رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



ليبيا بعد مؤتمر باليرمو .. هل تغير شىء؟

21-11-2018 | 18:13
د. حسن أبوطالب

آمل كثيرون وإن بتحفظ وحذر أن يكون مؤتمر باليرمو الذى عقد يومى 11 و12 نوفمبر الجارى، برعاية إيطالية بمثابة خطوة فاصلة تقود إلى تغيير مهم فى الأزمة الليبية، وتسمح بالانطلاق نحو تسوية سياسية شاملة يقبل بها كل الفرقاء الليبيين، وتكون مدعومة دوليا وإقليميا، لكن هذا الأمل لم يتحقق منه سوى نزر يسير، والذى تمثل فى عدة عناصر رئيسية، أولها دعم خطة المبعوث الدولى غسان سلامة الخاصة بعقد مؤتمر وطنى جامع فى ربيع العام 2019، يليها إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وثانيها تأييد الجهود المصرية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية تتمتع بالمهنية والمساءلة تحت الإشراف المدني. وثالثا دعم الإجراءات التى تقوم بها البعثة الأممية لدعم ليبيا فى مجال الاقتصاد وترشيد الإنفاق وضبطه ومنع المصروفات غير الشرعية ودمج فرعى البنك المركزى.
 
ولم يخل الأمر من تحفظات على خطة المبعوث الدولى، أو على الأقل لفت النظر إلى عدة مبادئ مهمة من شأنها أن تدعم تلك الخطة وتؤيد نتائجها المنتظرة، مثل التأكيد على أهمية المشاركة النسائية فى الملتقى الوطنى المزمع عقده، وأن ترتبط نتائجه بجدول زمنى ملزم لكل الأطراف الليبية، وألا يكون هذا الملتقى الوطنى بديلا عن المؤسسات الرسمية القائمة لحين إجراء الانتخابات. ويلفت النظر هنا دعم البيان مبدأ ضرورة التزام كل الأطراف الليبية بنتائج الانتخابات وتوقيع عقوبات دولية على  المخالفين والذين يعرقلون تلك النتائج.
 
 الالتزام المفقود
 
وعلى الرغم من أن تلك العناصر تعد مهمة فى حد ذاتها، لكن يبقى التزام الأطراف الليبية بها هو الأهم. ووفقا لمؤتمرات سابقة ولقاءات راعتها دول مختلفة، وهدفت إلى احتواء الاختلافات الرئيسية بين المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطنى الليبى المتمركز شرق البلاد، وبين فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطنى المعترف بها دوليا، فإن شقا مهما من هذه الاختلافات ما زال قائما، وتعد كأحد الأسباب الرئيسية فى فشل إجراء الانتخابات التى اتفق على عقدها فى ديسمبر المقبل حسب الاتفاق الذى تم نظريا فى يونيو الماضى فى باريس، حين جمع الرئيس ماكرون ممثلى القوى الرئيسية فى الأزمة الليبية، وانتهى الأمر آنذاك إلى عقد الانتخابات بعد الانتهاء من الترتيبات القانونية الخاصة بها، لاسيما إصدار البرلمان المستقر فى طبرق قانونا للانتخابات، وتفعيل عمل المفوضية الخاصة بالانتخابات وتوفير متطلباتها الفنية والمالية، وهى الاتفاقات التى لم يتم الأخذ بها، إضافة إلى حالة الفوضى الأمنية التى شهدتها العاصمة طرابلس ، وما زالت موجودة على الرغم من بعض الإجراءات التى تمت برعاية بعثة الأمم المتحدة لإخراج الميليشيات المسلحة من المؤسسات الرسمية، والبدء بخطوات لبناء أجهزة أمنية وفق ضوابط قانونية واضحة واشتراطات مهنية متعارف عليها أمميا.
وفى بيان أصدرته البعثة الدولية قبل المؤتمر بأيام قليلة، أوضح أن تدخل تلك الميليشيات المسلحة فى سبل معيشة الليبيين والثروة الوطنية الليبية يعد أمراً خطيراً، ويجب أن يتوقف على الفور، داعيا لملاحقة مرتكبى هذه الأعمال ومقاضاتهم جنائياً، وشدد بيان البعثة على ضرورة انسحاب المجموعات المسلحة من المؤسسات الليبية والمؤسسات السيادية والمرافق المدنية، وليس إحكام قبضتها على هذه المؤسسات.
 
 دوافع إيطالية
 
وكان واضحا قبل مؤتمر باليرمو أن دوافع إيطاليا لعقد هذا المؤتمر بمشاركة عدة دول إقليمية وممثلين عن دول كبرى، لا تقف فقط عند دفع الحلول السياسية والسلمية واحتواء الخلافات الكبرى بين الليبيين أنفسهم، بل  ارتبطت أيضا بالتنافس مع فرنسا، والحفاظ على مصالحها الكبرى الاقتصادية والنفطية والتجارية التى ترتبط بها روما مع ليبيا تاريخيا. وكان واضحا أيضا أن الاهتمام الاكبر لرئيس الوزراء الإيطالى يتمثل فى تشكيل حالة إقليمية ودولية تدعم المشاورات بين الليبيين أنفسهم، وليس تقديم مبادرة متكاملة أو أفكار رئيسية من شأنها أن تنهى الكثير من أوجه الخلاف بين المؤسسات والقوى الليبية.
 
ولذلك انتهى الأمر على نحو يدعم نظريا وسياسيا ودعائيا مهمة بعثة الأمم المتحدة والأفكار الجديدة التى طرحها غسان سلامة رئيس البعثة الأممية أمام مجلس الأمن قبل أربعة أيام فقط من عقد مؤتمر باليرمو.
 
أما إنهاء الخلافات بين المشير حفتر ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج، فلم تتحقق، اللهم سوى تخفيف حدة الابتعاد النفسى بين الطرفين، عبر الجمع بينهما فى لقاء برعاية رئيس الوزراء الإيطالى جوزيبى كونتى، كان من آثاره الإيجابية تأييد حفتر استمرار حكومة الوفاق الوطنى بدون تغيير أو إعادة هيكلة للمجلس الأعلى للدولة الليبية برئاسة خالد المشرى خلال الفترة الانتقالة المحدودة التى اتفق علها عرفا حتى انعقاد المؤتمر الوطنى الجامع الذى دعا إليه المبعوث الأممى ، ووافق عليه مجلس الأمن وأيدته الدول المشاركة فى مؤتمر باليرمو، على أن يتبعه إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ويعزى تأييد حفتر لاستمرار حكومة الوفاق على ما عليه لأن أى تغيير قد يؤدى إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابى لفترة أطول فى حين أن المطلوب هو الإسراع بهذا الاستحقاق الشعبى والدستورى المهم.
 
 استبعاد ممثلى الإرهابيين
 
مرونة المشير حفتر بشأن استمرار حكومة الوفاق لم تمنعه من الثبات على موقفه الخاص برفض دمج الميليشيات المسلحة فى الجيش الوطنى الليبى، كما لم تمنعه من الإصرار على عدم مشاركة أطراف وصفها بأنها داعمة  للإرهاب فى ليبيا وبمثابة ممثلين لتنظيم القاعدة وهما تحديدا تركيا وقطر، واللتان تم استبعادهما من اللقاء الأمنى المصغر الذى جميع رؤساء مصر وتونس وممثلى روسيا والاتحاد الأوروبى وممثلى المؤسسات الليبية والمبعوث الدولى، وهو الاجتماع الذى أدى بنائب الرئيس التركى إلى عودته إلى بلاده، معتبرا أنه انسحاب من المؤتمر، وأن أى حل فى ليبيا يستبعد بلاده سيظل مشكوكا فيه وستأتى بنتائج عكسية، ما اعتبره كثيرون بمثابة تهديدا مبطنا بأن بلاده ستستمر فى لعب أدوارها التخريبية المعتادة فى الشأن الليبى، وبما يؤكد صحة موقف مصر والمشير حفتر باستبعاد الأطراف الداعمة للكيانات الإرهابية والمسلحة المنفلتة عن أى حوار بشأن الاوضاع الأمنية فى ليبيا.
 
وفى اللقاء الأمنى المصغر فقد أكدت مصر ممثلة فى الرئيس السيسى على موقفها الواضح والثابت والقائم على دعم مختلف الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة للأزمة الليبية تحت رعاية الأمم المتحدة، ووفقًا لمبادئ الموقف المصرى المتمسك بوحدة أراضى ليبيا ودعم مؤسساتها الوطنية واحترام إرادة شعبها، وبما يسهم فى عودة الاستقرار والأمن إلى منطقة الشرق الأوسط، وتُمكين البرلمان والحكومة وسائر الهيئات من الاضطلاع بمهماتها، فضلا عن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة، وأن يتحمل جميع الليبيين مسئولية التنفيذ.
 
 الخلاف بين حفتر والسراج
 
 فعلى الرغم من اللقاء الودى بين كل من المشير خليفة حفتر وفائز السراج، فقد ظل الخلاف الرئيسى قائما بينهما والمتعلق ببناء جيش ليبى وطنى يخضع لقيادة عليا مدنية يمثلها رئيس الدولة، وبينما يصر حفتر على أن رئيس الدولة هنا لابد أن يكون منتخبا من الشعب، وهو أمر غير موجود الآن، ولا ينطبق على السيد فائز السراج الذى يرأس حكومة الوفاق الوطنى المشكلة وفقا لاتفاق الصخيرات. إضافة إلى نقطة أخرى تتعلق بدمج عناصر الميليشيات المسلحة التى تنتشر فى الغرب الليبى وفى العاصمة طرابلس، ومنها ما يحصل على دعم من البنك المركزى الليبى الذى يخضع لسلطة حكومة الوفاق، وأبرزها كتيبة النواصى بقيادة مصطفى قدور، والتى تعد حليفة للسراج شخصيا، إذ يرفض حفتر اى دمج لمثل هذه العناصر المسلحة لكونها إرهابية أو حليفة لجهات خارجية كقطر وتركيا واللتين تمولان ما يعرف بقوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة، وكتيبة ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجورى، ويصل قوام الأولى إلى خمسة آلاف مسلح،  والثانية إلى 3500 مسلح، والتنظيمان ينتميان إلى تيار الإسلام السياسى العنيف.
 
ووفقا لتقارير دولية فهما من أبرز التنظيمات المسلحة التى تتاجر بالبشر والمخدرات، وحسب إفادة المبعوث الدولى غسان سلامة الأخيرة أمام أعضاء مجلس الأمن ليلة الثامن والتاسع من نوفمبر الجارى، فهذه التنظيمات مسئولة عن حالة الفوضى فى العاصمة طرابلس ومحيطها، وأنها تقوم بالسيطرة على المؤسسات الرسمية فى العاصمة الليبية وابتزاز موظفيها وتحصل على أموال منها بدون وجه حق، وهو ما يدعم موقف حفتر بأن المطلوب هو كبح هذه التنظيمات المسلحة والإرهابية وليس إضفاء الشرعية عليها ودمجها فى جيش من أهم عناصره أن يتمتع المنتسبون إليه بالانتماء الوطنى وليس العمالة للخارج والعمل ضد الشعب والوطن.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg