رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



أدباء ومفكرون من المحيط للخليج: «زايد».. عابر للزمن

17-11-2018 | 22:42
السيد حسين

د. طلال الجنيبي: تفكيره قام على نهج الاعتدال والتوازن وعدم الميل نحو اتجاه دون الآخر إلا فى القضايا القومية

الكاتبة الإماراتية مريم الزرعونى: صاغ بالعقل والاستنارة مبادئ الدولة الحديثة
 
د. عادل عامر: وضع الإنسان الإماراتى محور تفكيره.. واعتمد التعليم كأساس للبناء ونجح فى بناء دولة مؤسسات
 
الروائى والكاتب ناصر عراق: كان حكيماً متفردًا استطاعت حكمته أن تتجاوز الزمن من قرن إلى آخر 
 
الخبير الإعلامى ياسر عبد العزيز: امتلك «كاريزما» خاصة جعلت الكاميرات تعشقه والأنظار تتعلق به
 
كان للشيخ زايد بن سلطان «6 مايو 1918 - 2 نوفمبر 2004” أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، وصية قبل وفاته، قال فيها “نهضة مصر نهضة للعرب كلهم.. وأوصيت أبنائى بأن يكونوا دائما إلى جانب مصر.. وهذه وصيتي، أكررها لهم أمامكم، فهذا هو الطريق لتحقيق العزة للعرب كلهم.. وإن مصر بالنسبة للعرب هى القلب، وإذا توقف القلب فلن تكتب للعرب حياة”. وقد وقف الشيخ زايد بجانب أرض الكنانة فى أوقات صنع البطولات ومعركة استرداد الحق والأرض، وأن كل هذا التاريخ الحافل جعل من مصر والإمارات أشقاء.
 
يؤكد الدكتور طلال الجنيبي: الخبير الدولى بالإدارة السلوكية الشاعر والأديب الإماراتي، أن القائد المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ارتكز على الفكر الوحدوى القائم على تجاوز مناطق الاختلاف، لصالح الوصول لمناطق الالتقاء، إيمانا من الراحل الكبير أن العالم بتحدياته لا يحترم ولا يقدر إلا الكيانات المتحدة المتماسكة، وهذا ما تمثل جليا فى نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة، التى استطاعت فى زمن قياسى، أن تحقق ما عجزت عنها دول سبقتها فى التجربة والإمكانات.
ويضيف الجنيبى، أن أسلوب تفكير زايد بن سلطان، القائم على نهج الاعتدال والتوازن وعدم الميل نحو اتجاه دون الآخر، إلا فى القضايا القومية، كان سببا مهما فى النهوض بهذه الدولة الفتية، نتيجة هذا الفكر التقدمى الذى مثل صمام أمام لهذا الوطن، فى وجه التحديات الجسام التى واجهته ونجح باقتدار فى تجاوزها، حتى أصبحت هذه الدولة أنموذجا تنمويا يشار إليه بالبنان، ويسير على خطاه الآخرون.
 
 تفكيره النهضوى للإمارات 
أما الدكتور عادل عامر، رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية، فيقول: إن الشيخ زايد وظّف جميع الموارد لخلق وطن يحتضن المواطن، الذى يشعر بالانتماء والولاء للوطن وقيادته، وأدرك الشيخ زايد فى وقت مبكر من قيام الاتحاد، أن بناء الأوطان يجب أن يبدأ من بناء الإنسان، الذى يشكل أساس التنمية ومحورها الرئيسي، وهذا البناء جوهره الأساسى التعليم، ففتح زايد أمام أبناء الإمارات كل أبواب العلم والتعلم، وأعطى الغالى والثمين لهذا الهدف، باعتبار الشباب الثروة الحقيقية للوطن”.
 
الحقيقة أن نجاح دولة الإمارات لم يأتِ مصادفة أو بسرعة، إنما نتاج أسس متينة ونهج راسخ، وضع لبنته الأولى المغفور له الشيخ زايد، فلذلك يحتل الشيخ زايد مكانة متميزة فى قلوب وعقول أبناء الإمارات، لما له من مآثر ومناقب وجدانية وقيم أخلاقية وإنسانية ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى، باتت نهجاً وطنياً فى سيرة ومسيرة القائد المؤسس، فهو رجل أعطى بلا حدود للقريب والبعيد، وسخر فكره وإمكاناته لخدمة وإسعاد شعبه، ووضع الإنسان الإماراتى محور تفكيره، وفور اكتشاف النفط حرص على دراسة المزايا الناتجة عن دخول الدولة نادى منتجى النفط، وخطط وتابع من أجل أن يضمن توزيع عائده المالى على شعبه، وظل لسنوات طويلة يطور رؤيته الخاصة من أجل إيجاد مجتمع حديث ومزدهر.
 
ويضيف عامر، أن الرمال البيضاء والبحر كانا هما البيئة حينذاك، وبدأت الإمارات تنمو قليلاً كنمو النبات وتستقبل مزيداً من البشر، وبدأت المبانى تظهر وتشق الطرق عبر رمالها، واستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يشعر الناس بالمنافع الحقيقية لهذه التغييرات، حيث ظلت حياة الكثير من القاطنين فى المناطق النائية وبعيداً عن حقول النفط الجديدة قاسية، وتمثل صراعاً يومياً للبقاء. لكن مجهودات جبارة بذلت، لتتحول هذه المدن التى كانت عبارة عن قرى غارقة فى التخلف والنسيان، إلى مدن عصرية بكل معانى الكلمة، لا تفتقر إلى شيء مما هو موجود فى مدن الدولة الكبرى.
 
ينظر العالم اليوم بانبهار إلى تجربة الإمارات ويقرأ بإعجاب قصة كفاح شعب وقيادة ومسيرة وطن، بدأها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس الإمارات الحديثة، وناضل خلالها ضد كل ما يعترض طريق البناء والتنمية والرخاء، وعلى رأسها المناخ القاسى وندرة الموارد.
 
ويوضح عامر أنه بالعودة إلى الماضي، ومع حلول منتصف ستينيات القرن الماضي، بدا واضحاً أن الطريق بات ممهداً أمام الشيخ زايد لتحقيق رؤيته وتطبيقها عملياً بعد أن فتح عينيه على قومه، وقد نالت منهم سنوات الحرمان، وأخذ يتابع من مكان إقامته فى واحة العين الصحراوية تلك التغييرات التى كانت تحدث ببطء شديد.
 
وفور اكتشاف النفط حرص على دراسة المزايا الناتجة عن دخول الدولة نادى منتجى النفط، وخطط وتابع من أجل أن يضمن توزيع عائده المالى على شعبه، وظل لسنوات طويلة يطور رؤيته الخاصة من أجل إيجاد مجتمع حديث ومزدهر. لقد كان لاكتشاف البترول المفاجئ أثر درامى فى الإمارات، فقد أصبح الناتج المحلى 6 مليارات و500 مليون درهم عام 1971 لم يخصصه الشيخ زايد، رحمه الله، لنفسه، وإنما اختار إنفاقه لخير شعبه، عبر برنامج طموح لإقامة المشاريع العامة، بدأ بإنشاء مجتمع حديث يحل محل المجتمع القديم فى هذه البقعة من العالم. ومنذ سنوات قليلة مضت، كان عدد سكان مدينة أبو ظبى لا يتعدى آلافاً معدودة، يعملون فى حرف قديمة مثل صيد اللؤلؤ وصيد الأسماك والسفر الشراعى وبناء السفن، وكانت همزة الوصل للقوافل ومرسى لسفن السفر والنقل البحري.
 
وكان تفكيره، طيب الله ثراه، يسبق عصره وكان همه وشغله الشاغل هو بناء دولة مؤسسات حتى يضمن لجيل اليوم أن يقطف ثمار زرعه، وأن تتقدم الإمارات بخطى سريعة واثقة شعارها بناء الإنسان، والإمارات ملحمة بناء عطرها الآباء الأوائل بالعزيمة وصدق الرؤية، فعاشها الأحفاد رواية تحكى للدنيا قصة ملحمة بناء ومعجزة فوق الرمال.
وكان الموعد حين أضاءت عزيمة رجل وشجاعة رفاقه سماء الإمارات لينبلج الفجر عن غرة «زايد الخير»، راسماً بالقلم والورقة خريطة وطن بمساحة حلم، ليسمع ويرى الجميع قصة بناء وطن من مجد ويقرأ العالم منبهراً، تاريخ رجال بنوا وطناً اسمه دولة الإمارات.
 
واليوم أحسن الإماراتيون التعلم من ملهمهم، رحمه الله، وفازوا فى نضالهم ضد خصومهم الثلاثة بقوة، وكانت هذه الفترة بالنسبة للقيادة والحكومة فترة حافلة بالتغيير، فبعد سنوات من انحسار دور صناعة اللؤلؤ، كمصدر تقليدى للدخل، كانت المنطقة تعانى بالفعل مصاعب اقتصادية شديدة، غير أن النمو المستمر فى أنشطة استخراج النفط فتح آفاقاً واسعة جديدة، ليس فقط فى مجال الصناعة والتوظيف، لكن أيضاً فى القطاع التجاري، حيث تولت المشاريع والمؤسسات التجارية العديدة التى أقيمت آنذاك، توفير جزء كبير من توريد احتياجات الحقول النفطية القائمة.
الرمال البيضاء والبحر كانا،  هما البيئة حينذاك، وبدأت الإمارات تنمو قليلاً كنمو النبات وتستقبل مزيداً من البشر، وبدأت المبانى تظهر وتشق الطرق عبر رمالها، واستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يشعر الناس بالمنافع الحقيقية لهذه التغييرات، حيث ظلت حياة الكثير من القاطنين فى المناطق النائية، وبعيداً عن حقول النفط الجديدة قاسية وتمثل صراعاً يومياً للبقاء.
لكن مجهودات جبارة بذلت لتتحول هذه المدن التى كانت عبارة عن قرى غارقة فى التخلف والنسيان إلى مدن عصرية بكل معانى الكلمة لا تفتقر إلى شيء مما هو موجود فى مدن الدولة الكبرى. وتقدر مشاريع أبو ظبى بأكثر من 200 مليار دولار، وحازت الإنشاءات الضخمة على الساحل مثل قصر الإمارات وحلبة ياس، وجزيرة السعديات، وبرج خليفة، وأبراج الإمارات، وفندق برج العرب، سمعة وشهرة عالمية واسعة، وجذبت كثيراً من مهندسى المعمار من جميع أنحاء العالم إلى المنطقة، بهدف تشييد منشآت مميزة ملفتة للأنظار.
تسارعت خطى التطور فى العاصمة أبو ظبي، حتى أصبحت فى غضون عقد من السنوات واحة أعمال مزدهرة تستقطب اهتمام العالم، وتلهم جيرانها بتأسيس مشاريع مشابهة. وتعيش أبو ظبى فى الوقت الحاضر، مرحلة نهضة حقيقية بتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، ومتابعة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولى عهد أبو ظبى نائب القائد الأعلى.
 
حكيم عابر للزمن
أما الروائى والكاتب ناصر عراق فيقول: تؤكد الحياة العريضة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أن ثمة رجالا قادرين على إعادة ترتيب التاريخ من جديد وفقا لمصالح شعوبهم، وأن الأمة العربية يمكن أن تنجب قادة أفذاذا يعملون على تأسيس دول حديثة تنافس الدول الكبرى المستقرة فى العالم، والشيخ زايد كان واحدًا من هؤلاء القادة الأفذاذ، فالرجل الذى لعب الدور الأهم فى تأسيس دولة الإمارات عام 1971، عمل سريعًا على تشييد المؤسسات الفاعلة التى تنهض عليها أى دولة حديثة، فاهتم بالعلم والصناعة والزراعة والتجارة ونشر الفنون والآداب، وتعزيز فضيلة التسامح، كما شجّع الموهوبين من أبناء بلده على تفجير طاقاتهم الخلاقة، ليسهموا فى ترسيخ مفهوم الدولة الحريصة على إسعاد مواطنيها وكل من يقيم بها.
باختصار... الشيخ زايد كان حكيمًا متفردًا، استطاعت حكمته أن تتجاوز الزمن من قرن إلى آخر. 
 
أراد لشعبه ما أراده لذاته 
الروائية والكاتبة الإماراتية مريم الزرعونى فى مدينة العين، ذلك الإصبع الفالت من صحراء الربع الخالي، حيث يتماوج الكثيب العارى مع الفلج الدفاق. فى نهاراتٍ حارة طويلة اعترك الإنسان فيها بالمكان ومطالباته، وليالٍ موحشة باردة أعادت ترتيب الهموم وأوجزت له المهام. مولد زايد ومرباه، حاضنته التى صقلت فيه الشيم ورسخت فيه المناقب، وحفرت فى مخيلته تصوراً أفضل للحياة التى يجب أن يحظى بها أخيه وشريكه فى الهم والأرض.
فكان على غير العادة، رجل الصحراء الأرفق من دفق الماء على الأفواه التى قرّحها العطش، ذلك الجلد الحكيم، الذى أراد لشعبه ما أراده لذاته، فكان أن باشر فكرة الوحدة، فى حين سارع الآخرون إلى فكرة الاستئثار.
وصاغ بالعقل والاستنارة مبادىء الدولة الحديثة حتى وصفه النقيب أنطونى شوبارد فى كتابه «مغامرة فى الجزيرة العربية»: “إن زايد يحظى بإعجاب وولاء الجميع، وهو بلا شك أقوى شخصية فى الإمارات المتصالحة، لقد كان واحداً من العظماء القلة الذين التقيت بهم”.
 
“النفط العربى ليس أغلى من الدم العربي” 
من جانبه يؤكد الدكتور ياسر عبد العزيز، الخبير الإعلامى، أنه يبرز الشيخ زايد الذى نحتفل بمرور مائة سنة على ميلاده هذا العام، كأحد أكثر القادة تفهماً لرسالة الإعلام، وعملاً على تمكينه؛ وهو برؤية ثاقبة، وعزم لا يلين، استطاع أن يطور منظومة إعلامية ملهمة وقادرة على الأداء الملتزم والناجع فى آن.
لا يمكن تقصى رؤية زايد وسياساته إزاء العمل الإعلامى من دون أن نعرج على جانبين؛ أولهما علاقته بالإعلام كمصدر، وثانيهما سياساته الإعلامية كرجل دولة من طراز فريد، سعى إلى تأسيس المجال الإعلامى لبلاده بما يتفق مع رؤيته وتصوره عن دولته الوليدة.
فى الجانب الأول، يتفوق زايد على نفسه وعلى غيره من القادة الذين عاصروه فى زمانه، لكونه امتلك “كاريزما” خاصة، جعلت الكاميرات تعشقه، والأنظار تتعلق به، بموازاة القدرة الفائقة على ضبط الحديث، واختيار الكلمات الدقيقة والموجزة.
ويشير عبد العزيز إلى أنه يصعب جداً على القادة أن يتخيروا الكلمات التى تمكنهم من التعبير وإثارة الانطباع فى آن، ولا شك أن زايد كان موهوباً فى هذا الصدد؛ إذ لم نعرف أنه درس هذه الآلية فى أى من المعاهد، لكنه بالصدق، ووضوح الهدف، والإخلاص، والعمق، والثقافة، وليس زرابة اللسان، تَمَكّن من امتلاك ناصية البيان والتأثير، واستطاع أن يطور بلاغته الخاصة، التى تمثل باباً فريداً ضمن أبواب الأدب السياسي.
لا يمكن نسيان تصريحه الشهير فى أعقاب اندلاع حرب أكتوبر بين مصر وسوريا من جانب وإسرائيل من جانب آخر؛ حينما قال بإخلاصه المعهود: “النفط العربى ليس أغلى من الدم العربي”. تكمن روعة هذا التصريح الموجز، فى تمامه ووفائه بالمعانى المطلوب إيرادها كلها، فى أقل الكلمات وأبلغها؛ وهو وإن انطوى على هذا الزخم الشعوري، والحس العروبى الأصيل، فإنه لم يفقد قدرته على التعبير الواضح الصريح.
سيمكن لعديد الأجيال من أبناء الأمة العربية أن يتدارسوا تصريحات زايد وأقواله فى مناسبات مختلفة، وسيكون لزاماً على السياسيين الذين يتطلعون لترقية أدائهم فى الخطاب العمومى أن يستخلصوا منها العبر، ومع ذلك، فإنها ستظل قادرة على إلحاق الدهشة بنا عبر تجاوزها لسياقها الزمنى حكمة واستشرافاً.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg