رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



انتحارية تونس الداعشية.. إنذار للجميع

1-11-2018 | 17:27
د. حسن أبوطالب

العملية الانتحارية التى قامت بها شابة تونسية فى شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة التونسية يوم الاثنين الماضى، تذكرنا جميعا بخطر النساء الداعشيات الذى لم يعالج بطريقة صحيحة حتى الآن. كما يذكرنا بأن أسلوب الذئاب المنفردة لم يَعُد حكرا على عناصر التنظيم المذكور وحسب، فالنساء اللواتى ارتبطن بالتنظيم وأيا كان السبب والدافع، أصبح قسم كبير منهن عبارة عن قنبلة موقوتة قابلة للانفجار فى أى لحظة وفى أى مكان. الأكثر من ذلك فنسبة كبيرة من هؤلاء النسوة صِرن أمهات ولديهن أطفال من آباء مجهولى المصير ومن جنسيات عديدة ومتنوعة، بعض منهم هرب ولا يُعرف له ملجأ محدد، والآخر قتل، وفى الحالتين، فإن هؤلاء الأطفال يُعدون خطرا محتملا، ومُعرضين لتأثير الأمهات خصوصا اللواتى يؤمن بفكر التنظيم ويقتنعن به.
 
فجرت الانتحارية نفسها بالقرب من دورية أمنية فى شارع الحبيب بورقيبة وهو الأشهر فى تونس، فأصيب عدد من رجال الأمن وبعض المدنيين. واستهداف الأمن يشكل جزءا رئيسيا فى عقيدة التنظيمات الإرهابية، لا فارق بين داعش أو النصرة أو القاعدة أو طالبان الأفغانية أو بوكو حرام النيجيرية أو الشباب الصومالية، وجميع التنظيمات المتفرعة عن الإخوان. فانهيار الأمن فى البلد المستهدف، يعنى بدء الفوضى فى المجتمع وغياب الحقوق وضياع الدولة، وبالتالى فهو فرصة العمر للتنظيم الإرهابى للتوغل والتسيد على العباد، وفرض السيطرة وإعلان الإمارة أو الدويلة حسب الحالة.
 
ويلاحظ أن تلك الانتحارية فى حدود الثلاثين من العمر، ولم تظهر عليها علامات التطرف، ولم تكن فى قاعدة البيانات لدى الأمن التونسى والخاصة بالمشتبه فيهم، غير أن المعلومات التى ظهرت لاحقا أظهرت الجانب الأخطر، فالانتحارية من عائلة مرتبطة بحزب النهضة، وهو الفرع الإخوانى فى تونس، والمشارك فى الحكومة، ومن قبلوا ذلك ظنوا أن هذه المشاركة سوف تغير من قناعات الحزب وقياداته وقواعده، فتأتى حادثة الانتحارية الشابة لتضع قيودا على مثل هذا النوع من التفاؤل المغلوط. وتقول المعلومات الأولية أيضا: إن تلك الانتحارية كانت على صلة بأحد الشباب المقيمين فى تركيا وسعى إلى الزواج منها من خلال المراسلة، ووفقا لرواية بعض أفراد أسرتها أن المراسلات بينهما كانت مستمرة، ومن المحتمل أن يكون قد أثر على أفكارها وأقنعها بالقيام بتلك العملية الشنيعة. وهى بكل بساطة أقدمت على هذا الانتحار دون أن تسأل نفسها ما الهدف من وراء ذلك؟ وذلك برغم أنها حاصلة على شهادة جامعية وتتقن اللغة الإنجليزية.
 
مجمل هذه المعلومات يستدعى المزيد من الحرص فى التعامل مع مثل تلك الحالات، وأن يوضع فى الاعتبار أن الفكر الإرهابى ما زال قادرا على استقطاب الكثير من المصابين بقلة العقل وضياع البوصلة، وفقدان اليقين بأبسط مبادئ الإسلام. وفى السياق التونسى فإن سوء الحالة السياسية كما وصفها الرئيس التونسى نفسه، تُعد من الأسباب الرئيسية فى تركيز السياسيين على المناصب وعدم الانشغال بأحوال الناس، وهنا الدرس الكبير، فلا يمكن لحكومة مهما كانت تمثل القوى السياسية الكبرى فى البلاد، أن تنتظر الهدوء والاستقرار، وهى بعيدة تماما عن مراعاة حقوق الناس ومطالبهم فى الأمن والتنمية وتحسن البيئة العامة. الدرس هنا واضح ولا يقبل أدنى شك.
 
والافتراض الأكثر حصافة الذى يجب على المسئولين التونسيين وضعه فى الاعتبار، أن تلك الحالة الانتحارية قد لا تكون الأخيرة، فما دام هناك معين منظم سياسيا ويؤمن بأفكار التطرف، ويتصور أنه قادر على خداع عموم التونسيين، فمن الطبيعى أن يفرز حالات عديدة من المتطرفين والمتطرفات، ولن يقصر بعضهم فى القيام بمثل تلك الأعمال الشنيعة دينيا وإنسانيا. وليس سرا، أن عددا كبيرا من اللواتى شاركن فيما يعرف بجهاد النكاح أثناء وجود الدولة المسخ المسماة بالدولة الإسلامية فى مناطق من سوريا والعراق، كن من التونسيات اللواتى مُسح عقلهن وتركن وطنهن وذهبن إلى ما تصورنه النعيم المقيم وجنة الله فى أرضه. وكثير منهن اكتشفن لاحقا عبث الفكرة وجنونها، لقد تحولن إلى سبايا وأسرى لا يفعلن شيئا سوى إمتاع عناصر التنظيم الباغى سواء أردن أم لم يُردن. ووفقا لبعض التقارير الدولية فبعض من هؤلاء عدن إلى تونس بعد هزيمة التنظيم وتفرق أتباعه. وبعضهن معروف لسلطات الأمن وغالبية منهن غير معروف عنهن شيئا، ولا توجد أى مؤشرات على أن اللواتى رجعن قد تمت إعادة تأهيلهن أو محاكمتهن بالقانون إن ثبت عليهن المشاركة فى جرائم عنف.
 
هذه الانتحارية التونسية الشابة المغرر بها تستدعى بقوة إعادة النظر فى ملف ما يُعرف بنساء داعش. وعلينا أن نضع فى الاعتبار جملة من الحقائق التى باتت معروفة عن هذا التنظيم الوحشى وعلاقته بالنساء، والتى أخذت ثلاث مراحل، لا مرحلة الاستمتاع بالنساء كسبايا وأسيرات أو راغبات فى اللحاق بالتنظيم من أجل الإثارة بكل أشكالها. ثم مرحلة ثانية وأتُيح فيها للنساء التابعات للتنظيم بأن يقمن بأعمال إشرافية، وتم تشكيل ما يعرف بـ «كتائب الخنساء»، والتى تحدد دورها فى متابعة التزام باقى النساء بالقواعد التى يصدرها التنظيم لضبط السلوك العام، بما يتفق مع رؤيته المتشددة للدين الإسلامى. ثم المرحلة الثالثة التى ارتبطت بالهزائم العسكرية فى سوريا والعراق وقلة الراغبين فى الانضمام للتنظيم. وللتعويض عن قتل الكثيرين وندرة العناصر الجديدة، أتُيح للسيدات المشاركة فى القتال والسماح لهن، بأن يكن مجاهدات وفقا لقناعات التنظيم.
 
ومع انتهاء دولة التنظيم وتفرق عناصره فى أكثر من بلد، تم توسيع المهام التى أعطيت للسيدات الداعشيات بأن يقمن، سواء مع أزواجهن أم منفردات بأعمال تصب لصالح التنظيم وأيديولوجيته فى الأماكن التى وصلن إليها. ومن بين تلك الأعمال مواجهة الأمن وقتل أفراده، وتوجيه ضربات لمقار رسمية ومؤسسات حكومية، وتشكيل كتائب إلكترونية لجذب فتيات وسيدات أخريات وإقناعهن بأفكار التنظيم ومبايعة أبو بكر البغدادى خليفة للمسلمين. والفكرة الرئيسة هنا هى أن تكليف السيدات بمثل تلك الأعمال التى يعتبرها التنظيم نوعا من الجهاد الأكبر، لا يكون إلا للسيدات اللاتى اقتنعن بأفكار التنظيم، ويعتبرن أنفسهن مكلفات بنصرته أيا كانت الصعوبات والتضحيات.
 
هذه التفرقة تعنى أن التنظيم يدرك أن النساء اللواتى ارتبطن به لسن على نفس الدرجة من الولاء، وبالتالى فإن الانتحاريات اللواتى تدير شبكات إلكترونية دعائية لخدمة التنظيم، هن من العناصر المشبعة بالفكر الداعشى المتطرف، والقابلات لتنفيذ أفعال انتحارية كالتى حدثت فى تونس. ووفقا لهذه التفرقة فنحن أمام ناشطات إرهابيات من الدرجة الأولى، تجب مواجهتهن بكل قوة وبدون رحمة. وإلى جانب هذا الفريق، هناك نوعان آخران من سيدات داعش، الأول الفتيات اللواتى ذهبن بأنفسهن إلى حيث يسود التنظيم من أجل الإثارة ودون أن تكون لهن قناعات فكرية محددة. وجزء كبير من هؤلاء وقعن أسيرات فى أيدي القوات الأمنية السورية أو الكردية او العراقية، وبعضهن ندم على ما فعل. لكنه فى النهاية اكتشف حقيقة داعش الزائفة.
 
إننا بذلك أمام خريطة معقدة من السلوكيات والمسئوليات والاحتمالات. وهى بحاجة إلى تفكير علمى ومنهجى وليس ترك الأمور على عواهنها. بعض التقديرات الاستخبارية تشير إلى أن نساء داعش شكلن ربع عدد المقاتلين الأجانب، والمقدر عددهم بأربعين ألفا. وأن كثيرا من الزيجات التى تمت مع أعضاء التنظيم نتج عنها أطفال يقدر عددهم بما يقرب من 12 ألف طفل لا يعرفون من هم أباءهم، ويعيشون فى مخيمات تحت رقابة أمنية مشددة فى العراق وفى شمال سوريا الواقع تحت السيطرة الكردية، وعديد من الدول التى تنتمى إليها هذه المجموعة من السيدات ترفض استقبالهن، وتفكر فرنسا وألمانيا وبريطانيا فى استرداد الأطفال وحسب، إن رضيت أمهاتهن بالانفصال عنهن، باعتبار أن هؤلاء الأطفال ليس لهم ذنب فيما جرى لهم. وفى مثل هذا الموقف قدر هائل من اللا مسئولية، وتصدير للمشكلة للدول التى نُكبت بالإرهاب وداعش والتطرف. وإذا استمر مثل هذا الوضع غير الإنسانى وغير القانونى، فمن الطبيعى أن ننتظر جيلا جديدا من الإرهابيين والإرهابيات الأكثر عنفا والأكثر شعورا بالظلم.
 
إعادة تأهيل هؤلاء وفق برامج نفسية ودينية وبواسطة خبراء مؤهلين، لم يعد خيارا بل ضرورة قصوى. أو محاكمة اللواتى يثبت ضلوعهن فى أعمال عنف والحكم عليهن بما يناسب حجم الجرم الذى قمن به. أما ترك الأمور معلقة فى الهواء، فثمنها عال فى الحاضر والمستقبل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg