رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



قراصنة الأحلام

1-12-2018 | 16:35
إيمان طاهر

عندما طرأت فكرة العدل والمساواة على الفيلسوف الألمانى وعالم الاقتصاد “كارل ماركس” تداعت الكثير من مقالاته، لتشكيل مبادئ الشيوعية أو الاشتراكية كأفكار سامية، تتيح للأفراد مستوى معيشى عادلاً، بعيدا عن استغلال الطبقات الأرستقراطية أو النخبة، مروراً بكل الأفكار والمصطلحات التى مرت عبر التاريخ إلى الآن من ديمقراطية أو ليبرالية أو علمانية... إلخ...

 وفى الحقيقة أؤمن كثيراً بالأفكار البناءة لصالح الإنسان وبقاء الإنسانية، لكننى لا أؤمن إطلاقاً بمن يتبنونها من السياسيين، فكل منهم يأتى ليأخذ بتلك الأفكار ويخرج بها على شعبه، كالعصا السحرية القادرة على إبقاء مجتمع فى شكل منتظم... فتحولت الأفكار النبيلة إلى أدوات للخداع، فأصبحت اشتراكية أو ديمقراطية تمثيلية!! ما الذى دفع بكل تلك الجماهير الفرنسية الغاضبة للنزول إلى الشارع الفرنسى بهذا النظام والوحدة؟!
 
منذ عدة أيام فى أحد لقاءات ماكرون، رئيس فرنسا، تحدث بلا وعى أو انتباه فوصف الشعب الفرنسى كالآتى: “هذا الشعب الدانماركى اللوثرى الذى عاش تحولات السنوات الأخيرة، مثل قبائل الغال المقاومة للتغيير”، ومن هنا تدخل اليمين المتطرف بكل ثقله وعلق، بأن تلك التصريحات المتعالية هى إلهاء للشعب لينسى الصعوبات الاقتصادية التى يعانيها، وسرعان ما التقطت الجماهير الغاضبة الخيط وملأت الشوارع تحت مسمى أولى بالضغوط الاقتصادية، وبدأ التراشق بين وزير الداخلية “كاستانر” وزعيمة اليمين المتطرف “مارين لوبان” المرشحة السابقة للرئاسة...
 
لغز الجمهور لا ينظر إليه بشكل قصير الأمد، فالواقع الباعث على الكثير من النقاط الواضحة وراءه أكثر النقاط غموضاً.... فهذه الجماهير الغاضبة تصرخ فى وجهنا بكل انفعالاتها الصاخبة وروابطها العاطفية وردود أفعالها شبه المتسقة لنرى مشهدا فى جملته ينذر بسمات لطالما أحاطت بوحدة الجماهير “انحطاط للنشاط الفكرى، درجة مشتقة من العواطف، عجز تام عن ضبط النفس وصولاً لمرحلة تجاوز الحدود القانونية فى الانفعال!!...
 
فغريزة التجمع لدى الجماهير تشبه كثيراً غريزة القطيع الفطرية لدى الإنسان كما الحيوانات تماماً فى تكوينها البيولوجى والنفسى، فالفرد يشعر أنه ناقص حينما يكون وحيداً لذا يلجأ معظم البشر لعقد صداقات وتجمعات وهكذا نستخلص أن السيكولوجيا الجمعية هى أقدم سيكولوجيا بشرية.
 
لماذا تخشى الحكومات من الجماهير؟...
 
الخوف العميق من الجماهير منذ دخول الطبقات الشعبية فى الحياة السياسية، بعد أن كانت فى العهود القديمة مقتصرة على الطبقة الأرستقراطية المثقفة قليلة العدد، وتحولها إلى الجماهير التى لا تتوافر فيها القدرة على التنظيم والتفكير الواعى المثقف الهادئ، نتاج بيئات قادرة على تربية وتعليم تلك الفئة، وإعدادها بشكل يلائم طموحاتها المستقبلية فى القيادة، فالقوة العمياء هى من تحكم سلوكيات الجماهير، ليذوب إحساس الفرد الذاتى بشخصه وسط الجماهير، وقد يكتسب صفات ما كان يتخيل أبداً، وهو بكامل وعيه وإرادته أن يسلكها!! ففى الحشود يفقد الإنسان فاعلياته الواعية ويخضع كالمنوم مغناطيسياً فى يد من يقوده دوماً نعود إلى العصور القديمة والوسطى كمثال، أو حتى فى الحركات الدينية فى الزمن الحديث، فتلك الحركات تعتقد فيمن يقودها أنه خارق للبشر فتخضع لأوامره وترفض حتى مناقشة عقائده وأفكاره، وتعتبر من يناقشها ويستدعى الحوار حولها شكلاً من أشكال العداء !! ما الذى يقود ذلك الجمهور الدينى عنصران متمازجان لا ينفصلان ولا يمكن تقديم أو تأخير أحدهما عن الآخر، عنصر السر الخارق للطبيعة وعنصر المعجزة....فيخضعون كل طاقاتهم الروحية فى ذلك الشخص الذى يمثل تلك الأيديولوجيا المطلقة للمعرفة لديهم... مثلهم كمثل معارضيهم تماماً !!
فالخاضع لأى فكرة ما شكلت وحدة جماهير، فإذا ما حضرت اجتماعا أو ندوة لهم أقل اعتراض سيقابل بالصيحات والشتائم العنيفة والإهانات، وقد تحاول عقولهم المضطربة نسج أوهام حول المعترضين كنوع من التضليل العقلى لتهدئة ضمائرهم وإحساسهم بالدونية...
 
وقد تنتهى تلك الصراعات إلى الأذى الجسدى فى أرجح الظروف... فالفرد المنخرط فى جمهور تتحول عواطفه سواء كانت إيجابية أم سلبية إلى الكائنات البدائية وسرعان ما تتلاشى كل ثقافة سابقة أو اعتدال أخلاقى أو مبادئ... فينظر على الأمور ككتلة واحدة فيغيب عنه التدرجات الانتقالية وتتحول الأوهام إلى يقين لا يقبل الشك !!..
 
فهكذا يشعر الفرد وسط الجماهير بالثقة وتضخم الذات، وكلما كان الجمهور أكبر كلما اطمأن لسياج الحماية النفسى المحيط به، ولعدم خضوعه إلى مساءلة قانونية والتحرر من إحساسه بعدم الكفاءة...
ولعل هذا يفسر لنا بشكل كبير كيف ترتكب الجماهير أبشع الجرائم وأكثرها تطرفاً وعنصرية فى حالة تحركها نحو أهداف تخريبية، والعنصر الأخطر هو سرعة تأثرها وحالة العدوى النفسية المهيأة لتفعيل الغرائز البدائية، يجعل منها أكثر سذاجة لتقبل الفكر الجمعي.. وهنا يبدأ الإنسان مراحل هبوطه على سلم الحضارة وتتلاشى لديه حتى غريزة البقاء!!.
 
 من المسلم به فى تتبع أى ثورات أو احتجاجات سواء كانت سياسية أم دينية أن العنصر المشترك هو غياب العقل. فكل الثورات الفكرية مثل الاشتراكية وإن لاحت كفكر ظاهرى إلا أنها فى الحقيقة قامت على عواطف وتخضع لمنطق لا علاقة له بالعقل على الإطلاق، فالثورات أو الاعتراضات التى تحشد جمهوراً وفيراً تنشأ عن معتقدات تأصلت فى النفوس أو لإحساس عام بالاستياء، خصوصا إذا كان من يقود حزبا قويا خلف الأحداث، وراءه أهداف للاستحواذ على السلطة وتحالفات دولية، ولا ينبغى أن ننظر على أنه استياء عابر!!.
 
فتراكم الاستياء يفرز نتائج حتى تقوم ثورة وتنتهى لتعقبها ثورة...إلخ. 
 
تاريخ فرنسا يخبرنا بالكثير عن طبيعة هذا الشعب وثوراته الناشئة عن عوامل نفسية مرتبطة بالضغوط الاقتصادية. والأحداث السياسية الأخيرة فى العالم بدون استثناء وبدون العودة للخرائط، فقد تخطى من يحرك العالم تلك النغمة الموسيقية ووصل لمنتهى السيمفونية على الرغم من عدم اكتمالها بعد....
 
وقد يبدو الواقع بكل تفاصيله المضطربة، التى تثير فى النفس الهلع والخوف وتشكل نوعاً من العجز فى كيفية مواجهتها، إلا أنه ليس أمامنا إلا التأمل فى الماضى والواقع وربطهما بكل الحلول الممكنة للمستقبل، فالأمر متروك الآن للشعوب الأكثر وعياً للنجاة من طوفان استخدام الجماهير... فأدنى جوقة من الملائكة حتى تتألف من أعداد وفيرة....
 
 ستبقى الأفكار حلماً لواضعيها فى سبيل ارتقاء البشرية ويظل السياسيون قراصنة الأحلام.
 
للحديث بقية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg