رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



حقا.. إنه عالم ترامب

28-11-2018 | 00:29
مهدى مصطفى

 

حقا إنه يغرّد على تويتر، فتتغير رقعة الشطرنج.
ومع كل تغريدة صباحية تذهب أموال جورج سوروس سدى، وينتهى عصر الاطمئنان الأوروبي، وتتلاشى أحلام  المرحوم كارل بوبر بالمجتمع المفتوح.
حقا إنه عالم دونالد ترامب، القادم من دهاليز الشعبوية الأمريكية، وهى شعبوية عميقة تناهض نخبة واشنطن الليبرالية جدا.
نخبة واشنطن عاشت وآمنت بالانتصار على مبدأ مونرو، مبدأ انعزال الأمريكتين وراء المحيط، بعيدا عن أوروبا العجوز، وعن العالم الخطير جدا.
وجاء ترامب من بعيد، كأنه فكرة مجنونة من عالم خيالى، أو فكرة منسية طواها الزمن.
نخبة واشنطن المطمئنة لدوام الحال، كانت تنظر إليه كحالة عاطفية انتخابية ستتلاشى مع الوقت، تراه حالة مرضية عابرة، لا تعبّر عن سلامة قلب واشنطن الليبرالى جدا، فلا عودة، ولا استسلام عن تقاليد روما القديمة.
منظرو واشنطن كانوا مطمئنين إلى فوز هيلارى كلينتون، ساعى بريد العولمة، وخلية الديمقراطية النابضة.
أما نخبة أوروبا فنامت مطمئنة هى الأخرى، تكتب، وتنشر، وتقرأ، وتفكر فيما بعد فوز هيلارى المضمون، فما يطرحه هذا المرشح المجهول هو استكمال للمسرح الانتخابى الأمريكي، ولا شىء سيحدث على خشبة المسرح الغربي.
سقط الجميع فى بئر الاطمئنان عبر الأطلسي، وفاز المرشح المجهول، ورسبوا فى الامتحان المعلب، ووجدوا أنفسهم خارج أسوار جامعة السياسة العالمية، محشورين فى مقاعد الدراسة الترامبية ليتعلموا رفع شعار أمريكا أولا وأخيرا.
ونخبة واشنطن المبجلة بيديها كل وسائل الإعلام، ومراكز الدراسات العميقة، كيف تسكت على هذه الهزيمة المروعة؟
والإعلام والمنظمات، ومراكز الدراسات بيد جورج سوروس، العولمى المفتوح حد التخمة، فكيف يسكت على ضياع أمواله الطائلة، قالوا إنه سيتحرك لتدمير هذا الشىء غير المتوقع، فأشار سوروس إلى جماعاته المنتشرة حول العالم بأن هذا المجهول  جاء بمساعدة الروس، وفاز لأنه شعبوي، وسوروس مع المجتمع المفتوح لصاحبه كارل بوبر، والشعبوية خطر مقيم.
سوروس لا يؤمن بأن الشعب هو المعلم، فالمعلم هو مراكز دراسات، ووسائل إعلام، وأفلام وثائقية، وقلة من السياسيين يتنقلون كالفراشات بين الوظائف فائقة الأهمية.
سوروس يعض أصابع الندم مع كل تغريدة، ومعه جماعات منتشرة فى عواصم الشرق والغرب، يبكون على لبن العولمة المسكوب، فى انتظار اختفاء الترامبية.
لكنها لن تختفى، حتى لو اختفى الشخص.
وعلى العالم أن يستعد للإقلاع من عالم نخبة واشنطن الليبرالية جدا، إلى عالم جديد، لا توجد فيه أوروبا المحاربة المتعالية، ولا أمريكا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
فلا عودة إلى ما قبل ترامب، ومن قصة التلاسن بينه وبين الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون عليكم أن تدركوا حقيقة واحدة، هى أن  الدرس انتهى.
فالرئيس الفرنسى الشاب، كان صريحا جدا، واعترف بأن أوروبا هشة، تعيش تحت الحماية الأمريكية اطمئنانا زائفا، ودعا إلى تكوين جيش أوروبى حقيقي، يحمى القارة العجوز من روسيا والصين، وحتى الولايات المتحدة!
وملك التغريدات يرد ساخرا بأن: «إيمانويل ماكرون يقترح تشكيل جيش خاص له لحماية أوروبا من الولايات المتحدة والصين وروسيا، لكن ألمانيا هى الأساس فى الحربين العالميتين الأولى والثانية، فماذا نتج عن ذلك لفرنسا؟ لقد بدأوا تعلم اللغة الألمانية قبل دخول الولايات المتحدة على الخط».
كانت هذه التغريدة واحدة من سلسلة تغريدات هاجم فيها ترامب ماكرون وأوروبا نفسها، وكتب: «هذا مهين للغاية، لكن ربما يجدر بأوروبا أولاً أن تدفع حصتها العادلة فى حلف شمال الأطلسي، الذى تدعمه الولايات المتحدة بشدة».
يا إلهى، من يصدّق أن كل هذا يحدث بين حلفاء وشركاء دم وناتو وتجارة وهيمنة؟ ومن يصدق هذا التلاسن والمعايرة عبر شركاء الأطلسي، ومن يصدق وهم يحتفلون بمرور مائة عام على  نهاية حرب عالمية أولى، ومن يصدق وقوع الطلاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبى أمام 27 دولة فى بروكسل؟
 إنه حقا عالم ترامبى جدا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg