رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



النفس البشرية

7-11-2018 | 02:45
د.عمرو بسطويسى

مما حير العلماء منذ الخليقة حتّى يومنا هذا هو «النفس البشرية». فهى فى شكلها واستيعابها للأمور وتفاعلها مع المحيط بها تُعَدُّ معجزة أبدعها الخالق لما تأتي به من أفعال وتصرفات، وأيضاً لما تفرزه من إبداع وفنون حيناً وجرائم ومصائب أحياناً أخرى مما يحير أصحاب العقول والمفكرين. فهى إذاً توليفة مُعقدة مُتداخلة يقف أمامها الواحدُ منا مذهولاً ومُنبهراً بقدرة الخالق. وهي أيضاً شيء غير مادي وغير ملموس، وهي المحرك لأجسادنا وأفعالنا دون وعي منا، كما أنها الروح التي تغادر أجسادنا عند الموت.  
وفى حياتنا هذه نحتاج دائماً إلى بعض القدرة على تقييم «نفوس» الأشخاص المحيطين بِنَا من الزملاء والأصدقاء والأقرباء أو أقرب الناس لنا لنتمكن من تحديد معايير وطبيعة التعاملات معهم ونجعل لها حدوداً قد تضيق وقد تتسع حسبما يسفر عنه هذا التقييم. 
نحن فى هذه الحالة لا نُقَيِّم الأشخاص بقدر ما نقيم «النفوس البشرية» لهؤلاء الأشخاص. 
والأمر بِرُمَّتهِ غاية فى التعقيد، وقد يفشل فيه الكثير من العلماء والمتخصصين لصعوبة وتعقيد «النفس البشرية».  وهذا يُعتبر من علامات الإعجاز فى خلق الإنسان، وضعها الله ليُثبت للبشر ألوهيته وقدرته، وسنظل نسبحُ فى بحورِ علمهِ الكبير ونحن نظن أننا نُطوِّر العلوم ونكتشف ما لم يكن فى الحُسبان وأننا ملكنا الأرض وما عليها، هذا..  إلى أن تقوم الساعة وتُرفع الحُجُب فندرك أن هذه ما هي إلا قطرات من بحر علمه المذهل الذي خلقه بقدرته بينما نحن فى ظهر آدم ساكنون فى بُطُون الغيب وبحور الجهل.
وإذا ما حاولنا أن نُبَسِّط على أنفسنا الأمور، فيمكننا أن نتخيل النفس البشرية كما لو كانت بَوتقة أو مَكنونا تَخَيُّليا كبيرا يحتوي على نقاط (أو مكنونات أصغر) تمثل الصفات البشرية التي خلقها فينا الله، وكل منها له مضاده أو عكسه، كالحب والكراهية، والشجاعة والخوف، والشر والطيبة، والإقدام والجبن، والذكاء والغباء، والوفاء والخيانة. وفى كل منها تكون التركيبة الشخصية أو النفسية هي حاصل تَغَلُّب إحدى الصفتين المتضادتين على الأخرى. فإن تغلبت مكنونية الشجاعة على الخوف، كانت الصفة السائدة على الشخص و«نفسه البشرية» هي الشجاعة، فيوصف بأنه شجاع وإن تغلب الشر على الخير فى نفسه ألفيناه شريراً فى ذات الوقت. وهكذا فقد يكون هناك إنسان شجاع لكنه شرير، أو جبان لكنه طيب، أو أن يكون ممن اصطفاهم الرحمن فينعم عليهِ بكل ما هو حميد من صفات. 
وعليه فإن تقييم النفس البشرية بهذه الطريقة يُمَكِّنُنا من تحديد ملامح سريعة للشخصيات المحيطة بِنَا وستكون إلى حدٍ ما مقبولة وصحيحة ومُساعدة على تحديد ملامح التعامل مع الإنسان والتوقعات لما قد يأتي به من أفعال وتصرفات. 
وهذا الأمر له أهمية كبيرة فى الحياة، ليس فقط على مستوى التعاملات الشخصية والحياة الاجتماعية، لكن، أيضا، فى أماكن العمل المختلفة حين نريد أن نضع على المناصب أفضل الكفاءات وطمعاً فى أن يتولى مقاليد الأمور أفضل الناس من أصحاب النفوس البشرية النقية والسليمة، وهذا مآله فى آخر الأمر إنجاز وحُسن فى الأداء. 
وكذلك فإن التقييم السليم للنفوس البشرية، ناهيك عن التقييم الوظيفي الاحترافي، له أهمية قصوى فى اختيار قيادات أية دولة بمختلف مستوياتها. وهذا هَمٌ كبير ومهمة صعبة لأية قيادة سياسية وتأخذ وقتاً وجهداً لا يدركهما الكثيرون من العامة. 
وقد يكون التقييم الوظيفي والاحترافي سهلاً وواضحاً بمجرد النظر إلى السيرة الذاتية لأي مرشح قيادي، ولكن لصعوبة تقييم النفس البشرية - كما ذكرنا - فإننا، مهما أوتينا من أسباب قد نقع بسهولة فريسةً للتقييم غير السليم ونكتشف بعد فترة من الاحتكاك العملي بالشخصية وجود إنسان آخر غير الذي اخترناه وتوقعناه فى أول الأمر بمعايير فى شخصيته ونفسيته أبعد ما تكون عن التقييم الأولي، مما ينعكس على حسن الأداء. وهنا تظهر أيضاً أهمية عنصر الزمن الذي يتوجب منحه لتأكيد أو نفي التقييم الأول. ولا يوجد مَثَل فى الحياه أقرب للأذهان من مبدأ «الخطوبة قبل الزواج» الذي يعتبر محاولة لإعطاء فرصة وقتية للتقييم المتبادل لزوجي المستقبل ليختبر كُل منهما «النفس البشرية» لصاحبه. 
نحن نرى الآن فى مصر تغييرات فى القيادات العليا والوزارات والمؤسسات الكبرى فى الدولة فى محاولة دؤوب من القيادة السياسية لأن يتولى أمورَنا خِيارُنا، فتكون الصفات الغالبة على القيادات هي الشجاعة والقوة والإقدام والوطنية الصادقة وطهارة اليد والقدرة على الإنجاز - وبسرعة ودقة - وإيمان بالله والوطن بلا حدود.
تحيا مصر .. بأصحاب النفوس الطيبة
تحيا مصر ..  بأصحاب النفوس الطاهرة
تحيا مصر .. بأبنائها المخلصين
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg