رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



حقيقة الديمقراطية اللبنانية

31-10-2018 | 21:11
فادى عاكوم

لا يزال البعض وهم كثر، منهم المتابع العادي للسياسة والاخبار، ومنهم من يعرف عن نفسه بأنه على إطلاع واسع للأوضاع في لبنان، يعتقدون بل شبه مقتنعون بأن الحياة السياسية في لبنان تعتبر نموذجًا لما يجب أن تكون عليه الأوضاع في سائر الأقطار في المنطقة العربية، باعتقادهم ان التنافس السياسي مبني على واقع تعددية حزبية ومنافسة شريفة قائمة على القواعد الشعبية التي تققر ما سيكون، خصوصًا إختيار الرؤساء ورؤوساء الحكومات والنواب، وهم لا يدرون أنهم وقعوا بالفخ الكبير أو الحفرة الكبيرة المغطاة بكلام معسول وشعارات براقة لطالما تفنن اللبنانيون بصناعتها ولا يزالون.
 
الحقيقة الغائبة والمغيبة، أنه لا يوجد ديمقراطية في لبنان، وقد يحتاج لبنان عقود طويلة للوصول فعليا إلى أدنى مستوياتها، وذلك عائد للورث السياسي الذي يتم تناقله عبر الأجيال المتتالية من العائلات السياسية التي كانت ولا تزال تتحكم بمصير لبنان وشعبه أو ما تبقى منه ولم يهاجر إلى أصقاع الدنيا، ففي لبنان تعتبر الوراثة السياسية القائمة على المناطقية والطائفية هي المتحكم بمسار السياسة العامة، الخارجي منها والداخلي على السواء، وكل إهتزاز في معادلة السياسة-الطائفة يجر إهتزازًا داخليًا يستمر لأشهر طويلة، وأبرز مثال الفراغات السياسية الناتجة عن عدم التوافق على رئيس الجمهورية في الأمس وتشكيل الحكومة اليوم.
 
وبإختصار شديد فلبنان يشهد إنقسامًا سياسيًا مناطقيًا، أو بمعنى أصح لبنان بلد مقسم تقسيمًا غير معلن، فكل فئة أو عائلة تسيطر على منطقة ومفاتيح القرار بها، وهذه العائلات موزعة أو باقية ومستمرة على أساس طائفي يحدد النسبة التي تحصل عليها من وزارات ونواب وموظفين من أرفع الدرجات إلى ادناها، فكل شيئ يتم بالتراضي بين الطوائف والتوزيع الطائفي، ولو حدث وأن إختل هذا التوازن تتوقف المسيرة والمعاملات، كما يحصل الان في مسار تشكيل الحكومة أو حتى كما يحدث في تعيينات كبار الضباط في قوى الأمن الداخلي.
 
الحكومة اللبنانية والتي تعتبر الشاغل الأكبر للمنطقة كانت لترى النور فور الإتفاق على تسمية سعد الحريري لرئاستها وتشكيلها لو ان لبنان فعلا بلد ديمقراطي، حيث يوجد عدد كبير من المختصين في كل الاختصاصات الذين لو وصلوا إلى الوزارات واداروها لتغيرت أمور كثيرة في لبنان على جميع الأصعدة خصوصًا ما يتعلق بالوضع المعيشي والخدمات التي يعاني اللبنانيون من ندرتها حيث ينعدم البسيط والأولي منها كالطرقات والبنى التحتية والكهرباء والمياه.
 
وقد يقول البعض ان هذا الكلام خاطئ تمامًا والدليل ما يحصل داخل البيت الماروني، حيث يتم التنافس بين حزبين هما القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، إلا ان الحقيقة هي ان التيار الوطني الحر يمثل عائلة سياسية جديدة يبنيها الرئيس ميشال عون، وذلك نظرا للطريقة التي يتحرك بها التيار من خلال الابناء والاصهرة والاقرباء من الدرجة الاولى الذين توزعوا وانتشروا ويتصرفون على هذا الاساس، بدعم من حزب الله الذي سعى من الاساس الى احداث ثغرة في حائط المارونية السياسية لاضعاف التمثيل المسيحي السياسي وشرذمته كما يحصل الان، وبالنسبة للقوات اللبنانية فاننا نعود الى مربع الطائفة حيث تعتبر الطائفة المارونية اساس هذا الحزب رغم الشعارات الوطنية البراقة ومحاولة تصوير الواقع بشكل مغاير عن طريق الايحاء ان للقوات مناصرين من مختلف الطوائف لكن الامر لا يتعدى الحملات الاعلامية والاعلانية المرافقة للانتخابات والانتشار، حتى ان شعار الحزب نفسه شعار طائفي ظهر خلال الحرب الاهلية اللبنانية ولا يزال الى اليوم، ومن يتابع شعارات وكلام مناصري القوات الاصليين يتاكد وبشكل قاطع ان الورث الطائفي هو الذي يحرك هذا الحزب، رغم دعم المملكة العربية السعودية له سياسيا وماليا، علما ان هذا الدعم لا يتعدى التحرك السياسي لابقاء النفوذ السعودي موجودا في لبنان بشكل فاعل وقوي.
 
أما العقدة الأبرز والتي تؤثر سلبا على الحياة السياسية في لبنان هي تشرذم البت السني، حيث تعاني الطائفة السنية من انعدام قائد حقيقي لها على غرار باقي الطوائف ويبقى الانقسام وعد الالتقاء العنوان الابرز لبعض كبار اللاعبين السنة في لبنان، علما ان ال الحريري من العائلات السياسية التي ظهرت بعيد الحرب اللبنانية بعد ضعف نفوذ عائلات كبيرة مثل آل سلام وكبارة والصلح وغيرهم.
 
وفي المحصلة يبقى ان نقول ان ما نراه اليوم في لبنان ويعتبره البعض ممارسة ديمقراطية ليس الا عراكا اقليميا بين اللاعبين الكبار، من خلال ممثليهم على الاراضي اللبنانية، حيث تتبع كل طائفة او فئة سياسية لجهة خارجية كدولة او جهاز مخابراتي، ولن يتم التوافق الداخلي على امر اساسي كالحكومة الا من خلال توافق اقليمي - دولي وما على اللبنانيين الا التنفيذ فقط.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg