رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



سأصمد فقط بالصليب..

1-11-2018 | 17:28
إيمان طاهر

صفحات سوداء .. الزمان 24/أكتوبر/2018 .. المكان .. القدس “دير السلطان” الدير المصرى القبطى الأرثوذكسى الملاصق لكنيسة القيامة...

وفى مشهد تخطى بدمويته ووحشيته وبعده عن الإنسانية بأى شكل كان أو سيكون وقف الجيش الإسرائيلى بأسلحته وعتاده وعناده أمام الرهبان المصريين الصامدين الذين يدافعون عما تبقى من أثر لوجودهم فقط بالصليب...
كنيسة القيامة من أهم المقدسات المسيحية فى مدينة القدس، وهذه المدينة الطاهرة المباركة هى فى الواقع انعكاس لتاريخ حضارات الشعوب على مر العصور، ومن أقدم وأقدس المدن على الأرض وروح الديانات الثلاث، فهى مهد للمسيحية وأولى القبلتين وثالث الحرمين وشاهدة على الإسراء والمعراج... 
أما كنيسة القيامة التى تتشرف باحتوائها على قبر السيد المسيح عليه السلام وعدة قبور أخرى ليوسف الراعى وأسرته...
فى عام 335 وبعد اكتشاف الصليب الذى صلب فيه السيد المسيح، حسب المعتقد المسيحى قامت “هيلانة “ ببناء تلك الكنيسة. وفى عام 614م حرق الفرس الكنيسة وأعاد الراهب “مودستوس” ترميمها، وعبر صفحات التاريخ تعرضت لحريق آخر فى عهد “الإخشيدى” 965م وتم إعمارها 980م، ثم تم هدمها بالكامل وبناؤها مرة أخرى، وعندما حرر القائد صلاح الدين الأيوبى القدس حافظ عليها واحترم تلك المكانة الدينية، وبتتابع الأحداث والأطماع الصهيونية والمحاولات الدائمة فى تدنيس كل ما هو مقدس، استولت إسرائيل على دير السلطان وسلمته إلى الرهبان الأحباش، أو ما يطلق عليهم صليبيو الحبشة، والحقيقة أن ذلك العهد والاتفاق ليس خافيا عن فهم الكثيرين والمطلعين على تاريخ المعاهدات السرية ما بين الكيان الصهيونى وإثيوبيا، لدرجة أنه تم تهجير العديد والعديد من يهود الحبشة المعروفين بالفلاشا إلى داخل فلسطين، لإحداث توازن ديموغرافى ما بين اليهود والفلسطينيين، وفى المقابل تم إطلاق العنان لكل المعونات، بالإضافة إلى إقامة معسكرات لتدريب أهالى الحبشة على حرب العصابات للعمل ضد المسلمين!!.
لكن الهدف من إعطائهم حق “دير السلطان” بأكمله، أبعد بكثير مما قد يتخيل البعض، فقد اختارت أمريكا وحليفتها المدللة إسرائيل، تبنى وزرع أيديولوجية تقوم على مزج عقائد الصليبية الأرثوذكسية والبروتستانتية الأصولية، مع الصهيونية المتطرفة فى قلب الأرثوذكسية القبطية داخل فلسطين، لتخرج لنا أسوأ كوابيس العقائد المصنعة للتعصب والعداء الإنسانى فى العالم....
 بعد طرد الرهبان المصريين فى يونيو 1967، وبعد عدة إجراءات قانونية لدى المحكمة العليا الإسرائيلية، صدر قرار برد الدير إلى الكنيسة المصرية، لكن للآن لم ينفذ هذا الحكم بل استولت على الدير كاملا، بما يحويه من كنيسة القيامة ودرب الآلام وكنيسة سيدتنا "مريم" وكنيسة القديسة "حنة الصلاحية"، وكنيسة الجثمانية، والكثير من الكنائس والمعالم المسيحية والأديرة ... والكثير أيضا من الاعتداءات والوحشية، فلم تترك كنيسة إلا وقد قامت بتحطيمها وسرقة محتوياتها، لدرجة أنهم غيروا أيقونة السيدة العذراء التى تحمل صورة المسيح، ووضعوا بدلا منها صورة مخجلة وحقيرة!! وسرقوا تاج السيدة العذراء ونزعوا اللآلئ الثمينة، وضربوا بالقاذفات ممتلكات الكنيسة، بل استولوا على كنيسة الأرمن للقديس المخلص، وحولوها إلى ثكنة عسكرية للجيش الإسرائيلي!! ووصلت بهم الوحشية إلى اقتحامهم عام 1967 لكنيسة “بئر يعقوب” للروم الأرثوذكس وذبحوا رئيس الكنيسة “الأرشمندر يتفيليمنوس” .. وفى عام 1970 هجموا على دير الأقباط، وتم الاعتداء بداخله على كل الرهبان والممتلكات، ووصل بهم الأمر من التحايل وعقيدة التزوير والعنصرية والتعصب إلى تزوير صفقة لشراء الدير الفرنسى “النوتردام للرهبنة الكاثوليكية الفرنسية”.. وفى ذات العام استولوا على جميع الأبنية الألمانية لمدرسة “شنلر”.. وفى يوم مشئوم 25/9/1970 احتلوا بأسلحتهم مقر البطريركية بالقدس وضربوا رهبان الدير وغيروا أقفال الأبواب الأربعة المؤدية للكنيسة، ووضعوا حواجز تمنع وصول الأقباط والرهبان وسلموها للأحباش، بعد ما سرقوا معظم معالمه الأرثوذكسية الثمينة، فى محاولة لتغيير هويته، بل وصل بهم الأمر إلى محاولة تحطيم القبر المقدس وحرق الكنيسة، لولا صمود واستبسال الرهبان أمامهم ... ودنسوا كنيسة القديس “جورجيوس” وحولوها إلى ملهى ليلي. واحتل مستوطنوهم دير “مارخيا” بالقوة حتى الآن.
وفى عام 1998 دخل الجنود الإسرائيليون كنيسة “الجثمانية” وبكل همجية أطلقوا النار على المصلين داخل أروقتها!!
هذا جزء توثيقى لا يكاد يذكر أمام تاريخهم الحافل والممتلئ بشتى الجرائم والفساد والإفساد والقتل والسرقة والخراب، لكل ما هو مقدس من إنسانية وأماكن للعبادة إسلامية ومسيحية على السواء، وما بقى منها إلا القليل لتظل شاهداً بجدرانها المتهالكة المهملة على مدى الظلم والخراب الفكرى والإنسانى، ممثلا فى هيئة مستعمر لعين...
وتمضى الأيام وتتعاقب الأحداث هنا وهناك ولا أقطع ورقة مما مضى... لأفاجأ بحادثة المعبد اليهودى فى بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وأشاهد القتل والقتلى والمصابين، ولا أملك أمام قسوة المشهد برمته غير التعاطف الإنسانى والدعاء للجرحى والمواساة للأسر ... 
البشر على كل بقعة من هذه الأرض.. هم بشر حتى ولو كان من يقودهم ليس كذلك ... تعازينا للإنسان فى كل مكان ذاق طعم الظلم والاضطهاد والتعصب الأعمى والعنصرية القاتلة. ليس هناك تعارض أبداً بين التعاطف الإنسانى لبشر قد انتهكت إنسانيتهم وقتلوا، بغض النظر عن ديانتهم أو جنسياتهم، وبين قادة يحكمون بلا أى إنسانية وإذا فقدنا ذلك التمييز نكون رسبنا فى أول اختبار فطرى لوجودنا على الأرض...
هذه ليست مجرد صور ستنسى وتسقطها أوراق التاريخ المزيف.. الاعتداء الوحشى على رهبان الدير القبطى بالقدس، وتلك الأرواح الطاهرة المتعبدة الصامدة أمام طغيان جيوش مجيشة وهى لا تحمل فى أيديها ما قد يصد عنها الأذى غير قوة إيمانها وصليب ... 
سكت ضمير العالم أمام المشهد المعتاد!! واختفى صدى أصوات قرع أجراس العدالة المزيفة!! وأطبق الصمت على أفواه الإعلام الغربى بحقوقه الإنسانية المزعومة!!..
رهبان الإنسانية لا نملك لكم إلا الدعاء وزوايا بداخل قلب وذاكرة كل منا ستظل تحمل اسم وصورة ومكان كل منكم بمنتهى الفخر والأمل فى غدا أكثر إنسانية...سامحونا....
أما آن لتلك البشرية أن تستريح من عناء أطماع قادتها!!....

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg