهى أهلُ الشر مِن مهمتهم البسيطة، سواء بشراء تقريرٍ طبيّ جاهز، أم إحداث إصابات مفبركة، تقوم أجهزة الدولة بكل همة ونشاط بضبط وإحضار "الجانى المظلوم" وحبسه وعرضه على النيابة ومن ثم تحويله إلى جلسة محكمة وكل هؤلاء ليس لديهم أى دليل غير "التقرير الطبي" الذى يَعلمون جميعاً ما قَد يكون وراءه من احتمالات للزيف والادعاء ولكنهم يَنساقون وراء تلك الوريقة كما لو كانت قطعةً من كتابٍ مُقدَّس. أما الشرير الذى ادَّعى هذا الأمر برُمَّته، فإنّه يذهبُ مُرتاحاً سعيداً بما أتت يداه مُتفاخراً كَيف حَرَّك أجهزةَ الحكومةِ لتحقق له مآربه الشريرة نيابةً عنه. 
والمَجنى عليهِ الحقيقيّ هُنا هو ما يَصفونه فى المحاضرِ ب"المتهم"، وأغلب هؤلاء يسقطون سريعاً ويَتم الحُكم عليهِم بالإدانةِ ظُلماً، إن لم يكونوا على دراية بما يحدُث. والبعض ممن لهم شيء من الدراية أو الخبرة يطلبون تحويل المُدعى إلى الطب الشرعى، الذى إما أن يثبت زيف "التقرير الطبي" أو أن الإصابات الموجودة "مُفَبْرَكَة" وتم إحداثها ذاتياً بواسطة الشاكى نفسه. وطبعاً لا داعى لذكر الوقت والمجهود التى تسبَّبا فى ضياعِهما المدعى على أجهزة الشرطة والمحكمة والطب الشرعى، والأذى النفسيّ الذى لَحِق بالمتهم (زوراً) وأهلهِ وأصحابهِ، ليدافعُ عن نفسهِ فى جريمةٍ لَم يرتكبَها. وهُناك مِمن يقع عليهِم هذا الأمر فيلجأون إلى نفسِ الطريقة فيُدافعون عَن أنفسِهم، بأن يُذيقوا المُدعى عليهِم من نَفس المَاعون فيأتوا بتقريرٍ طبيّ أيضاً ويَمرُقوا فى نفس المسار ويحولواه إلى متهم بالتعدى بنفس الطريقة التى فعلها. وتظل أجهزةُ الدولة تركِض وراء هذا وذاك والكُل يُدركُ أنَّ هَذِهِ أمورٌ مُفبرَكة، والسبب هو سَهولة الحصول على تقارير طبية مزورة، وأيضاً عدم وجود نظام ثابت لتحويل هذا النوع من القضايا بشكل تلقائى إلى الطب الشرعى، لإثبات طبيعة الإصابات وصدقها من زيفها وإن كانت تبدو بسيطة. وهناك قصة شهيرة لمحامٍ بارع كان يُدافع عن أحد هؤلاء المظلومين، فما كان مّنه إلا أن سألَ القاضى عن دليل إصابة المجنى عليه الوحيد، فأظهر له القاضى "التقرير الطبي" صادراً من أحد المستشفيات ومختوما بختم النسر. فما كان من المحامى إلا أن أظهرَ لَهُ تَقريراً مُماثلاً بنفسِ الإصابات من نفس المستشفى ومُدَوَّنٌا به اسم القاضى شخصياً الذى يحكُم الجلسة وبتاريخ نفس اليوم ليُثبت له ضَعفَ الدليل، فما كان من القاضى إلا أن حكمَ بالبراءةِ فوراً. 
فإن تأسست اللوائحُ والقوانين المُنظِّمة لقضايا الادعاء بالإصابات، وقامت وزارةُ الصحةِ بوضعِ منظومةٍ مُحكَمةٍ تمنعِ خروجَ التقارير الطبية مِن المُستشفيات إلا بَعد مُراجعةٍ دقيقةٍ، ويكون لها شكلٌ مُمَيكَن مُتعارفٌ عليهِ فى الشرطةِ والمحاكم والمستشفيات على حَدٍ سَوَاء، عندها سَيُدرك المجتمع تدريجياً، أن هذه الطريقة للإيقاع بالأبرياء لَن تُجدى نَفعاً، وأن مُدعى الإصابات المُفبرَكة ومُزورى التقارير الطبية سَيكون مآلُهم إلى السجن بتُهمة التَزوير والتَلفيق. ومع الوقت تخلو أروقةُ أقسامِ الشرطةِ والمَحاكم من الآلاف مِن القضايا المُلفَّقة والمُرهقة لأجهزة الدولة والمُسببة للإحباط للمواطنين الشُرفاء الذين لَم يرتكبوا جريمة يستحقونَ عليها العقاب. 
والآن، لا تستعجب إن رأيت اثنين يتشاجران فى الشارع، فيُقسِم أحدهما للآخر قائلاً: "واللهِ لأحبسك"، فهو صادق ويستطيع.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg