رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



تأسس عام 1980 ويرتبط بتنظيم الشريعة الإرهابى فى المغرب العربى.. حقيقة التنظيم السرى لحزب النهضة التونسى

9-11-2018 | 12:57
أبو الفضل الإسناوى

 
ثلاثة سيناريوهات للأزمة جميعها تقود لخسارة النهضة التعاطف الداخلى والخارجى
 
على طريقة العصابات.. النهضة تتخلص من كمال القضقاضى قاتل شكرى بلعيد  خلال محاولة القبض عليه
 
كشفت هيئة الدفاع عن السياسيين شكرى بلعيد، الأمين العام السابق لحزب الوطنيين الديمقراطيين، ومحمد البراهمي، الأمين العام السابق لحركة الشعب، فى مؤتمر صحفى عقد فى تونس فى الرابع من أكتوبر الماضى - عن تورط حركة النهضة عبر "تنظيم سري" فى اغتيال المعارضين التونسيين أثناء توليها السلطة فى تونس، وممارسة الحركة لعمليات تجسس على أجهزة الدولة وجهات خارجية.
 
وقالت هيئة الدفاع إن هناك وثائق وأدلة تثبت علاقة الحركة بتصفية المعارضين فى عام 2013، وأن هناك جهازا سريا ذا خلفية عسكرية يتبع الحركة، ويقوم بإدارته شخص يدعى مصطفى خضر، وعلاقته قوية بتنظيم الشريعة الإرهابى المنتشر فى عدة مناطق فى المغرب العربي، وخارجها. 
 
قيام النيابة العامة التونسية بالاطلاع على تلك الوثائق المقدمة من هيئة الدفاع، حيث أكد المتحدث باسم النيابة العامة التونسية فى اليوم التالى من الإعلان عن تلك الوثائق، قائلاً: إن" النيابة العامة أذنت بإجراء الأبحاث اللازمة على إثر ما ورد من معطيات بمؤتمر صحفى لهيئة الدفاع"، يطرح عدة تساؤلات، هي: ماذا لو كشفت الوثائق عن تورط النهضة فى اغتيال "بلعيد" و"البراهمي"، وامتلاك الحركة لتنظيم سرى مسلح؟ وكيف يؤثر ذلك على مستقبل الحركة السياسى فى الداخل؟ وموقف الخارج الذى يعتبرها النموذج الأفضل للإسلام السياسى المعتدل بعد 2011؟، وما حدود تأثير صحة تلك الوثائق على مستقبل رئيس الوزراء يوسف الشاهد، خصوصا بعد ارتباطه سياسيا بالحركة، وإعلانها عن دعمه فى مواجهة الرئيس التونسى "السبسي"؟.
 
بدايات التنظيم السري
 
تُتهم حركة النهضة بامتلاكها تنظيما "سريا عسكريا" منذ أن كانت تحمل اسم "الجماعة الإسلامية" فى عام 1972،  ففى الخامس من ديسمبر 1980، كشفت لأول مرة قوات الأمن التونسية عن التنظيم السرى للجماعة، ووقتها تم القبض على كل من صالح كركر، أحد مؤسسى الحركة، وبن عيسى الدمنى أحد أعضاء المكتب السياسى للحركة بعد 2011، وتمكنت قوات الأمن بعد القبض على بعض رموز الحركة من كشف الوثائق السرية المتعلقة بتحركات الجماعة.
 
الملاحظ أن حركة النهضة منذ نشأتها، وتكرار اتهامها بالعمل السرى والمسلح، تعلن بعد كل مرة عن عقد مؤتمر عام، وتؤكد فيه عن مدنيتها، وتركها للعنف، حتى إنها بعد اتهامها من قبل قوات الأمن عام 1981، بإدارتها لجهاز سرى وعنيف، قامت بعقد مؤتمرها الثانى فى إبريل من نفس العام، لتنفى هذا الاتهام، وأعلنت عن ضرورة العمل العلني، وغيرت اسمها فى ذلك الوقت إلى" حركة الاتجاه الإسلامي"، وأقرت مبدأ الابتعاد عن العنف.
 
برغم عدم توقف الاتهامات حول امتلاك حركة النهضة لتنظيم سري، خصوصا بعد ما تم كشفه فى السادس من يوليو 1986، من قبل بعض رموز الحركة، ويقال هو " عبد الفتاح مورو"، عن ملامح التنظيم السري، وأدبيات الحركة فى هذا الشأن- فإنها تمكنت من خلع هذا الاتهام، بسبب إعلانها عن تحولات فكرية ظلت تعلنها منذ نشأتها حتى مايو 2016، وهو تاريخ عقد مؤتمرها العاشر، الذى أكدت فيه فصلها بين الدينى والسياسي.
 
استناداً على ما سبق، يمكن القول إن حركة دائمة المراوغة فى كل مرة تتهم فيها بأن بامتلاكها "نظاماً سرياً"، حيث سرعان ما تخفى كل ما يتعلق بتنظيمها السري، بمدنية الحركة، وأنها تمثل الإسلام السياسى المعتدل، ففى مؤتمرها الذى عقدته فى 1986، بعد محاولات الكشف عن تنظيمها السري، راحت تعلن عن فكر جديد، وعن تحولات فى اتجاهاتها وموقفها من السلطة والحزب الحاكم، وبعد 2013  أى بعد اغتيال المعارضين "بلعيد" و"البراهمي"، وإصرار أنصارهما على كشف من وراء العمليتين، راحت الحركة أيضا تعقد مؤتمرها العاشر، وتؤكد عن تحولات جديدة فى فكرها، وموقفها من مدنية الدولة، لكسب التعاطف الأوروبى والأمريكى مع ما تبقى من تيار الإسلام السياسى فى السلطة بعد سقوط جماعة الإخوان فى مصر.
 
تصعيد أنصار بلعيد والبراهمي
 
منذ الإعلان عن مقتل كمال القضقاضي، المتهم الرئيسى فى عملية اغتيال شكرى بلعيد، فى فبراير 2014، خلال محاولة القبض عليه، والاتهامات تلوح ضد حركة النهضة، التى كانت فى السلطة فى تلك الفترة، خصوصا أنه بعد مرور عام تقريباً على مقتله على يد قوات الأمن، بدأت تساؤلات بعض المحللين، تشكك فى أسباب مقتله برغم إمكانية القبض عليه حياً، وقال بعض خبراء الأمن التونسيين وقتها، إن" مدبر عملية اغتيال بلعيد، كانت له مصلحة فى مقتل وموت القضقاضي، أى إن كل من خطط ومول ودبر وأعطى الأوامر له مصلحة فى مقتل كمال القضقاضي، لأنه كان يمكن أن يتم القبض عليه".
 
كما أن تعهد الرئيس "السبسي" بعد توليه السلطة مباشرة، بكشف حقيقة اغتيال بلعيد والبراهمي، حيث قال: إن" من قتل بلعيد، ومن مول من الوراء، لا يمكن الإجابة عن ذلك اليوم.... واستكمل قائلاً، لكن يظل السؤال مطروحاً وتتكشف الحقيقة يوما، وما ضاع حق وراءه مطالب"- مثل دافعا قويا لهيئة الدفاع، فى الإعلان عن وثائق التنظيم السري، وفتح الملف، واتهامهم للحركة بوجود تنظيم سري، وعسكرى مواز للتنظيم المدنى.
 
فقد كشفت وثائق أعلنتها هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمى فى الرابع من أكتوبر الجاري، أن شخصاً يدعى مصطفى خضر، يدير جهازا سريا يتبع الحركة، ويعمل بصورة موازية للدولة، بالإضافة إلى مكالمات هاتفية تمت بينه وبين وزيرى العدل الأسبق، ورئيس الكتلة البرلمانية لحركة النهضة فى مجلس نواب الشعب التونسي( البرلمان)، نور الدين البحيري، وعلى العريض، رئيس الحكومة الأسبق، ونائب رئيس حركة النهضة. وقالت: إن الاتصالات بين هذه الأطراف، وكذلك المراسلات بينهم، تشير إلى وجود تنظيم سرى يتبع النهضة، متورط فى اغتيال بلعيد والبراهمي، بالإضافة إلى عمليات تجسس على أجهزة الدولة، وأشارت إلى أنه من أهداف التنظيم الخاص، بناء منظومة أمنية موازية، واستقطاب قضاة وعسكريين، بالإضافة إلى التعاون مع الجماعة الأم فى مصر.
إعلان النيابة العامة التونسية بعد أربعة أيام من تصريحات هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمى بشأن النهضة، وتنظيمها السرى العسكرى، عن فتح التحقيق، بالإضافة إلى رغبة هيئة الدفاع فى تقديم الوثائق إلى القضاء العسكري، وتدويل القضية إذا لم يتم الكشف عن حقيقة تلك الوثائق- يشير إلى عدة سيناريوهات، جميعها تصب فى غير صالح حركة النهضة، وتشير إلى مأزق داخلى وخارجى قد يخسرها انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية التى خططت لها مبكراً.
 
سيناريوهات محتملة
 
ما قد تنتهى إليه تحقيقات النيابة التونسية بشأن وثائق أنصار بلعيد والبراهمي، فى ظل إصرار هيئة الدفاع على التصعيد لكشف حقيقة الوثائق، بالإضافة إلى الردود الضعيفة من قبل الحركة على الاتهامات الموجهة إليها، يمكن أن يتضح من خلال عرض السيناريوهات الثلاثة، التالية، وهي:
 
السيناريو الأول، ويعنى أن تحقيق النيابة ينتهى إلى تأكيد ما تضمنته الوثائق، من امتلاك  حركة النهضة جهازا سريا، وتورطها فى مقتل بلعيد والبراهمي، وفى حالة تحقق هذا السيناريو، فإن الحركة قد تخسر ماضيها ومستقبلها، ويشكك فى المؤتمرات التى كانت تعقدها، للتأكيد على مدنيتها، وفصلها بين ما هو دينى وسياسي. وإذا ثبت وجود جهاز سرى للحركة ستفقد أيضاً الداخل التونسي، وبالتالى تخسر الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى 2019، وتخسر الدول الغربية، التى تعتبرها النموذج الأمثل للإسلام السياسى المعتدل، وبالتالى تفقد الحركة الدعم الأوروبى والأمريكي. كما أن تأكيد النيابة امتلاك النهضة لجهاز سري، وتورطها فى مقتل السياسيين، سيشكل ضغطا كبيرا على حكومة يوسف الشاهد، الذى تحالف مع الحركة ضد الرئيس السبسي.
 
السيناريو الثاني، يتضمن براءة حركة النهضة مما نسب إليها من قبل هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي، وتحقيق هذا السيناريو سيؤدى إلى مزيد من ضغط الحركة على الرئيس السبسي، وتقوية التحالف مع يوسف الشاهد ضده، حيث إن الحركة وفقاً لهذا السيناريو ستحاول تحسين صورتها فى الداخل والخارج عن كل ما فعلته منذ عام 1981 حتى 2013، وبالتالى تنفى جميع الاتهامات التى وجهت لها بامتلاكها تنظيما سريا خلال تلك الفترة. ومخاطر هذا السيناريو، تتمثل فى أن حركة النهضة ستحاول استغلال تحقيقات النيابة، وتعتبر ما حدث يعد طعنا فى مصداقيتها، وبالتالى تستغله انتخابياً، وتحاول توحيد صفوفها إلى أقصى درجة، وقد يؤدى تحقق هذا السيناريو إلى ضغوط على حزب نداء تونس، خصوصا بعد اتهامه من قبل البعض بأنه وراء تلك الحملة، وبالتالى سيكون الفراق مع الرئيس السبسى واجبا وحتميا.
السيناريو الثالث، ويعنى طول أمد التحقيقات، وحدوث تصعيد فى هذه القضية، وتلجأ هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمى إلى القضاء العسكرى للتعجيل. ووفقا لهذا السيناريو فإن الصراع بين تيار اليسار التونسى وحركة النهضة سيصل إلى مصراعيه، وبالتالى قد تتغير خريطة التحالفات والتربيطات بين أطراف المعادلة السياسية التونسية، وقد تكون أهم ملامحها فى عودة تيار اليسار إلى سابق قوته، وإلى ما كان عليه بعد ثورة الياسمين 2011.
 
فى النهاية، يمكن القول: إن بقاء حركة النهضة وتصدرها للمشهد السياسى فى تونس، مرتبط بما تخرج عنه تحقيقات النيابة بشأن الوثائق المسربة بامتلاكها جهازا سريا، وقيامها باغتيال العديد من الشخصيات السياسية، والإرهابية التى لعبت معها الدور المزدوج.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg