رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



إنعاش الروح العثمانية خطر على وحدة سوريا

21-11-2018 | 18:14
توفيق شومان

بين الحين والآخر، يتقدم الشمال السورى إلى واجهة الأسئلة الصعبة، والمرتبطة بمستقبل ومصير هذه المنطقة المحاذية للحدود التركية، فتحمل الأسئلة المذكورة العديد من الإجابات غير القاطعة حتى الآن، لكنها وثيقة الصلة بالآمال التركية المتعلقة بإعادة النظر بطبيعة النفوذ التركى فى المناطق التركمانية فى شمالى سوريا، وفقا لـ «اتفاقية أنقرة» فى العام 1921،  أو مراجعة اتفاقية رسم الحدود التركية ـ السورية الموقعة فى العام 1922، طبقا  لـ “اتفاقية لوزان‪ “‬
 
وفى ظل هذه الآمال المتحولة إلى طموحات، والطموحات المتحولة بدورها إلى إستراتيجيات، تحث تركيا الخطى، لخلق وقائع جديدة فى المناطق التى تسيطر عليها فى شمالى سوريا، معتمدة على مجموعة من الركائز الميدانية والأمنية، والديمجرافية والتعليمية والتجارية، والتى ترنو فى خاتمتها إلى ربط قرى ومدن الشمالى السوري.
 
وتمارس تركيا فى الشمال السورى، ما يمكن وصفه 
 
بـ “سياسة الغموض البناء “، القائمة، من جهة، على خطاب علنى ملأه التأكيد على وحدة الأراضى السورية، ومن جهة ثانية العمل الحثيث على تغيير الوقائع على الأرض.
وإذا كان خطاب العلن والظاهر، لا يحتاج إلى جدل أو مادة سجالية، لكونه محل اتفاق عام، على الرغم من الشك والارتياب اللذين يحيطان بتفاصيله، فإن المجريات السائدة والسائرة فى شمالى سوريا، وما تقوم به تركيا، من سياسة مبرمجة لإلحاق السكان والأرض فى مناطق سوريا الشمالية بالجنوب التركى، تدفع إلى القول بوجود إستراتيجية تركية تغييرية، ولكنها غير معلنة فى هذه المناطق.
وبناء على ما تقدم، يمكن تقسيم ركائز الإستراتيجية التركية الإلحاقية للشمال السورى بتركيا، وفقا للتالي:
 
أولا المجال التربوى والتعليمى، حيث أقدمت تركيا على تعديل العديد من المواد الدراسية فى المناهج التربوية العائدة للسنوات الدراسية الإعدادية والمتوسطة، وعملت على إدخال اللغة التركية كمادة تعليمية إلى جانب اللغة العربية فى المدارس السورية الواقعة فى القرى والمدن التركمانية السورية.
كما رعت “ هيئة التعليم العالي” التركية، افتتاح جامعة «الشام» وجامعة «باشاك شهير» فى مدينتى إعزاز والباب السوريتين المحاذيتين للحدود التركية، وخصصت معونات مالية للطلاب الجامعيين، مع تسهيلات لمتابعة تعليمهم العالى فى الجامعات التركية، بشرط الولاء لسياسات أنقرة.
 
ثانياً فى المجال المالى والتجارى، عملت تركيا على افتتاح فروع للبريد التركى فى مدينة جرابلس السورية بهدف تسهيل المعاملات المالية والتجارية بين مناطق الشمال السورى والداخل التركى، من خلال رعاية مراكز تحويل الأموال وعقد الصفقات التجارية عبر أجهزة البرق واللاسلكى، وغدت الليرة التركية عملة ثالثة مستعملة إلى جانب الليرة السورية والدولار الأمريكى فى شمالى سوريا، حيث المناطق الخاضعة لقوات “درع الفرات‪“‬.
 
ثالثا فى الجانب الديموجرافى والسيادى: مع إصرار تركيا على إبقاء قواتها فى سوريا، وربط جلاء هذه القوات عن سوريا بالحل السياسى، فإن اعتماد سياسة تغيير أسماء القرى السورية التى دخلها الجيش التركى، وتسميتها بأسماء تركية، يؤشر إلى فعل تركى ممنهج مرتبط برغبة بقاء طويلة الأمد فى سوريا، ويترافق ذلك مع تسمية شوارع وأزقة بأسماء ضباط أتراك قتلوا فى سوريا، وأيضا مع نصب الأعلام التركية فى القرى السورية، وتتماشى هذه الإجراءات مع إنعاش الروح العثمانية  فى الوسط التركمانى السورى، ارتكازا على أسلوب «التطبيع النفسى» للسوريين، بهدف التصالح الوجودى مع السيطرة التركية على مناطق “ درع الفرات.
 
‪ ‬‪ ‬استحضار التاريخ ‬
 
فى فبراير من العام 2015، أصدر الرئيس التركى رجب طيب أردوغان أمر عمليات ميدانى بنقل ضريح سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية، عثمان الأول بن أرطغرل، إلى «مكان آمن»، وحينذاك، توغلت القوات التركية بعمق أربعين كلم داخل الأراضى السورية لنقل الضريح، وقد انطوت هذه العملية العسكرية على دلالات لا تخلو من الوضوح، لجهة استحضار التاريخ كعنصر من العناصر المحركة للسياسة التركية فى سوريا.
 
ولتطبيق هذه السياسة على أرض الواقع، راحت أنقرة تعتمد على الكتلة السكانية التركمانية فى شمالى سوريا، علما بأن أكثر مؤشرات هذه السياسة كانت ظهرت فى العام 2013، فى مدينة حمص، وبالتالى فى المعارك الشهيرة التى جرت وقائعها فى حى «بابا عمرو»، الذى كانت تقطنه كتلة تركمانية كبيرة
 
وواقع الحال، أن الاعتماد التركى على الكتلة السورية التركمانية، ليس أمرا غامضا، ولا هو قيد البحث أو النقاش، فمنذ ذهاب الأزمة السورية إلى التعسكر وطواحين الحروب، اتجهت تركيا باطراد إلى تشكيل مجالس عسكرية تركمانية، وكان منها‪ :‬
 
ـ «كتائب السلطان عبد الحميد» ـ كتائب “جبل الإسلام” ـ “اللواء التركمانى الأول” فى منطقة القلمون المحاذية للحدود اللبنانية ـ “لواء أحفاد عثمان” فى ريف حمص الشمالى ـ “فرقة السلطان مراد” فى ريف حلب ـ ولواء “محمد الفاتح” ـ “ لواء سمرقند” ـ ولواء “المنتصر بالله”ـ كتائب “ أنوار الحق التركمانية “ـ لواء “ ممدوح جولاه “ـ الفرقة “الساحلية الثانية” بقيادة بشار منلا، الفرقة الساحلية الأولى “ فى ريف اللاذقية على الشاطئ السوري. ‬
 
وإلى جانب هذه “ المجالس العسكرية، رعت تركياإنشاء “ مجالس سياسية “ تركمانية، من بينها : “ المجلس التركمانى “ الذى تأسس فى العام 2013 ويضم أحزابا  عدة، أبرزها الكتلة الوطنية التركمانية وحزب النهضة التركمانى والحركة الديمقراطية التركمانية.
 
ومن وقت إلى آخر، اتجهت تركيا إلى دمج الكتل السياسية والأحزاب التركمانية فى إطار شبه موحد، كما عملت على دمج الكتل والجماعات التركمانية المسلحة تحت مظلة  «الجيش الحر»، فيما شكل التركمان العمود الفقرى المحلى السورى لقوات “ درع الفرات “، التى تتلقى دعما ماليا وسياسيا وإعلاميا مباشرا من أنقرة
 
الواضح من خلال هذا السياق، أن قاعدة التعامل التركى مع الشمال السورى، تنطلق من الرهان على الكتلة التركمانية، انطلاقا من “ خطاب الحماية “، ووحدة الجذور العرقية، فيما الآلية التنفيذية لهذا الخطاب تعتمد على‪ :‬
 
ـ الحدود التركية ـ السورية التى تمتد على طول يبلغ 911 كلم، حيث تقع مدن وقرى سورية يسكنها عرب وتركمان.
ـ العزف على أوتار الصراع القومى التركى ـ الكردى، ففى شمالى سوريا وشرقيها تعددية تتشعب بين العرب والتركمان والأكراد والأشوريين والأرمن وغيرهم، مع غالبية عربية وكتلة تركمانية استعربت منذ وقت طويل.
 
ـ رهان تركى على صدام سورى ـ سورى من خلال صدام الأكراد والتركمان السوريين.
 
وربما السؤال الناتج بعد كل ذلك، يتمحور حول عدد التركمان السوريين، ففى حين يرى “نيكولاس فان دام” المستشرق الهولندى والدبلوماسى السابق، فى واحد من أشهر الكتب الموضوعة عن سورية (الصراع على السلطة فى سورية ـ طبعة أولى صادرة فى العام 1995)، أن نسبة التركمان السوريين ثلاثة فى المائة من التعداد السكانى السورى العام، أى بحدود  النصف مليون نسمة، فإن الأتراك يرفعون هذا الرقم إلى حدود الثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى القول إن عدد التركمان السوريين يقارب المليون ونصف المليون شخص.
 
خاتمة
 
منذ انطلاق الأزمة السورية فى العام 2011، طرحت تركيا إقامة “ مناطق آمنة “ فى شمالى سوريا، إلا أن اعتراض روسيا وتحفظ الولايات المتحدة، حالا دون تحقيق الهدف التركى، الذى يتيح لأنقرة نفوذا قويا داخل سوريا.
 
غير أن تعقيدات الأزمة المذكورة، وامتدادها الزمنى وطغيانها الدموى، وبروز التناقض الروسى ـ الأمريكى حيال العديد من القضايا الثنائية والدولية، أتاحا لتركيا الدخول إلى عمق الأراضى السورية فى العام 2016، وهو الأمر الذى نقل هذه الأزمة إلى مرحلة جديدة من التعقيدات والتحديات.
 
ولعل فى طليعة هذه التحديات، ما يرتبط بمستقبل الدور التركى فى شمالى سوريا، وهو دور لصيق الارتباط بطموحات النفوذ فى الجوار الإقليمى، مرة فى العراق ومرة فى سوريا، وإذا كانت مفاعيل هذه الطموحات قليلة المكاسب والأوزان فى العراق جراء أسباب شتى، فإن هذه المفاعيل شديدة الخطورة فى سوريا، نظرا لوجود ثقل عسكرى تركى فاعل، يستغل التناقضات الدولية، لتكريس إستراتيجية بعيدة المدى، قوامها حماية “أخوة الدم والعرق”، والدفاع عن الأمن القومى عبر مواجهة الأكراد، والنفخ فى روح التاريخ، وكل ذلك يترافق مع “ تتريك “ مبرمج، يخط أسطره الأولى بتعليم اللغة التركية، ولا ينتهى بتغيير أسماء القرى السورية، وتسميتها بأسماء تركية حديثة أو عثمانية آتية من أعماق التاريخ وأغواره.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg