رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



من بعيد.. شكر ورجاء

21-11-2018 | 18:16
د . طه حسين

كانت الثورة الفرنسية هى التى اعترفت لأول مرة فى الغرب بأن للأدباء والعلماء والفلاسفة ورجال الفن حقا فيما ينشئون ويؤلفون.
وبأنهم يملكون آثارهم وبأن ملكهم لهذه الآثار مقدس، كملك أصحاب المتاع المادى لما يملكون.
 
وكانت الثورة المصرية القائمة هى التى اعترفت لأول مرة فى الشرق للأدباء والعلماء والفلاسفة ورجال الفن بمثل هذا الحق، فأصبح للمؤلفين فى مصر مثلما للمؤلفين فى البلاد الغربية من الحقوق فى آثارهم يملكونها ويدافعون عن ملكهم لها، ويحميهم القانون الذى أصدرته حكومة الثورة حماية صريحة واضحة الحدود، لاشك فيها ولا لبس من كل ما كانوا يتعرضون له من الظلم والحيف والاعتداء.
وكذلك أشبهت ثورتنا المصرية ثورة الفرنسيين من هذه الناحية الخطيرة، ناحية الحماية القانونية للأدب والعلم والفن والفلسفة.. وما أكثر مما تمدح الملوك والرؤساء منذ العصور القديمة، وما أكثر ما مدحهم الناس بأنهم كانوا حماة للإنتاج العقلى على اختلاف ألوانه.. حتى أضيفت إلى بعضهم عصور كاملة.
 
فذكر عصر بيريكلس فى أثينا، وعصر أغسطس فى روما، وعصر إليزابيث فى بريطانيا العظمى، وعصر لويس الرابع عشر فى فرنسا، كما أضيفت حماية الإنتاج العقلى إلى كثير غير هؤلاء من الملوك والرؤساء والطغاة فى الشرق والغرب.
 
ولكن هذه الحماية كانت تقرن بالأشخاص وأهوائهم وميولهم.. وكانت توقت بحياتهم، فكان الملك أو الرئيس أو الطاغية يحمى الإنتاج العقلى ويغرى به ويعين عليه، لأن كان يحبه ويهواه أو لأنه كان يرى فى حمايته دعاء لنفسه وإغراء بحبه ومنافسة لخصومه.
 
وكانت هذه الحماية إذن موقوتة لا تلبث أن تزول حين ينقضى سلطان هذا الملك أو الرئيس أو الطاغية بالموت أو الخلع، أو ما شاء الله من الأسباب، وكانت هذه الحماية مذلة للعقل يمن بها عليه أصحاب السلطان حين يريدون أن يمنوا بها، أو حين يحتاجون إلى أن يمنوا بها، فكان الأمر بينهم وبين العقل أمر بيع وشراء يشترى القوى ويبيع الضعيف، وفرق عظيم بين تلك الحماية التى أنتجت خيرا كثيرا على ما فيها من النكر، وبين الحماية الجديدة التى أنتجتها الثورة الفرنسية فى الغرب.. وأنتجتها الثورة المصرية فى الشرق.
 
فالحماية القديمة تفضل يصدر عن حول الملوك وطولهم وحاجتهم ومالهم، والحماية الجديدة حق يصدر عن اعتراف الشعب بأن للإنتاج العقلى عليه فضلا يجب أن يقدره، وجميلا يجب أن يشكره وحرمة يجب أن ترعى.
 
والشعب لا يزول كما تزول الأشخاص ولا يمنّ كما يمنون، وإنما هو خالد ما أتيح الخلود للشعوب، والحقوق التى تصدر عنه خالدة مثله، والحق يتلقاه الناس عن الشعوب لا ذل فيه ولا هوان، لأنهم يتلقونه عن نظرائهم ولأنه يشتق لهم من طبيعة الحياة، فليس لأحد أن يمنّ به على أحد، إنما هو نتيجة طبيعية للتضامن بين أبناء الشعب الواحد فيما لهم من الحقوق وفيما عليهم من الواجبات.
فلنحمد لثورتنا إذن أنها أصدرت هذا القانون، بعد أن كثر الأخذ والرد فيه وما أكثر ما تحدث العهد الماضى عن هذا القانون منذ ربع قرن، وما أكثر ما وعدت الحكومات بإصدار هذا القانون، ثم مرت رياح الصيف أو رياح الشتاء بتلك الوعود، ولقد احتلت منذ أعوام حتى عرض أحد الشيوخ مشروعا بقانون لحقوق المؤلفين على مجلس الشيوخ، فلم يكد ذلك المشروع يعرض حتى ألجأه المجلس إلى حيث يغرق فى نوم لا آخر له.
 
ثم احتلت حين كنت وزيرا حتى عرضت وزارة العدل نفس هذا المشروع، أو شيئا قريبا منه، على مجلس النواب، فالجأه المجلس إلى نفس المضجع الذى ألجأه إليه مجلس الشيوخ، حتى جاءت الثورة فلم توقظه من نومه، وإنما بعثته من موته، وجعلته قانونا حيا يحمى المؤلفين من العاديات، ويشعرهم آخر الأمر بأن الشعب قد عرف لهم حقهم وقدر لهم جهدهم، وأعطاهم العهد بأن يعيشوا أحرارا كراما.
 
ولكن رئيس الوزراء الذى أسوق إليه هذا الحديث يعلم أن المؤلفين كغيرهم من الناس، لا يظفرون بشىء إلا طلبوا أكثر مما ظفروا به، وهو يعلم أن حاجة من عاش لا تنقضى، وأن السنة بين الحاكمين والمحكومين أن يطلب هؤلاء ويستجيب أولئك ما وجدوا إلى الاستجابة سبيلا، وقد طلب المؤلفون الاعتراف بحقوقهم وتنظيم الحماية لهذه الحقوق، وسمحت لهم حكومة الرئيس جمال عبد الناصر بعد أن وضعت الحكومات الماضية أصابعها فى آذانها، وأنا أطلب اليوم إلى الرئيس باسم المؤلفين على اختلاف أنواعهم وفنونهم شيئا جديدا، وأعتقد أنه سيجيبنى إليه كما أجاب الأدباء والمؤلفين إلى إصدار هذا القانون.
 
وهذا الذى أطلبه هو حماية الضعفاء من المؤلفين والضعفاء من أبنائهم وأزواجهم وذوى الحاجة ممن يعولون، حمايتهم من البؤس والعوز، ومن ذل الحاجة ومن التردد بين هاتين المذلتين المنكرتين، مذلة العدم إن كانوا كراما ومذلة السؤال إن أعوزتهم هذه الكرامة.
 
وأطلب إليه شيئا آخر هو حماية المؤلفين الناشئين وتشجيعهم وتمكينهم من أن ينشروا ما ينتجون دون أن يتكففوا الناس، ودون أن يتملقوا الناشرين ويريقوا بين أيديهم ماء وجوههم إن كان فى وجوه الناس ماء يراق، وهذا كله لن يكلف الدولة من الجهد والمال إلا قليلا أو أقل من القليل، فهناك مصدران لتحقيق هذا الرجاء الذى أرفعه إلى رئيس الوزراء، أحدهما ضريبة يسيرة تفرض على كل ما ينشر من الكتب القديمة التى سقط عنها حق أصحابها القدماء، والآخر ضريبة يسيرة تفرض على حقوق المؤلفين التى ضمنت لهم بهذا القانون، فقد ينبغى أن يتحقق التضامن الخصب المنتج بين أجيال الأدباء مهما تباعدت وقدم عهدها، وليس من الطبيعى ولا من الحق ولا من العدل أن تستغل آثار المؤلفين القدماء لمصلحة الناشرين وحدهم، بل يجب أن يكون فيما ينشر منهم حق معلوم للمحتاجين إلى الرعاية والحماية من المؤلفين، وليس من الطبيعى ولا من الحق والعدل يستمتع المؤلفون المعروفون الموفورون بما ضمن لهم القانون من الحقوق، دون أن يكون بينهم وبين الناشئين من الشباب والذين تقدمت بهم السن ولم يتح لهم الثراء، والأيامى واليتامى من أزواجهم وأبنائهم، هذا التضامن الذى يفرض على الموفورين معونة المحرومين.
 
فإذا اجتمعت للدولة حصيلة هاتين الضريبتين، كان من أيسر الأشياء عليها أن تضيف إلى هذه الحصيلة شيئا من خزانتها، التى هى خزانة الشعب، وأن تعين بها من يحتاج إلى المعونة من ضعاف المؤلفين وأزواجهم وأبنائهم حين يتوفون عنهم.
 
ولست أبتكر هذا النظام من عند نفسى، ولكنه نظام مقرر فى بعض بلاد أوروبا، أخذت به إيطاليا منذ عشرين سنة ونفذته وحمت المؤلفين من العوز والبؤس، وأخذت به فرنسا ولكنها ما طلت وطاولت حتى أصدرت القانون منذ عشر سنوات، ولكنها لم تنفذه إلى الآن، لأن الشعور بالتضامن الاجتماعى بين الفرنسيين المعاصرين يحتاج إلى شىء من القوة، فالناشرون الفرنسيون يكرهون أن تفرض عليهم الضريبة الكبيرة والمؤلفون الموفورون من الفرنسيين يكرهون كذلك أن تفرض عليهم هذه الضريبة، والبرلمان الفرنسى متردد يشفق من أولئك وهؤلاء.
 
وأنا مطمئن إلى أن هذا التضامن لا ينقص الناشرين ولا المؤلفين المصريين، فنحن نعيش فى عصر ثورة أخص صفاتها توثيق الروابط الاجتماعية بين المواطنين.
فليتفضل رئيس الوزراء مشكورا ويطلب إلى زميله وزير العدل درس هذا المشروع والرجوع إلى مصادره فى البلاد التى أقرته، ووزارة المعارف قادرة على أن تطلب إلى مؤسسة اليونسكو ما اجتمع لها من الدراسات حول هذا الموضوع الذى كثر الكلام فيه منذ ربع قرن، وتقدمه إلى وزارة العدل لتدرسه وتستخرج منه مشروع القانون الذى أدعو إليه.
 
هذا رجاء أرفعه إلى رئيس الوزراء مطمئنا كل الاطمئنان إلى أنه حريص على ألا تكون رعاية الثورة للمنتجين العقليين، أقل من رعايتها للمنتجين الزراعيين  والصناعيين.
 
وأنا بعد ذلك كله حريص على أن تكون ثورتنا مساقة إلى الخير وعلى أن يكون قادتها من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله يهيئ لمصر وأبنائها من أمرهم رشدا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg