رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



اللقاء السادس بين الرئيس السيسى والمستشارة ميركل: 6 حكايات كبرى تجمع القاهرة وبرلين

1-11-2018 | 19:31
كتب - أيمن سمير

شراء القاهرة للغواصات الألمانية أبرز صور التعاون العسكرى والأمنى 
 
مشروعات الطاقة تحول مصر إلى مركز إقليمى للطاقة يعزز الشراكة المصرية الألمانية 
 
تتمتع مصر وألمانيا بمكانة كبيرة ومهمة، فكل منهما له ثقل سياسى داخل  المنطقة التى ينتمى إليها، فالقاهرة مفتاح الشرق والمعيار  لاستقرار وأمان المنطقة العربية، وبرلين هى الرابط لشمال أوروبا بجنوبها وشرقها بغربها، وإحدى القوى الاقتصادية العظمى فى العالم، وأكبر اقتصاد فى أوروبا،  وبعد ثورة 30 يونيو  2013 اعترى الجمود العلاقات المصرية الألمانية، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسى نجح فى تحقيق  "تحول ألمانى كامل" تجاه الدولة المصرية، فما أسباب العودة الألمانية لمصر؟ وكيف يمكن البناء على ما تحقق للبلدين الصديقين؟ وما الفرص المتاحة لتعظيم الفائدة من العلاقات المصرية الألمانية؟ وكيف تنظر ألمانيا لمصر بعد كل ما حدث فى منطقة الشرق الأوسط؟ وإلى أى مدى تدشن الزيارة الثالثة للرئيس السيسى لبرلين، ولقاؤه السادس مع المستشارة أنجيلا ميركل لمرحلة جديدة فى العلاقات المصرية الألمانية؟
 
مصداقية مصرية
 
أولاً: وجدت ألمانيا فى القيادة المصرية "تطابقا كاملا" بين القول والفعل، حيث قالت القاهرة منذ البداية، إنها تشاطر العالم مكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وبالفعل سنت القاهرة  قوانين تجرم ظاهرة الهجرة غير الشرعية، واتخذت كل الخطوات لمنع هذه الظاهرة الخطيرة على الوحدة الأوروبية، فكانت النتيجة التى أشاد بها كل المسئولين الأوروبيين، وفى مقدمتهم الحكومة الألمانية، بأن القاهرة نجحت فى منع خروج أى سفينة أو مركب تحمل مهاجرين غير شرعيين منذ سبتمبر 2016 وحتى أكتوبر 2018، وهو ما يعد نجاحا غير مسبوق فى العلاقات الأوروبية مع دول الشرق الأوسط، حيث قارن العديد من القادة الألمان بين سلوك القاهرة الإيجابى وبين السلوك التركى مثلاً،  الذى حاول ابتزاز الاتحاد الأوروبى فى قضية الهجرة غير الشرعية، وهذه قضية إستراتيجية لألمانيا، التى دخل حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب شديد التطرف لأول مرة للبرلمان الألمانى، وحل ثالثاً فى الانتخابات التى جرت فى سبتمبر 2017، على خلفية تبنيه لقضايا ضد المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما يكشف حجم العمل الذى قامت به القاهرة فى منع ظاهرة الهجرة غير الشرعية من الشواطئ المصرية.
 
ثانيا: قادت القاهرة بمفردها حربا ضد الجماعات الإرهابية وتبنت سياسة متكاملة لمكافحة الإرهاب، لا تتضمن فقط الجوانب الأمنية والعسكرية، بل ضمت جوانب اقتصادية واجتماعية وتصحيح الصورة المغلوطة عن الدين الإسلامى الحنيف، وهو أمر أشادت به ألمانيا أكثر من مرة، واستضافت شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، ليتحدث عن رؤية مصر فى صياغة خطاب دينى معتدل قائم على حقائق الإسلام، وليس على التفسير المتشدد الذى تتبناه الجماعات الإرهابية والظلامية.
 
ثالثا: استدارت ألمانيا تجاه الدولة المصرية بعد أن تأكدت من صواب رؤية القاهرة فيما يتعلق بالقضايا والأزمات الإقليمية والدولية، حيث تعتمد رؤية مصر على تفضيل الحلول السياسية والسلمية بعيداً عن لغة البندقية والرصاص فى أزمات المنطقة خصوصا فى ليبيا وسوريا، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، مع قيام علاقات خارجية تقوم على مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وضبط مساحات الاختلاف والاتفاق مع الجميع.
 
رابعاً: تبنى القاهرة لبرنامج اقتصادى طموح أسهم لأول مرة فى تصحيح الاعتلال فى الاقتصاد المصرى، وهو ما ظهر فى تراجع معدلات التضخم، وزيادة الاحتياطى النقدى فى البنك المركزى المصرى، وتراجع عجز الميزانية، مع إعادة التوازن للميزان التجارى المصرى مع دول العالم، وزيادة الاستثمار المباشر إلى أكثر من 7.9 مليار دولار لأول مرة منذ 2011، وهو الأمر الذى حفز الشركات الألمانية على مزيد من الاستثمار فى الاقتصاد المصري.
 
خامساً: طبيعة التحرك النوعى المصرى على الساحة الألمانية، الذى جاء على ثلاثة خطوط متوازية وليس متوالية، اعتمد الأول منها على الاتصالات الرسمية والزيارات المتبادلة وتوضيح الحقائق، بينما اعتمد الثانى على مخاطبة الرأى العام الألمانى من خلال التواصل مع وسائل الإعلام الألمانية والمجتمع المدنى الألمانى، ونجح هذا المسار فى تأكيد احترام الدولة المصرية لحقوق الإنسان مع الحفاظ على المؤسسات المصرية، بينما المجال الثالث كان من نصيب رجال الأعمال، خصوصا مجلس الأعمال المصرى الألمانى، ولعب رئيس الجانب المصرى فى مجلس الأعمال المصرى الألمانى الدكتور نادر رياض، دورا كبيرا فى توضيح الصورة لمجتمع المال والأعمال الألمانى، حيث أسهم بقوة فى تعزيز صورة مصر " كمحور للاستقرار" فى الشرق الأوسط فى عيون رجال الأعمال الألمان، وأن الاستثمار فى مصر هو "استثمار فى الاستقرار "، وأن الاستقرار فى مصر يشيع الاستقرار فى كل المنطقة العربية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
 
سادساً: قدرة الدولة المصرية على إتاحة فرص واكتشاف إمكانات لم تكن موجودة من قبل، ووجودها الآن يسهم ليس فقط فى مصلحة مصر، بل فى صالح ألمانيا وكل الدول الأوروبية أيضاً، وتجلى ذلك عندما تبنت القاهرة مشروعات تسهم فى تحويل القاهرة لمركز إقليمى لتجارة وتداول الطاقة، كان لألمانيا نصيب كبير منها، عندما أنشأت شركة سيمنز الألمانية ثلاث محطات كهرباء عملاقة فى مصر، هى الأكبر من نوعها فى العالم، ودفع ألمانيا للاتحاد الأوروبى ليكون شريكا وداعما رئيسيا لخطوط نقل الغاز بين مصر وقبرص، وسعى ألمانيا للاستفادة من قدرات مصر العملاقة فى مجال الطاقة الشمسية.
 
اللقاء السادس
 
وتؤكد الزيارات المتبادلة واللقاءات الكثيرة بين القيادتين المصرية الألمانية، الرغبة والإرادة السياسية لدى البلدين فى توسيع مجالات التعاون بين البلدين الصديقين، فالرئيس السيسى زار ألمانيا ثلاث مرات، والتقى المستشارة ميركل 6 مرات، حيث كان اللقاء الأول بين الزعيمين خلال زيارة الرئيس السيسى لألمانيا فى يونيه 2015، وكان اللقاء الثانى فى مقر الأمم المتحدة على هامش حضور كل منهما جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر من نفس العام، ثم التقى الرئيس السيسى بالمستشارة أنجيلا ميركل خلال قمة مجموعة العشرين فى مدينة جوانزو الصينية فى سبتمبر عام 2016، وفى مارس2017 قامت الزعيمة الألمانية بزيارتها الأولى إلى مصر وعقدت اللقاء الرابع مع الرئيس عبد الفتاح السيسى، وفى يونيو من العام نفسه قام الرئيس عبد الفتاح السيسى بزيارته الثانية إلى ألمانيا، حيث شارك خلالها فى قمة الشراكة مع إفريقيا، فى إطار مجموعة العشرين، وشملت الزيارة الأخيرة زيارة دولة من جانب الرئيس لألمانيا، كما تضمنت مشاركة الرئيس فى القمة الألمانية - الإفريقية، التى ضمت المستشارة ميركل فى قمة مصغرة مع قادة ورؤساء حكومات بعض الدول الإفريقية، التى دعت إليها ألمانيا فى إطار مجموعة العشرين، حيث إن توجيه الدعوة للرئيس السيسى من المستشارة ميركل لحضور هذه القمة للمرة الثانية، جاء تقديراً لمكانة مصر وأهمية دورها فى إفريقيا، حيث ألقى الرئيس السيسى كلمة خلال أعمال القمة المصغرة، تناول رؤية مصر فى دفع وتعزيز جهود التنمية فى إفريقيا، خصوصا أن مصر ستترأس الاتحاد الإفريقى العام المقبل 2019، فضلا عن أن الزيارة الأخيرة شملت اللقاء الأول بين الجانبين بعد بدء الولاية الرابعة للمستشارة ميركل فى مارس 2018 كمستشارة لألمانيا، وبدء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسى فى يونيو 2018.
 
القمة الثانية للشراكة مع إفريقيا
 
الفضل فى إطلاق مبادرة الشراكة مع إفريقيا يعود للمستشارة ميركل، التى بادرت من خلال رئاسة ألمانيا لمجموعة العشرين (مجموعة تضم أكبر 20 دولة على الصعيد الاقتصادى)، بإعلان الشراكة مع إفريقيا، أو ما عرف باللغة الألمانية (compact with Afrika).
 
وقالت ألمانيا آنذاك، إن هذه الأولوية لإفريقيا ليس معناها أن السيدة ميركل تريد إعداد خطة مساعدة مالية، بل إيجاد "فرصة لاجتذاب الاستثمارات والأرباح والوظائف"، انطلاقاً من أن الدعم السياسى الذى تقدمه مجموعة العشرين يمكن أن يجعل هذه الدول أكثر جاذبية لجهات التمويل الخاصة، حيث ترى ميركل: "إن السبيل الأساسى لوقف التدفق، هو معالجة أسباب الهجرة وإيجاد آفاق لهذه الشعوب فى دولها". وأعلنت المتحدثة باسم ميركل أن "التنمية الاقتصادية يجب أن تكون بوتيرة سريعة لتأمين مستقبل مناسب للشباب والحد بالتالى من ضغوط الهجرة.
 
وبالفعل عقدت القمة الأولى للشراكة مع إفريقيا فى ألمانيا فى يونيو 2017، وحضرها عدد من قادة الدول الإفريقية الذين وجهت لهم الدعوة آنذاك، وفى مقدمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أكد فى تلك القمة" أننا نعول على المبادرة التى أطلقتها الرئاسة الألمانية لمجموعة العشرين للتعاون مع إفريقيا، والتى تقوم على خلق الشراكات مع المؤسسات الدولية، بهدف خلق مناخ مواتٍ لجذب الاستثمارات لإفريقيا بشكل مستدام، لتحفيز نمو الاقتصاد بها، وتوفير فرص العمل، ورفع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق آمال الشعوب فى إيجاد سبل العيش الكريم، ويحد من تداعيات المشاكل التى تعانى منها القارة.
 
العلاقات الاقتصادية
 
الجانب الاقتصادى يمثل أحد أهم جوانب العلاقات بين مصر وألمانيا، وجاءت مشاركة ألمانيا بوفد رفيع المستوى فى المؤتمر الاقتصادى بشرم الشيخ، ترجمة للتوجه الألمانى لدعم الاقتصاد والاستثمار فى مصر، وتعبيراً عن إدراكها أن مصر مقصد استثمارى مهم وسوق واعد، حيث تم توقيع مجموعة من مشروعات فى مجال الطاقة بنحو 6 مليارات يورو مع شركة "سيمنز" الألمانية، حيث شاركت هذه الشركة الألمانية العملاقة، بنصيب كبير فى إنجاز ملحمة تطوير قطاع إنتاج الكهرباء فى مصر فى السنوات الأربع الماضية.
وتوجد فى مصر، عدة منشآت ألمانية لتعميق التعاون التجارى، على رأسها غرفة الصناعة والتجارة المصرية الألمانية، التى أنشئت فى مصر منذ 50 عاما لتعميق التعاون المصرى الألمانى التجارى. 
 
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن حجم التبادل التجارى بين مصر وألمانيا قفز فى عام 2015 إلى نحو 5 مليارات يورو، لتحتل مصر المرتبة الثالثة بين الشركاء التجاريين لألمانيا فى المنطقة العربية، ثم زاد التبادل التجارى بين البلدين فى 2016 إلى 5 مليارات و567 مليون يورو، ثم بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين 5 مليارات و814 مليون يورو فى عام 2017.
 
من جانب آخر، تتصدر ألمانيا الاتحادية الدول الأوروبية المانحة من حيث حجم المساعدات السنوية لمصر، ومن أبرزها، إلغاء الديون، ففى عام 2001 ألغت الحكومة الألمانية ديوناً مستحقة لها على مصر بقيمة 244 مليون يورو، وفى عام 2011 ألغت ديوناً بقيمة 240 مليون يورو، بالإضافة إلى قرض من بنك التعمير الألمانى بمبلغ 250 مليون دولار لدعم تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المقترحة فى إطار برنامج الإصلاح بالتعاون مع صندوق النقد الدولى وفى عام 2016 دعمت ألمانيا مشاريع بقيمة 1.6 مليار دولار، وقدمت مساعدات لمصر بقيمة 150 مليون يورو، خصوصا للمشروعات التى تهدف إلى توفير فرص عمل للشباب والطاقة والمياه.
 
التعاون العسكرى
 
فى 12ديسمبر2016، استمراراً لجهودها فى دعم القدرات القتالية والفنية للقوات البحرية المصرية، وتطويرها وفقاً لأحدث النظم القتالية العالمية، تسلمت القوات المسلحة أول غواصة حديثة من طراز (209/1400)، والتى تم بناؤها بترسانة شركة "تيسين كروب" بمدينة كيبل الألمانية، حيث تم رفع العلم المصرى على الغواصة، إيذاناً بدخولها الخدمة بالقوات المسلحة المصرية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg