رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



الصورة والحقيقية

21-11-2018 | 18:15
إيمان طاهر

ما الذى قد يدهش المجتمعات ويؤثر عليها ويقودها؟
المجتمعات أو الجماهير تأخذ وقتاً طويلاً من الزمن وتتابع الأحداث والمواقف لكى تترسخ فى نفوسها وأذهانها أفكار وسلوكيات شبه متطابقة ومتفقة على هموم أو انتصارات شخصية.
فالجماهير متأخرة عن فكر العلماء أو الفلاسفة أو المحللين الباحثين الذين يعيشون فى همهم الأكبر بشكل يومى وهو الإنسان.
 
فقد يبدو صعباً إذا قلت إن ما قد يدهش ويؤثر على الفكر الجمعى قد يكون أفكاراً ليست بالعقلانية من حيث إخضاعها للقياس والتشبيه، لكنها تترابط عن طريق التجربة الحياتية وتتناقل، فالإسكيمو الذين يعرفون عن طريق التجربة أن الجليد جسم شفاف ويذوب فى الفم، وبما أن الزجاج أيضاً شفاف فقد اعتقدوا أنه يذوب بالفم !! أو الأطفال التى نشأت وسط عائلة مسيطرة أو متشددة أو أنانية ولا تعلى قيمة وأهمية الفكر أو الحوار والثقافة، ولا تقدم لهم الاحترام أو التقدير الكافي، يستنتجون تلقائياً حكماً على باقى المجتمع ويسقطون عليه كل ما سبق.
 
هذه الترابطات الفكرية برغم سطحيتها الظاهرة، فإنها تخلق تعميما مباشرا ليخرج من حالته الفردية إلى المنطق الجماعي.. وإذا ما حاولت أن تتحاور وتتناقش بالحجج العقلية ستكتشف أن كل ما سبق لا يمكن أن يفهم إطلاقاً من قبل الجماهير!!.
 
فالخيال الخاص بالجماهير مهيأ أكثر للتأثير العميق، كأن نذكرهم بأحداث أو شخصيات قد مرت عليهم، فخيال الأفراد يتشابه بعقل النائم الذى يتعطل مؤقتاً مستغرقاً فى حالته الخاصة وتوقظه بشكل قوى ومكثف على حدث ما لكنه سرعان ما يتلاشى ذلك التأثير انفعالياً كما حدث . ويتبخر.
ولذلك فالأشياء الأكثر استحالة هى عادة ما تكون الأكثر  إدهاشاً وتأثيراً واستمراراً كالأساطير، السحر أو البطولات.
وإذا عدنا للتاريخ سنجد أنهم بالفعل كانوا أهم العناصر الواضحة لبناء الحضارات، وعلى الرغم من عدم معاصرة تلك الجماهير للأحداث أو التاريخ الذى يمجدونه ويتعصبون له فإن اللا واقعى هيمن على الواقع فيه.
 
وأكثر الحضارات تأثيراً واستمراراً هى التى خلفت وراءها آثارا وصورا.. ويبقى الخيال الجماهيرى الذى تأثر بتلك الصور هو الأكثر وضوحاً ويمثل لهم السعادة والرضا وإذا تم استخدامه يمكن أيضاً تجييشه وتحريكه للقيام بتنمية حقيقية أو هدم مجتمعات كاملة.
 
فالواقع بحد ذاته ليس هو من يؤثر أو يشكل وعى المجتمعات، وإنما الطريقة التى تعرض بها هذا الواقع عليهم وتثير لديهم «التعاطف»، وسرعان ما سيتحول ذلك التعاطف إلى عبادة وخضوع، ومن هنا أغلقت كل الأبواب للمناقشة المجتمعية! فكل من سيرفض سيعتبر تلك المناقشات تهديدا لتلك المناطق السرية المليئة بالأسرار.. فالإنسان حاصر نفسه بنفسه ووضع كل طاقاته وعواطفه المبعثرة فى رمز ما، أفكار، معتقدات، أو شخص ما.. بل نصب نفسه مدافعاً متعصباً مستميتاً عما يعتقده.
 
من هنا ينشأ التعصب والعنصرية، وعادة ما يصبح الأفراد متعصبين للبيئات أو الظروف التى يجدون أنفسهم بداخلها، وقد يكونون لم يولدوا على تلك الفطرة أو الطبيعة (نستثنى بالطبع النظريات البيولوجية وتأثير الجينات الموروثة التى تؤكد أننا نولد بشيء من تلك النزعات الوراثية).
 
وبشكل حيادى ومجرد بعيداً عن التعصب سنجد أن الدول التى قامت على أساس عقائدى دينى أو سياسي، استمرت، هى التى عرف مؤسسوها كيف يشعلون العواطف لدى أفرادها.. فى كتاب «فوستيلدوكولانج» عن بلاد الغال الرومانية وضح لنا كثيراً كيف يمكن لإمبراطورية أن تستمر وتنتشر وتثير حولها كل هذا الإعجاب على مدى قرون فقال:»سوف يكون من غير المعقول أن يستمر نظام سياسى ما مدة خمسة قرون وهو مكروه من الشعب» هذا شيء لا سابقة له فى تاريخ العالم. ولا نستطيع أن نفهم كيف يمكن لثلاثين فوجاً عسكرياً فى الإمبراطورية أن تهيمن على مائة مليون وتجبرهم على الطاعة».
 
والحقيقة أن الرومان قد كانوا يقدسون بل يعبدون الإمبراطور الذى كان يجسد لهم رمزاً مستمراً للعظمة الرومانية وبقائها، وهكذا تظل العاطفة لدى الإنسان فى صراع أبدى مع العقل وغالباً ما تنتصر فى معظم الأوقات.. فى فترة ما فى التاريخ الفرنسى كانت هناك حركة شعبية تعرف باسم «اليولانجية» فلم يكن هناك منزل أو مكان إلا وكانت تتصدر صورة بطل تلك الحركة أوسطة. فقد وضعوا فيهم كل عواطفهم وأحلامهم وآمالهم، وسهل غياب العقل عن التحليل والإدراك أمام العواطف اعتقادهم أن هذا البطل قادر على رفع كل أنواع الظلم والشرور بل الأمراض!!.
 
وفى محاولة لفهم تلك النزعات التى قد تستعصى على التغيير، عبر الكاتب والروائى الرائع «دوستوفيسكي» وهو يروى تجربته الخاصة مع العقل والعواطف والتعصب «فبعد أن وصل إلى مرحلة الشك وأخذ عقله يحلل كل ما يقرأه ويسمعه كصور الآلهة والقديسين التى كانت تزين هيكلا أقامه فى منزله، وأطفأ الشمعات واستبدلها بمؤلفات الملحدين ثم أعاد من جديد إشعال الشمعات!
بدون شك أنه قد تغير .. ولكن هل غيره عقله إلى الأفضل أم انتصرت عواطفه فى النهاية!!
 
قدسية مهمة من يحاول تغيير وإعادة تشكيل وعى الجماهير وتنبيههم لأهمية العقل لا تقل أهمية عن اختيار وانتقاء تلك الشخصيات التى تتبنى القيام بها، فالعدوى المجتمعية هى أخطر ما يواجهنا كظاهرة مؤثرة وفاعلة فى سرعة التقليد سواء عن طريق الآراء الشخصية أو طرح الأفكار أو السلوكيات فلا يصاغ الوعى عن طريق خطباء البلاغة والكلام، ولا من يملك بداخله زوايا وأبعادا هائلة للتعصب.
 
تغيير المجتمعات يحتاج إلى تغيير خصائص رديئة نشأت عليها أو أدخلت وتطبعت بها. ولا يمكننا تغييرها بالعنف أو بالنقاش أو التعليم... عكس ما قد يعتقد الكثيرون فالتعليم لا يستطيع أن يجعل الإنسان أكثر تهذيباً أو أخلاقاً أو عقلانية وسعادة وأقل عنصرية وتعصبا.
 
ويمكننا أن نرى ذلك واضحاً فى صفوف بعض الفائزين الأوائل فى المدارس أو الجامعات، وكان معظمهم أكبر أعداء المجتمع والدول.. فالحفظ والتلقين والتقليد وتلك البلادة الفكرية التى نقدمها فى شكل تعليم لن يؤدى بنا فى النهاية إلا إلى خفض المستويات الفكرية وأعطال العقل عن التحليل، ونصل لحد البلادة الفكرية والسلوكية.
 
أعداد هائلة من الشباب الناقمين التابعين والمنهزمين عقلياً ضاعوا وهم لا يدركون.
 
لا نريد أن نكون صدى متناثرا لمجتمع كان يملك حضارة وتحول إلى أفراد معزولين عن أوطانهم.
دورة الحياة بأى شعب هى عبوره من حالة البربرية إلى الحضارة بالحلم، والتمسك بهذا الحلم والعمل عليه وليس العكس.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg